دكتور محمد الشافعي
ليس كل من يدخل حياتنا يأتي ليمنحنا السعادة، فبعض الأشخاص لا يأتون إلا ليتركوا وراءهم درسًا لا يُنسى. والمفارقة العجيبة أن أرخص الناس قدرًا وأقلهم وفاءً قد يكونون سببًا في أغلى درس نتعلمه في العمر كله.
هناك تجارب مؤلمة لا نتمنى عودتها، لكنها تظل من أكثر التجارب أثرًا في تشكيل شخصياتنا وصقل وعينا. فالحياة لا تُعلِّمنا دائمًا على أيدي الحكماء والأوفياء، بل قد تجعل بعض دروسها الكبرى على أيدي الجاحدين والناكرين للجميل.
مررت في حياتي بتجربتين من هذا النوع. الأولى كانت مع رجل ظننته صديق العمر ورفيق الطريق. منحتُه من الثقة ما لا يُمنح إلا للقليل، وفتحت له أبواب حياتي قبل أبواب بيتي، حتى إن مفتاح شقتي كان في يده عندما كنت أقيم بمفردي قبل الزواج. كنت أتعامل معه بصدقٍ كامل وعطاءٍ لا يعرف الحسابات، معتقدًا أن الوفاء يولد الوفاء، وأن المواقف النبيلة لا تضيع بين الأصدقاء. لكن الأيام كشفت لي أن بعض الناس يجيدون استقبال المعروف أكثر مما يجيدون رده أو حفظه.
أما التجربة الثانية فكانت أكثر قسوة وأشد وقعًا على النفس. فقد ارتبطت بإنسانة أوليتها من الرعاية والاهتمام والدعم ما جعلني أتابع خطواتها منذ سنوات الدراسة الأولى حتى أصبحت معيدة بالقسم. كنت أرى في نجاحها نجاحًا يستحق أن يُسانَد، وفي تقدمها أمرًا يبعث على السعادة. غير أن النهاية جاءت على نحو لم أتوقعه، نهاية تركت في النفس دهشة أكبر من الألم، وصدمة أكبر من الخسارة.
والعجيب أن صاحب التجربة الأولى كان سببًا مباشرًا في التجربة الثانية، وكأن الأقدار أرادت أن تربط بين الدرسين في سلسلة واحدة من الاختبارات الإنسانية.
ومع مرور الزمن أدركت أن قيمة هذه التجارب لا تكمن فيما أخذته منا، بل فيما أضافته إلينا. فقد علمتنا أن الثقة لا تُمنح بلا حدود، وأن العطاء يحتاج إلى حكمة كما يحتاج إلى قلب، وأن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي دائمًا لحماية الإنسان من الخذلان.
لقد كانت تجارب مؤلمة بلا شك، لكنها كانت أيضًا معلمة. جعلتني أكثر وعيًا بطبيعة البشر، وأكثر قدرة على قراءة المواقف، وأكثر حرصًا على ألا أخلط بين حسن الظن والسذاجة، وبين الكرم وإهدار الذات.
وهكذا تبقى بعض الجراح، لا لأنها ما زالت تؤلم، بل لأنها تحولت إلى علامات طريق تذكرنا بالدروس التي دفعت الحياة ثمنها مقدمًا، حتى لا نكرر الأخطاء نفسها مرة أخرى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق