2026-06-06

سلامك النفسي

 


دكتور محمد الشافعي 

يظن كثير من الناس أن أخطر ما يمكن أن يفقده الإنسان في حياته هو المال، أو الوقت، أو حتى الأفكار والمشروعات. والحقيقة أن هناك شيئًا أكثر خطورة من ذلك كله، لأنه إذا ضاع ضاع معه كل شيء، وإذا بقي استطاع الإنسان أن يعوض كل خسارة. ذلك الشيء هو الحالة النفسية.

فالمال إذا فُقد يمكن تعويضه، والوقت وإن كان لا يعود فإن الإنسان يستطيع أن يستثمر ما بقي منه، أما الأفكار فدائمًا ما تلد الأفكار أفكارًا جديدة. لكن عندما تُسرق من الإنسان راحته النفسية، ويُستنزف هدوؤه الداخلي، وتُطفأ طاقته الإيجابية، فإنه يفقد السلاح الذي يخوض به معارك الحياة كلها.

إن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس على الآخرين، بل على مشاعره السلبية، وعلى القلق والخوف واليأس والإحباط. فالإنسان الذي يملك زمام حالته النفسية يستطيع أن يواجه العواصف بثبات، وأن يحول العثرات إلى دروس، والهزائم إلى خبرات، والخسائر إلى بدايات جديدة.

ولهذا فإن بعض الناس لا يسرقون منك مالًا ولا متاعًا، وإنما يحاولون سرقة صفائك النفسي، بإثارة غضبك، أو إشغالك بالصغائر، أو دفعك إلى دائرة من التوتر والاستنزاف المستمر. فإذا نجحوا في ذلك فقد انتزعوا منك أهم أدوات القوة دون أن يمدوا أيديهم إلى شيء مادي.

إن السلاح الحقيقي للإنسان هو حالته النفسية المتوازنة، وطاقته الإيجابية التي تمنحه القدرة على الاستمرار، وفهمه العميق لما يدور حوله حتى لا يكون أسير الانفعالات العابرة أو الأحكام المتسرعة. فكلما ازداد وعي الإنسان بما يحدث حوله، قلّت قدرته الظروف على هزيمته، لأن الفهم يولد الطمأنينة، والطمأنينة تولد القوة.

ومن هنا فإن المحافظة على السلام النفسي ليست رفاهية، بل ضرورة من ضرورات الحياة. فلا تسمح لأحد أن يعبث بمزاجك، أو يستهلك طاقتك، أو يسرق منك صفاءك الداخلي. حافظ على توازنك، وتمسك بهدوئك، وأحسن إدارة مشاعرك، لأن من يربح معركة نفسه يستطيع أن يربح كل معارك الحياة.

ففي النهاية، ليست كل خسارة خسارة، ما دامت روحك قوية، ونفسك مستقرة، وقلبك قادرًا على النهوض من جديد.

هناك تعليق واحد:

د.محمد عادل يقول...

اتفق تماما مع حضرتك دكتورنا الغالي