دكتور محمد الشافعي
يمضي الإنسان في حياته، وتتزاحم الوجوه والأسماء والأحداث، غير أن هناك أشخاصًا يتركون في الروح أثرًا لا تمحوه السنون، ويظلون حاضرين في الذاكرة رغم تعاقب الأعوام وتبدل الأحوال. ومن بين هؤلاء يظل المعلمون أصحاب المكانة الأرفع، لأنهم لا يكتفون بتعليم الدروس، بل يشاركون في تشكيل الشخصية وصناعة الملامح الأولى للإنسان.
وعلى مدار مراحل التعليم المختلفة، أذكر عددًا من أساتذتي الذين كانت لهم بصمة واضحة في تكوين شخصيتي، وكان لهم فضل لا أنساه ما حييت.
في المرحلة الابتدائية كانت البداية مع أستاذتي الأولى "ميس أنجيل"، تلك السيدة الفاضلة التي كانت تؤدي دور الأم مع جميع التلاميذ، وإن كنت أرى أنني كنت الأوفر حظًا من رعايتها وعطفها. كانت صاحبة قلب كبير وحنان نادر، حتى إنها كانت تهوى صناعة الجوانتيات الصوف والبلوفرات التي كان يطلق عليها آنذاك اسم "شيرز". وقد صنعت لي بنفسها جوانتي و"شيرز" كنت أعتز بهما اعتزازًا شديدًا، وكانا هدية خاصة منها لم أرها تقدم مثلها لأحد غيري. وزاد من تلك الصلة أنني كنت صديقًا لابنها أيضًا، فكانت العلاقة تتجاوز حدود المدرسة إلى مساحة أوسع من المودة والاهتمام.
ثم جاءت "ميس عواطف"، صاحبة الشخصية القوية الصارمة، التي كانت تجمع في آن واحد بين الحزم والعطف. وكانت مثالًا للمعلمة التي تفرض الاحترام دون أن تفقد إنسانيتها. ولعلي اكتسبت منها هذه القدرة على الجمع بين القوة والرحمة، وهي صفة لازمتني في كثير من مراحل حياتي.
ومن الشخصيات التي لا يمكن أن أغفلها الأستاذ "الدسوقي"، ذلك الإنسان المحترم الهادئ الوقور، الذي كان نموذجًا للأخلاق والاتزان. وكان ابنه زميلًا لنا في الفصل، فازدادت معرفتنا به قربًا، وظل في ذاكرتي مثالًا للرجل المهذب الذي يترك أثره بالفعل قبل القول.
وفي المرحلة الابتدائية أيضًا كانت أولى خطواتي فوق خشبة المسرح. فقد قام مدرس التربية العملي بإعداد احتفال لعيد الأم، واختارني لأكون بطل المسرحية التي حملت عنوان "دكتور بالعافية". وفي تلك المسرحية قدمت دور البطولة، وكانت تلك التجربة أول نافذة أطل منها على عالم التمثيل والمسرح، ذلك العالم الذي سيظل قريبًا من قلبي طوال العمر.
ثم انتقلت إلى المرحلة الإعدادية، وهي مرحلة كانت حافلة بالأنشطة والتجارب التي أسهمت في صقل شخصيتي بصورة كبيرة.
ولا يمكنني أن أنسى الأستاذ "عبد العزيز"، مدرس التربية الرياضية، ذلك الشاب الاسكندراني الأنيق المهذب الذي احتضنني منذ اليوم الأول لدخولي المدرسة. وربما كان لذلك علاقة بحصولي على المركز الأول على مستوى المحافظة في الشهادة الابتدائية، مع وجود الأول مكرر معي في المدرسة نفسها.
لقد آمن الأستاذ عبد العزيز بقدراتي، وأشركني في العديد من الأنشطة الرياضية والتربوية، فأدخلني فريق الكشافة، وجعلني رئيسًا له أو – بالمصطلح الكشفي – "العريف الأول". كما أسند إليَّ مهمة الإذاعة المدرسية، فكانت تلك المنصة أولى منابر التألق والإبداع بالنسبة لي.
ومن خلال الأنشطة الكشفية شاركت في منافسات على مستوى الجمهورية، واستطعت أن أحصل على لقب "الكشاف الأول على مستوى الجمهورية"، وهو إنجاز أعتز به كثيرًا. كما اكتشف الأستاذ عبد العزيز سرعتي في الجري، فدفعني إلى الاشتراك في مسابقات ألعاب القوى. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شاركت أيضًا منذ الفرقة الثانية الإعدادية في مسابقات الرسم، وحصلت على عدد من المكافآت وشهادات التقدير، فكانت تلك المرحلة بحق مرحلة خصبة بالنشاط والإبداع والنجاح.
أما على المستوى العلمي، فقد كان هناك عدد من المعلمين الذين لا يمكن أن أنساهم.
في مقدمتهم الأستاذة "روحاء"، مدرسة العلوم، ذلك الملاك الراقي الأنيق الذي جمع بين العلم والأخلاق والذوق الرفيع. وقد اختارتني ممثلًا للمدرسة في المسابقات التعليمية إلى جانب زميلي النابغة "عمرو سعيد". وكان عمرو من الطلاب الذين كنت أنبهر دومًا بتفوقهم، كما كان هو الآخر يسعد لتفوقي. ولم تنشأ بيننا خصومة أو منافسة سلبية قط، بل كانت علاقة قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل.
وكان معنا طالب ثالث شديد النبوغ أيضًا، فشكلنا ثلاثيًا متميزًا في المدرسة. وكان تفوقي يميل أكثر إلى المواد العلمية والرياضيات، بينما كان عمرو متفوقًا في اللغة الإنجليزية والمواد الاجتماعية، فكان بيننا تكامل جميل ومحبب. وبفضل هذا التكامل والثقة والهدوء، حصدنا معظم المسابقات التي شاركنا فيها، وحققنا نجاحات متتالية رفعت اسم المدرسة في أكثر من مناسبة.
وفي نهاية المرحلة الإعدادية حصلت على المركز الأول على المدرسة، بينما جاء عمرو سعيد في المركز الثاني بفارق درجات معدودة، وإن كنت أرى – بكل صدق – أنه كان يستحق كل تقدير، وكان طالبًا متميزًا بحق، وكان جديرا بالمركز الأول بدلا مني.
ومن المعلمات اللاتي كان لهن أثر بالغ في حياتي الأستاذة "أليس"، التي تبنت موهبتي وقدراتي في الرياضيات، وآمنت بها إلى درجة أنها كانت تتحدى بي أي مدرس زميل لها. وقد منحتني ثقة كبيرة بنفسي، وأسهمت في ترسيخ حبي لهذه المادة وتفوقي فيها.
ثم جاءت المرحلة الثانوية، حيث واصل عدد من الأساتذة الكرام دعمهم وتشجيعهم لي. ومن أبرزهم الأستاذ "إبراهيم" مدرس الرياضيات العبقري، والأستاذ "محمد حبيب" مدرس الرياضيات ذو الخبرة العريضة أيضًا، بالإضافة إلى أساتذة الكيمياء والفيزياء الذين قدموا لي العون والمساندة، وأسهموا في بناء شخصيتي العلمية وتعزيز قدراتي الدراسية.
كما كان للأستاذ "أشرف"، مدرس التربية الرياضية وكذلك كان مدرس اللغة الفرنسية أيضا، دور مهم ومؤثر خلال تلك المرحلة، بما قدمه من دعم وتشجيع ومتابعة.
ولا يمكن أن أختتم هذه الذكريات دون أن أذكر الأستاذ "أحمد أبو زيد" مدير المدرسة، الذي كان يضعني دائمًا في الصدارة خلال اللقاءات والأنشطة المدرسية، ويمنحني الثقة والمسؤولية. لقد كان نعم الأب ونعم القائد، وكان حضوره التربوي والإداري مصدر إلهام لكثير من الطلاب.
إن هؤلاء جميعًا لم يكونوا مجرد معلمين مروا في حياتي، بل كانوا شركاء حقيقيين في صناعة شخصيتي وتشكيل وجداني. ومن الوفاء أن نذكر أصحاب الفضل، ومن العدل أن نعترف بأن كثيرًا مما وصلنا إليه لم يكن ثمرة جهدنا وحدنا، بل كان وراءه معلمون عظماء آمنوا بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا.
تحية تقدير وامتنان لكل أستاذ ومعلم ترك أثرًا طيبًا في حياة تلميذ، وتحية خاصة لأولئك الذين ما زالت أسماؤهم محفورة في قلبي رغم مرور كل تلك السنوات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق