2026-06-04

أسرى المقارنة

 


دكتور محمد العوادي 

الحاقد يضيع عمره في تتبع نجاحات الآخرين حتى يحترق ذاتيًا بدلًا من معالجة فشله.

من أغرب ما يمكن أن يبتلى به الإنسان أن ينشغل بحياة غيره أكثر من انشغاله بحياته، وأن يراقب خطوات الآخرين وإنجازاتهم مراقبة دقيقة، لا ليقتدي بها أو يتعلم منها، بل ليبحث عن عثرة أو يتمنى زوال نعمة أو ينتظر لحظة إخفاق تريحه من ألم المقارنة. وهنا يتحول الحسد من شعور عابر إلى أسلوب حياة يستهلك صاحبه قبل أن يؤذي غيره.

فالحاقد لا يعيش حياته كما ينبغي، لأنه يوجه طاقته كلها نحو الخارج. يتابع نجاح هذا، وترقي ذاك، وانتشار آخر، وما حققه غيره من تقدم أو مكانة أو احترام. وكلما رأى نجاحًا جديدًا اشتعلت في داخله نار الغيرة، حتى يصبح أسيرًا لها لا يكاد يفكر في تطوير نفسه أو إصلاح عيوبه أو معالجة أسباب تعثره.

والعجيب أن النجاح الحقيقي لا يُنتزع من الآخرين، ولا تتسع له المقارنات العقيمة. فلكل إنسان طريقه وظروفه ورزقه وقدراته. لكن الحاقد يرفض أن ينظر إلى هذه الحقيقة، لأنه يجد راحته في اتهام الآخرين وتفسير تفوقهم بأسباب وهمية، بينما يعجز عن مواجهة نفسه ومراجعة أخطائه.

إن الوقت الذي يقضيه الإنسان في مراقبة الناس يكفي أحيانًا لصناعة نجاح شخصي حقيقي لو استثمره في التعلم والعمل والاجتهاد. غير أن الحاقد يهدر سنوات عمره في حساب مكاسب غيره وتتبع أخبارهم وتحليل خطواتهم، فيزدادون هم تقدمًا بينما يظل هو ثابتًا في مكانه، بل ربما يتراجع أكثر فأكثر.

ولذلك فإن الحقد في جوهره عقوبة ذاتية قبل أن يكون موقفًا تجاه الآخرين. إنه نار تشتعل داخل صاحبها، تسرق راحته، وتعكر صفو أيامه، وتحجبه عن رؤية الفرص المتاحة له. أما أصحاب النفوس السوية فإنهم يفرحون للناجحين، ويتعلمون من تجاربهم، ويجعلون نجاح الآخرين دافعًا للعمل لا سببًا للمرارة.

ومن الحكمة أن يدرك الإنسان أن حياته أقصر من أن يبددها في مراقبة الناس، وأن مستقبله لن يتغير بتتبع نجاحات الآخرين، بل بتطوير نفسه والارتقاء بقدراته. فالعاقل ينظر إلى الأمام، أما الحاقد فيظل ملتفتًا إلى غيره حتى يفوته الطريق كله.

وما أكثر من احترقوا بنيران الحسد وهم يظنون أنهم يؤذون غيرهم، فإذا بهم يستهلكون أعمارهم في معركة خاسرة مع نجاحات لا يملكون منعها، بينما كان بإمكانهم أن يصنعوا لأنفسهم نجاحًا يليق بهم لو أنهم وجهوا جهدهم إلى البناء بدلًا من الانشغال بالهدم.

ليست هناك تعليقات: