مهندس عاصم شاكر
النزاهة... شرف النفس حين تضيق السبل.
النزاهة من أسمى القيم الإنسانية وأرفع الفضائل الأخلاقية، وهي ذلك المبدأ الذي يجعل الإنسان مستقيماً في سلوكه، متسقاً مع قناعاته، ثابتاً على الحق مهما تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال. وهي ليست مجرد التزام بالقوانين أو خوفاً من العقوبة، بل هي رقابة ذاتية تنبع من ضمير حيّ يدفع صاحبها إلى فعل الصواب لأنه صواب، وإلى اجتناب الخطأ لأنه خطأ، دون انتظار ثناء أو خشية من لوم.
وفي معناها العميق، تعني النزاهة الترفع عن مواطن الشبهة، والابتعاد عن كل ما يخدش الكرامة أو يسيء إلى المروءة. وهي تقوم على أسس راسخة من الصدق والأمانة والشفافية والوفاء بالحقوق، حتى يصبح ظاهر الإنسان صورة صادقة لباطنه، فلا يتغير مع المصلحة، ولا يتلون مع الظروف.
غير أن النزاهة لا تظهر حقيقتها كاملة في أوقات الرخاء والوفرة، بل تتجلى بأبهى صورها حين يشتد الضيق وتضيق السبل. ففي أوقات الحاجة يكون الإنسان أمام اختبار حقيقي لقيمه ومبادئه؛ إذ يسهل التمسك بالمثل العليا عندما تكون الحاجات ملباة، أما المحافظة عليها في زمن العسر فهي الدليل الأصدق على أصالة المعدن ونبل النفس.
فالإنسان النزيه، مهما ضاقت به الأحوال، لا يمد يده إلى ما ليس له، ولا يسمح للفاقة أن تدفعه إلى التفريط في كرامته أو التنازل عن مبادئه. إنه يدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو جاه، وإنما بما يحمله من خلق وما يحافظ عليه من شرف. لذلك يرضى بالكفاف الشريف ولا يقبل الغنى المشوب بالمهانة، ويؤمن بأن راحة الضمير أغلى من أي مكسب عابر.
ومن أبرز مظاهر النزاهة في ضيق الحال العفة والقناعة؛ فغنى النفس أعظم من غنى الجيب، والإنسان الكريم لا تجعل منه الحاجة طامعاً فيما ليس له. كما أن النزاهة تعلم صاحبها رفض التنازلات الصغيرة، لأنه يعلم أن الانحراف يبدأ بخطوة، وأن التساهل في المبادئ يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً. ولهذا يختار الطريق الأصعب أحياناً، لكنه الطريق الذي يحفظ له احترامه لنفسه واحترام الناس له.
وترتبط النزاهة ارتباطاً وثيقاً بالكرم، فكلاهما يخرج من معين واحد هو شرف النفس ونبل الطبع. فالكرم الحقيقي ليس كثرة العطاء، وإنما سمو الروح واتساع القلب. ومن كانت نفسه نزيهة كانت نفسه كريمة أيضاً، تترفع عن الطمع كما تترفع عن البخل، وتعطي دون انتظار مقابل، وتحسن دون أن تمنّ بإحسانها.
ولعل أصدق صور الكرم هي كرم المقلّ؛ ذلك الذي يجود بالقليل وهو في حاجة إليه، ويشارك غيره مما يملك رغم ضيق ذات اليد. فهذا العطاء لا تصنعه الوفرة، بل تصنعه نفس نزيهة أبت أن تجعل الحاجة سبباً للأنانية أو الشح.
كما أن الإنسان النزيه إذا أحسن إلى غيره أحسن بتجرد، فلا يبتغي من عطائه مديحاً، ولا يطلب ولاءً، ولا يستغل المعروف لتحقيق منفعة شخصية. إنه يعطي لأن العطاء قيمة، ويساعد لأن المساعدة واجب أخلاقي، فيجتمع في فعله الكرم والنزاهة معاً.
وخلاصة القول أن النزاهة ليست خلقاً عابراً، بل هي منهج حياة يحفظ للإنسان كرامته ويصون ضميره. وهي البوصلة التي تمنعه من السقوط عندما تعصف به الأزمات، كما أن الكرم هو الثمرة الطبيعية لنفس نزيهة تعرف قدر نفسها وقدر الآخرين. فإذا اجتمعت النزاهة والكرم في إنسان، اجتمع فيه شرف الموقف ونبل العطاء، وارتقى إلى مرتبة من السمو الأخلاقي تجعل أثره طيباً في الناس وحسناً في الحياة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق