2026-06-18

الأعباء التي لا تنتهي


مهندس عاصم شاكر 

حين تصبح الأعباء أثقل من الاحتمال

ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يقضي سنوات عمره في الكفاح والعمل والادخار، ثم يجد نفسه محاطاً بسلسلة متتابعة من الالتزامات والأعباء التي تستنزف جهده وراحته وموارده. فالمواطن البسيط لا يطلب أكثر من حياة مستقرة وآمنة، يستطيع فيها أن يحافظ على ما بناه بعرق جبينه، وأن يطمئن إلى ثمرة سعيه بعد سنوات طويلة من التعب.

ومن أكثر ما يثير القلق والاستياء لدى كثير من الناس تلك الإجراءات والرسوم التي تفرض عليهم بصورة متكررة، حتى بات البعض يشعر أن حياته أصبحت سلسلة لا تنتهي من المطالبات المالية. ويبرز في هذا السياق ملف التصالح على مخالفات البناء، الذي تحول بالنسبة لكثير من الأسر إلى مصدر دائم للقلق والحيرة.

فكم من إنسان شيد مسكناً أو عمارة صغيرة جمع تكلفتها قرشاً فوق قرش، وبذل فيها كل ما يملك من مال وجهد، ثم وجد نفسه مطالباً بسداد مبالغ إضافية تفوق أحياناً قدرته على التحمل. وهنا لا يكون الألم في قيمة المال وحدها، بل في الشعور بأن الأعباء تتزايد باستمرار، وأن المواطن لا يكاد ينتهي من التزام حتى يجد نفسه أمام التزام جديد.

إن الدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين أو تحصيل الرسوم، وإنما تُقاس كذلك بمدى مراعاتها لظروف مواطنيها، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الإدارة ومقتضيات العدالة الاجتماعية. فالمواطن ليس رقماً في دفاتر الحسابات، بل هو أساس العمران والتنمية، وهو الطرف الذي يتحمل في النهاية نتائج كل قرار يصدر.

ولذلك فإن الناس يتطلعون دائماً إلى سياسات تراعي طاقتهم وقدرتهم على الاحتمال، وتمنحهم شعوراً بالأمان والاستقرار، بدلاً من أن تزيد من أعبائهم أو تدفعهم إلى مزيد من القلق. فالأوطان تزدهر عندما يشعر المواطن بأن جهده مصان، وأن ما بناه بعرق السنين لن يتحول إلى مصدر دائم للمعاناة.

إن العدالة الحقيقية لا تعني فقط تطبيق القواعد، بل تعني أيضاً مراعاة أحوال الناس، والإنصات إلى شكواهم، والبحث عن حلول تحقق المصلحة العامة دون أن تثقل كاهل من أفنوا أعمارهم في العمل والبناء. فالمواطن حين يشعر بالإنصاف يصبح أكثر قدرة على العطاء، وأكثر إيماناً بوطنه ومستقبله.

ليست هناك تعليقات: