2026-06-21

أساتذة صنعوا ملامح العمر


دكتور محمد الشافعي 

يمضي الإنسان في حياته، وتتزاحم الوجوه والأسماء والأحداث، غير أن هناك أشخاصًا يتركون في الروح أثرًا لا تمحوه السنون، ويظلون حاضرين في الذاكرة رغم تعاقب الأعوام وتبدل الأحوال. ومن بين هؤلاء يظل المعلمون أصحاب المكانة الأرفع، لأنهم لا يكتفون بتعليم الدروس، بل يشاركون في تشكيل الشخصية وصناعة الملامح الأولى للإنسان.

وعلى مدار مراحل التعليم المختلفة، أذكر عددًا من أساتذتي الذين كانت لهم بصمة واضحة في تكوين شخصيتي، وكان لهم فضل لا أنساه ما حييت.

في المرحلة الابتدائية كانت البداية مع أستاذتي الأولى "ميس أنجيل"، تلك السيدة الفاضلة التي كانت تؤدي دور الأم مع جميع التلاميذ، وإن كنت أرى أنني كنت الأوفر حظًا من رعايتها وعطفها. كانت صاحبة قلب كبير وحنان نادر، حتى إنها كانت تهوى صناعة الجوانتيات الصوف والبلوفرات التي كان يطلق عليها آنذاك اسم "شيرز". وقد صنعت لي بنفسها جوانتي و"شيرز" كنت أعتز بهما اعتزازًا شديدًا، وكانا هدية خاصة منها لم أرها تقدم مثلها لأحد غيري. وزاد من تلك الصلة أنني كنت صديقًا لابنها أيضًا، فكانت العلاقة تتجاوز حدود المدرسة إلى مساحة أوسع من المودة والاهتمام.

ثم جاءت "ميس عواطف"، صاحبة الشخصية القوية الصارمة، التي كانت تجمع في آن واحد بين الحزم والعطف. وكانت مثالًا للمعلمة التي تفرض الاحترام دون أن تفقد إنسانيتها. ولعلي اكتسبت منها هذه القدرة على الجمع بين القوة والرحمة، وهي صفة لازمتني في كثير من مراحل حياتي.

ومن الشخصيات التي لا يمكن أن أغفلها الأستاذ "الدسوقي"، ذلك الإنسان المحترم الهادئ الوقور، الذي كان نموذجًا للأخلاق والاتزان. وكان ابنه زميلًا لنا في الفصل، فازدادت معرفتنا به قربًا، وظل في ذاكرتي مثالًا للرجل المهذب الذي يترك أثره بالفعل قبل القول.

وفي المرحلة الابتدائية أيضًا كانت أولى خطواتي فوق خشبة المسرح. فقد قام مدرس التربية العملي بإعداد احتفال لعيد الأم، واختارني لأكون بطل المسرحية التي حملت عنوان "دكتور بالعافية". وفي تلك المسرحية قدمت دور البطولة، وكانت تلك التجربة أول نافذة أطل منها على عالم التمثيل والمسرح، ذلك العالم الذي سيظل قريبًا من قلبي طوال العمر.

ثم انتقلت إلى المرحلة الإعدادية، وهي مرحلة كانت حافلة بالأنشطة والتجارب التي أسهمت في صقل شخصيتي بصورة كبيرة.

ولا يمكنني أن أنسى الأستاذ "عبد العزيز"، مدرس التربية الرياضية، ذلك الشاب الاسكندراني الأنيق المهذب الذي احتضنني منذ اليوم الأول لدخولي المدرسة. وربما كان لذلك علاقة بحصولي على المركز الأول على مستوى المحافظة في الشهادة الابتدائية، مع وجود الأول مكرر معي في المدرسة نفسها. 

لقد آمن الأستاذ عبد العزيز بقدراتي، وأشركني في العديد من الأنشطة الرياضية والتربوية، فأدخلني فريق الكشافة، وجعلني رئيسًا له أو – بالمصطلح الكشفي – "العريف الأول". كما أسند إليَّ مهمة الإذاعة المدرسية، فكانت تلك المنصة أولى منابر التألق والإبداع بالنسبة لي.

ومن خلال الأنشطة الكشفية شاركت في منافسات على مستوى الجمهورية، واستطعت أن أحصل على لقب "الكشاف الأول على مستوى الجمهورية"، وهو إنجاز أعتز به كثيرًا. كما اكتشف الأستاذ عبد العزيز سرعتي في الجري، فدفعني إلى الاشتراك في مسابقات ألعاب القوى. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شاركت أيضًا منذ الفرقة الثانية الإعدادية في مسابقات الرسم، وحصلت على عدد من المكافآت وشهادات التقدير، فكانت تلك المرحلة بحق مرحلة خصبة بالنشاط والإبداع والنجاح.

أما على المستوى العلمي، فقد كان هناك عدد من المعلمين الذين لا يمكن أن أنساهم.

في مقدمتهم الأستاذة "روحاء"، مدرسة العلوم، ذلك الملاك الراقي الأنيق الذي جمع بين العلم والأخلاق والذوق الرفيع. وقد اختارتني ممثلًا للمدرسة في المسابقات التعليمية إلى جانب زميلي النابغة "عمرو سعيد". وكان عمرو من الطلاب الذين كنت أنبهر دومًا بتفوقهم، كما كان هو الآخر يسعد لتفوقي. ولم تنشأ بيننا خصومة أو منافسة سلبية قط، بل كانت علاقة قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل.

وكان معنا طالب ثالث شديد النبوغ أيضًا، فشكلنا ثلاثيًا متميزًا في المدرسة. وكان تفوقي يميل أكثر إلى المواد العلمية والرياضيات، بينما كان عمرو متفوقًا في اللغة الإنجليزية والمواد الاجتماعية، فكان بيننا تكامل جميل ومحبب. وبفضل هذا التكامل والثقة والهدوء، حصدنا معظم المسابقات التي شاركنا فيها، وحققنا نجاحات متتالية رفعت اسم المدرسة في أكثر من مناسبة.

وفي نهاية المرحلة الإعدادية حصلت على المركز الأول على المدرسة، بينما جاء عمرو سعيد في المركز الثاني بفارق درجات معدودة، وإن كنت أرى – بكل صدق – أنه كان يستحق كل تقدير، وكان طالبًا متميزًا بحق، وكان جديرا بالمركز الأول بدلا مني.

ومن المعلمات اللاتي كان لهن أثر بالغ في حياتي الأستاذة "أليس"، التي تبنت موهبتي وقدراتي في الرياضيات، وآمنت بها إلى درجة أنها كانت تتحدى بي أي مدرس زميل لها. وقد منحتني ثقة كبيرة بنفسي، وأسهمت في ترسيخ حبي لهذه المادة وتفوقي فيها.

ثم جاءت المرحلة الثانوية، حيث واصل عدد من الأساتذة الكرام دعمهم وتشجيعهم لي. ومن أبرزهم الأستاذ "إبراهيم" مدرس الرياضيات العبقري، والأستاذ "محمد حبيب" مدرس الرياضيات ذو الخبرة العريضة أيضًا، بالإضافة إلى أساتذة الكيمياء والفيزياء الذين قدموا لي العون والمساندة، وأسهموا في بناء شخصيتي العلمية وتعزيز قدراتي الدراسية.

كما كان للأستاذ "أشرف"، مدرس التربية الرياضية وكذلك كان مدرس اللغة الفرنسية أيضا، دور مهم ومؤثر خلال تلك المرحلة، بما قدمه من دعم وتشجيع ومتابعة.

ولا يمكن أن أختتم هذه الذكريات دون أن أذكر الأستاذ "أحمد أبو زيد" مدير المدرسة، الذي كان يضعني دائمًا في الصدارة خلال اللقاءات والأنشطة المدرسية، ويمنحني الثقة والمسؤولية. لقد كان نعم الأب ونعم القائد، وكان حضوره التربوي والإداري مصدر إلهام لكثير من الطلاب.

إن هؤلاء جميعًا لم يكونوا مجرد معلمين مروا في حياتي، بل كانوا شركاء حقيقيين في صناعة شخصيتي وتشكيل وجداني. ومن الوفاء أن نذكر أصحاب الفضل، ومن العدل أن نعترف بأن كثيرًا مما وصلنا إليه لم يكن ثمرة جهدنا وحدنا، بل كان وراءه معلمون عظماء آمنوا بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا.

تحية تقدير وامتنان لكل أستاذ ومعلم ترك أثرًا طيبًا في حياة تلميذ، وتحية خاصة لأولئك الذين ما زالت أسماؤهم محفورة في قلبي رغم مرور كل تلك السنوات.

2026-06-20

قيمة الإنسان

 

دكتور محمد الشافعي 

لا يُقاس الإنسان بما يملك من مال، ولا بما يتزين به من مظهر، ولا بما يدّعيه من مكانة، وإنما يُعرف قدره الحقيقي من خلال أخلاقه وسلوكه وكلماته. فالكلمة مرآة العقل، والحديث ترجمان الشخصية، وما يخرج من اللسان يكشف في كثير من الأحيان ما تخفيه النفوس.

ومن الأمور التي تُنقص من قيمة المرء بين الناس كثرة الكلام بغير فائدة، فالإنسان الحكيم يزن كلماته قبل أن ينطق بها، ويعلم أن الصمت في مواضع كثيرة أبلغ من الحديث. أما الإغراق في الكلام، والخوض في كل شأن، والتعليق على كل أمر، فإنه يفقد صاحبه هيبته ويجعل حديثه قليل الأثر مهما كان صوابه.

وكذلك كثرة الضحك على غير مقتضى، فإن الاعتدال زينة في كل شيء. فالابتسامة الصادقة خلق جميل، والروح المرحة محبوبة، لكن الإفراط في الضحك قد يُذهب الوقار ويجعل الآخرين لا يأخذون صاحبها مأخذ الجدية والاحترام. وقد قيل قديماً إن لكل مقام مقالاً، ولكل موقف ما يناسبه من الجد أو المزاح.

أما الكذب، فهو من أكثر الصفات التي تهدم مكانة الإنسان مهما ارتفعت منزلته. فالناس قد يغفرون الخطأ، وقد يتجاوزون عن التقصير، لكنهم نادراً ما يثقون مرة أخرى بمن اعتاد الكذب. والثقة تُبنى على مدى سنوات طويلة، وقد ينهار بنيانها بكذبة واحدة.

وتأتي النميمة لتكمل هذا المسار المؤسف، فهي لا تفسد العلاقات فحسب، بل تكشف عن ضيق الأفق وضعف المروءة. فالذي ينقل الكلام بين الناس ليفسد بينهم يظن أنه يكسب القرب من هذا أو ذاك، بينما هو في الحقيقة يفقد احترام الجميع. فالناس قد يستمعون إلى النمام، لكنهم لا يأتمنونه.

إن قيمة الإنسان الحقيقية ترتفع حين يكون قليل الكلام إلا فيما ينفع، معتدلاً في مزاحه وضحكه، صادقاً في حديثه، حافظاً لألسنة الناس وكراماتهم. فهذه الصفات ليست مجرد أخلاق حسنة، بل هي رأس مال اجتماعي ومعنوي يجعل لصاحبها مكانة راسخة في القلوب قبل العقول.

وفي النهاية، يبقى الإنسان رهين ما يصدر عنه، فاللسان بابٌ إلى الرفعة كما أنه طريق إلى السقوط. ومن أراد أن يحفظ قدره بين الناس، فليحفظ كلماته، وليجعل الصدق شعاره، وحسن الخلق دثاره، فبذلك تُبنى المكانة الحقيقية التي لا تشتريها الأموال ولا تصنعها المظاهر.

التوك توك خارج أسوار المدينة

 

مهندس عاصم شاكر 

التوك توك بين الحاجة والفوضى

لا يختلف اثنان على أن وسائل النقل وجدت لخدمة الإنسان وتيسير حياته، غير أن بعض الوسائل التي ظهرت في ظروف معينة قد تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر للمشكلات إذا خرجت عن نطاق الحاجة التي أوجدتها. ومن أبرز هذه الوسائل مركبة "التوك توك" التي انتشرت في ربوع مصر انتشاراً واسعاً خلال السنوات الماضية، حتى أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في كثير من المدن والقرى على السواء.

ولعل أحداً لا ينكر أن هذه المركبة أدت دوراً مهماً في بعض المناطق الريفية والشوارع الضيقة التي يصعب على وسائل النقل التقليدية الوصول إليها، فلبّت احتياجات المواطنين وساهمت في توفير فرص عمل لعدد من الشباب. غير أن ما قد يكون مناسباً للقرى والنجوع ليس بالضرورة مناسباً للمدن الكبرى وشوارعها الرئيسية.

ففي المدن، تحول التوك توك في كثير من الأحيان إلى أحد أسباب الفوضى المرورية والازدحام، نتيجة غياب الانضباط وافتقار عدد كبير من سائقيه إلى التدريب الكافي أو الالتزام بقواعد المرور. كما أدى انتشاره العشوائي إلى تشويه المظهر الحضاري للمدينة وإعاقة حركة السير، فضلاً عما يسببه من ضوضاء ومخاطر متكررة على المشاة وقائدي المركبات الأخرى.

إن المدينة الحديثة تحتاج إلى منظومة نقل منظمة وآمنة تتناسب مع كثافة الحركة المرورية ومتطلبات الحياة الحضرية، ولا يمكن أن تستقيم هذه المنظومة في ظل الانتشار غير المنضبط لمركبات صغيرة صممت في الأصل لخدمة بيئات مختلفة. ولذلك فإن قصر استخدام التوك توك على القرى والمناطق التي تقتضي طبيعتها وجوده يبدو أمراً منطقياً ومتوافقاً مع المصلحة العامة.

ولا يعني ذلك حرمان العاملين عليه من مصدر رزقهم، بل يمكن للدولة أن تعمل على توفير بدائل أكثر أماناً وتنظيماً، كالمركبات المرخصة أو وسائل النقل الخفيفة التي تلتزم بالمعايير القانونية والفنية المطلوبة، بما يحفظ حقوق العاملين ويحقق في الوقت نفسه الانضباط المروري والمظهر الحضاري للمدن.

إن تطوير المدن لا يقتصر على بناء الطرق والكباري فحسب، بل يشمل أيضاً تنظيم وسائل النقل العام والخاص بما يحقق الأمن والسلامة والانسياب المروري. ومن هنا فإن إعادة النظر في وجود التوك توك داخل المدن أصبحت ضرورة تفرضها اعتبارات النظام والذوق العام واحترام حق المواطنين في مدينة أكثر تنظيماً وجمالاً.عنوان مقترح:

العدالة الغائبة في قلعة العلم

 

دكتور محمد العوادي 

تُعد الجامعة في وجدان المجتمع قلعةً للعلم والمعرفة، ومنارةً للفكر والتنوير، ومؤسسةً يُفترض أن تقوم على معايير العدل والشفافية وتكافؤ الفرص. غير أن الواقع في كثير من الأحيان يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى تحقق هذه المبادئ داخل بعض المؤسسات الجامعية، خصوصًا فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية لأعضاء هيئة التدريس وآليات توزيع الموارد المالية.

فمن غير المنطقي أن يحمل الأستاذ الجامعي أمانة إعداد الأجيال وصناعة العقول، ثم يجد نفسه في مواجهة راتب لا يتناسب مع مكانته العلمية ولا مع دوره المجتمعي. إن الأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفة عادية، بل يضطلع برسالة تتطلب سنوات طويلة من الدراسة والبحث والتأهيل، الأمر الذي يجعل تحسين أوضاعه المادية ضرورة لا رفاهية.

وإذا كان ضعف الرواتب يمثل أحد أوجه المشكلة، فإن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية يتعلق بالبرامج التعليمية المميزة وما تدره من عوائد مالية متفاوتة. 

فبعض هذه البرامج تستقطب أعدادًا كبيرة من الطلاب، مما ينعكس على حجم الموارد المتحصلة منها، سواء من الرسوم الدراسية أو من المواد التعليمية المرتبطة بها. وفي المقابل توجد أقسام أكاديمية أخرى تؤدي رسالتها العلمية بنفس الجدية والكفاءة، لكنها لا تحظى بنفس الأعداد أو الموارد.

وينشأ عن هذا الواقع تفاوتٌ كبير بين أعضاء هيئة التدريس، ليس بالضرورة بسبب اختلاف في الكفاءة أو التميز العلمي، وإنما نتيجة اختلاف طبيعة البرامج وأعداد الطلاب وآليات الاختيار للتدريس فيها. 

وهنا يبرز السؤال: هل ينبغي أن يرتبط الدخل الإضافي للأستاذ الجامعي بعوامل قد لا تكون مرتبطة مباشرة بجهده العلمي أو قدراته الأكاديمية؟

إن العدالة المؤسسية تقتضي البحث عن صيغ أكثر توازنًا تضمن حياة كريمة لجميع أعضاء هيئة التدريس، وتحد من الفجوات الواسعة التي قد تنشأ بينهم. 

ومن بين المقترحات التي تستحق النقاش إعادة النظر في هيكل الرواتب الأساسية بما يحقق زيادة حقيقية تتناسب مع قيمة الأستاذ الجامعي ومكانته، واقترح أن يزيد بمعدل اربع مرات عن الوضع الحالي.

 مع دراسة آليات أكثر عدالة لتوزيع جزء من العوائد المالية الناتجة عن البرامج المميزة والكتاب الجامعي.

فبدلًا من أن تتركز الاستفادة في نطاق محدود، يمكن توجيه نسبة كبيرة من هذه الموارد لدعم منظومة الرواتب والمزايا لجميع أعضاء هيئة التدريس، باعتبار أن نجاح أي برنامج جامعي هو في النهاية ثمرة جهد المؤسسة بأكملها، وليس جهد أفراد بعينهم. 

كما يمكن تخصيص نسبة أخرى توزع بصورة عادلة بين أعضاء هيئة التدريس على مستوى الجامعة، بما يعزز الشعور بالشراكة والانتماء ويحد من مظاهر التفاوت المفرط.

إن الجامعة القوية لا تُبنى بالمباني وحدها، ولا بالبرامج المميزة فقط، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان الذي يقف في قاعة الدرس ومعمل البحث ومكتب الإشراف العلمي. وعندما يشعر الأستاذ الجامعي بأن العدالة حاضرة، وأن التقدير المادي والمعنوي يوازي حجم عطائه، يصبح أكثر قدرة على الإبداع والإنتاج وخدمة طلابه ووطنه.

فالعدالة داخل الجامعة ليست مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل هي استثمار حقيقي في مستقبل التعليم نفسه، لأن إنصاف المعلم هو الخطوة الأولى نحو بناء مؤسسة علمية أكثر قوةً وتأثيرًا واستقرارًا.

2026-06-19

الإعلام مهنة من لا مهنة له

 

دكتور محمد الشافعي 

في خضم التزاحم الهائل الذي تشهده وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، يجد المرء نفسه أمام سيلٍ لا ينقطع من المحتويات والآراء والتعليقات والبثوث المباشرة، حتى بات من الصعب التمييز بين الإعلامي الحقيقي وصانع الضجيج، وبين صاحب الرسالة وصاحب المصلحة.

لقد كانت مهنة الإعلام في الماضي من المهن التي تتطلب إعداداً ومعرفة وثقافة وخبرة، وكان الوصول إلى الجمهور يمر عبر مراحل من التأهيل والاختبار والتدرج المهني. أما اليوم فقد أزالت وسائل التواصل كثيراً من الحواجز، وهو أمر يحمل جانباً إيجابياً يتمثل في إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم، لكنه في المقابل فتح الباب على مصراعيه أمام أعداد هائلة من الأشخاص الذين اقتحموا المجال دون امتلاك الحد الأدنى من أدواته أو أخلاقياته.

فكل لحظة يظهر بلوجر جديد أو صانع محتوى جديد يقدم مادة لا تحمل في كثير من الأحيان قيمة معرفية أو ثقافية أو إنسانية حقيقية، بل تقوم على الإثارة والجدل واستفزاز المشاعر وجذب المشاهدات. والأخطر من ذلك أن أساليب التقديم أصبحت في أحيان كثيرة بعيدة عن الذوق العام، وتفتقر إلى الاحترام والرقي، حتى صار البعض يعتقد أن رفع الصوت أو افتعال المشكلات أو اقتحام خصوصيات الناس هو الطريق الأسرع إلى الشهرة.

والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يدفع شخصاً يفتقر إلى المعرفة والخبرة والتخصص إلى أن ينصب نفسه موجهاً للرأي العام أو مؤثراً في عقول الناس؟ وكيف يرى نفسه مؤهلاً للحديث في السياسة والاقتصاد والتاريخ والطب وعلم النفس في الوقت ذاته؟ إن الجرأة على الظهور لا تعني امتلاك الكفاءة، وكثرة المتابعين لا تعني صحة ما يُقال.

ولا يخفى على أحد أن الدافع الأساسي لدى كثير من هؤلاء أصبح تحصيل الأموال وحصد الإعلانات والمشاهدات، حتى تحولت بعض المنصات إلى أسواق ضخمة للفت الانتباه بأي وسيلة كانت، بغض النظر عن القيمة أو الرسالة أو المسؤولية.

أما الإعلام الرسمي والتليفزيوني، الذي كان من المفترض أن يكون أكثر التزاماً بالمهنية والمعايير، فقد وقع هو الآخر في كثير من الأحيان في فخ المنافسة على نسب المشاهدة، فتراجعت البرامج الثقافية والفكرية والعلمية، وازدادت المساحات المخصصة للصخب والجدل والموضوعات السطحية. 

وأصبح بعض مقدمي البرامج نجوماً قبل أن يكونوا إعلاميين، وانشغل بعضهم بصناعة الصورة أكثر من انشغاله بصناعة الوعي.

إن المشكلة الحقيقية ليست في تعدد المنصات ولا في حرية التعبير، فهاتان من مكتسبات العصر، وإنما في غياب المعايير التي تميز بين الإعلام بوصفه رسالة ومسؤولية، وبين المحتوى بوصفه وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق الأرباح.

ويبقى المجتمع في حاجة دائمة إلى إعلام حقيقي يحترم عقل المتلقي، ويقدم المعرفة قبل الإثارة، والحقيقة قبل الشهرة، والقيمة قبل الربح. فالأمم لا تبنى بالضجيج، وإنما تبنى بالكلمة الصادقة والفكر الرصين والوعي المستنير.

واؤكد أن رؤيتي الأساسية ليست رفض الإعلام الجديد في حد ذاته، بل الاعتراض على غياب المعايير المهنية وهيمنة السعي وراء المشاهدات والأموال على حساب القيمة الحقيقية للمحتوى.

2026-06-18

الأعباء التي لا تنتهي


مهندس عاصم شاكر 

حين تصبح الأعباء أثقل من الاحتمال

ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يقضي سنوات عمره في الكفاح والعمل والادخار، ثم يجد نفسه محاطاً بسلسلة متتابعة من الالتزامات والأعباء التي تستنزف جهده وراحته وموارده. فالمواطن البسيط لا يطلب أكثر من حياة مستقرة وآمنة، يستطيع فيها أن يحافظ على ما بناه بعرق جبينه، وأن يطمئن إلى ثمرة سعيه بعد سنوات طويلة من التعب.

ومن أكثر ما يثير القلق والاستياء لدى كثير من الناس تلك الإجراءات والرسوم التي تفرض عليهم بصورة متكررة، حتى بات البعض يشعر أن حياته أصبحت سلسلة لا تنتهي من المطالبات المالية. ويبرز في هذا السياق ملف التصالح على مخالفات البناء، الذي تحول بالنسبة لكثير من الأسر إلى مصدر دائم للقلق والحيرة.

فكم من إنسان شيد مسكناً أو عمارة صغيرة جمع تكلفتها قرشاً فوق قرش، وبذل فيها كل ما يملك من مال وجهد، ثم وجد نفسه مطالباً بسداد مبالغ إضافية تفوق أحياناً قدرته على التحمل. وهنا لا يكون الألم في قيمة المال وحدها، بل في الشعور بأن الأعباء تتزايد باستمرار، وأن المواطن لا يكاد ينتهي من التزام حتى يجد نفسه أمام التزام جديد.

إن الدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين أو تحصيل الرسوم، وإنما تُقاس كذلك بمدى مراعاتها لظروف مواطنيها، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الإدارة ومقتضيات العدالة الاجتماعية. فالمواطن ليس رقماً في دفاتر الحسابات، بل هو أساس العمران والتنمية، وهو الطرف الذي يتحمل في النهاية نتائج كل قرار يصدر.

ولذلك فإن الناس يتطلعون دائماً إلى سياسات تراعي طاقتهم وقدرتهم على الاحتمال، وتمنحهم شعوراً بالأمان والاستقرار، بدلاً من أن تزيد من أعبائهم أو تدفعهم إلى مزيد من القلق. فالأوطان تزدهر عندما يشعر المواطن بأن جهده مصان، وأن ما بناه بعرق السنين لن يتحول إلى مصدر دائم للمعاناة.

إن العدالة الحقيقية لا تعني فقط تطبيق القواعد، بل تعني أيضاً مراعاة أحوال الناس، والإنصات إلى شكواهم، والبحث عن حلول تحقق المصلحة العامة دون أن تثقل كاهل من أفنوا أعمارهم في العمل والبناء. فالمواطن حين يشعر بالإنصاف يصبح أكثر قدرة على العطاء، وأكثر إيماناً بوطنه ومستقبله.

استاذ الجامعة

 


حال دكاترة الجامعة... حكايات من وراء الكواليس:

يمكن ناس كتير شايفة الدكتور الجامعي وهو واقف في المدرج ساعة أو ساعتين ويفتكروا إن دي كل الحكاية...

لكن الحقيقة إن اللي وراء الكواليس حكاية تانية خالص.

حكاية أستاذ بيصحى بدري عشان يحضر محاضراته، ويجري بين التدريس والامتحانات والتصحيح والكنترولات، ويقعد بالساعات يشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه، ويكتب أبحاث علمية وينشرها، ويحضر مؤتمرات، ويشارك في لجان وأعمال إدارية لا تنتهي.واعمال جودة وإرشاد اكاديمي ولجان علمية ومجالس واجتماعات وحاجات كتيييييييير 

حكاية عمر بيتصرف في خدمة العلم والطلاب والوطن...

ورغم كل ده، ما زال ملف أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية ينتظر نظرة عادلة تواكب حجم المسؤولية وحجم العطاء.

نحن لا نطلب رفاهية... ولا نبحث عن امتيازات... ولا نريد إلا ما يضمن حياة كريمة لمن يحمل على عاتقه صناعة العقول وبناء الأجيال.

كيف نطالب الأستاذ الجامعي بإنتاج بحث علمي عالمي؟ وكيف نطالبه بتخريج أجيال قادرة على المنافسة؟ وكيف نطالبه بالبقاء داخل وطنه وخدمة بلده؟ ثم نتركه يواجه أعباء الحياة وحده؟

إن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني فقط... بل في الإنسان الذي يدير هذه المباني ويصنع قيمتها.

ومن هنا نناشد القيادة السياسية والحكومة المصرية ووزارة التعليم العالي فتح ملف أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية بصورة شاملة وعادلة، وإعادة النظر في المرتبات والبدلات والحوافز بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية ومتطلبات الحياة الكريمة.

الأستاذ الجامعي ليس موظفًا عاديًا... إنه من يصنع الطبيب الذي يعالجنا، والمهندس الذي يبني لنا، والمعلم الذي يربي أبناءنا، والباحث الذي يدفع الوطن للأمام.

فإذا أردنا جامعة قوية... فلا بد أن يكون أستاذها قويًا. وإذا أردنا بحثًا علميًا منافسًا... فلا بد أن يشعر الباحث بالتقدير. وإذا أردنا مستقبلًا أفضل لمصر... فلا بد أن نعيد الاعتبار لمن يصنع هذا المستقبل كل يوم.

رسالة محبة وتقدير وثقة في قيادتنا السياسية... أن تنظر بعين العدل والإنصاف إلى أبناء الجامعات المصرية، فهم جنود العلم الذين يعملون في صمت، ويستحقون أن يسمع صوتهم.

عاشت مصر بعلمائها وأساتذتها وباحثيها... فالأمم لا تبنى إلا بالعلم.  "وراء كل شهادة ناجحة... أستاذ جامعي يحمل جبالًا من المسؤوليات."


النزاهة

 

مهندس عاصم شاكر 

النزاهة... شرف النفس حين تضيق السبل.

النزاهة من أسمى القيم الإنسانية وأرفع الفضائل الأخلاقية، وهي ذلك المبدأ الذي يجعل الإنسان مستقيماً في سلوكه، متسقاً مع قناعاته، ثابتاً على الحق مهما تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال. وهي ليست مجرد التزام بالقوانين أو خوفاً من العقوبة، بل هي رقابة ذاتية تنبع من ضمير حيّ يدفع صاحبها إلى فعل الصواب لأنه صواب، وإلى اجتناب الخطأ لأنه خطأ، دون انتظار ثناء أو خشية من لوم.

وفي معناها العميق، تعني النزاهة الترفع عن مواطن الشبهة، والابتعاد عن كل ما يخدش الكرامة أو يسيء إلى المروءة. وهي تقوم على أسس راسخة من الصدق والأمانة والشفافية والوفاء بالحقوق، حتى يصبح ظاهر الإنسان صورة صادقة لباطنه، فلا يتغير مع المصلحة، ولا يتلون مع الظروف.

غير أن النزاهة لا تظهر حقيقتها كاملة في أوقات الرخاء والوفرة، بل تتجلى بأبهى صورها حين يشتد الضيق وتضيق السبل. ففي أوقات الحاجة يكون الإنسان أمام اختبار حقيقي لقيمه ومبادئه؛ إذ يسهل التمسك بالمثل العليا عندما تكون الحاجات ملباة، أما المحافظة عليها في زمن العسر فهي الدليل الأصدق على أصالة المعدن ونبل النفس.

فالإنسان النزيه، مهما ضاقت به الأحوال، لا يمد يده إلى ما ليس له، ولا يسمح للفاقة أن تدفعه إلى التفريط في كرامته أو التنازل عن مبادئه. إنه يدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو جاه، وإنما بما يحمله من خلق وما يحافظ عليه من شرف. لذلك يرضى بالكفاف الشريف ولا يقبل الغنى المشوب بالمهانة، ويؤمن بأن راحة الضمير أغلى من أي مكسب عابر.

ومن أبرز مظاهر النزاهة في ضيق الحال العفة والقناعة؛ فغنى النفس أعظم من غنى الجيب، والإنسان الكريم لا تجعل منه الحاجة طامعاً فيما ليس له. كما أن النزاهة تعلم صاحبها رفض التنازلات الصغيرة، لأنه يعلم أن الانحراف يبدأ بخطوة، وأن التساهل في المبادئ يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً. ولهذا يختار الطريق الأصعب أحياناً، لكنه الطريق الذي يحفظ له احترامه لنفسه واحترام الناس له.

وترتبط النزاهة ارتباطاً وثيقاً بالكرم، فكلاهما يخرج من معين واحد هو شرف النفس ونبل الطبع. فالكرم الحقيقي ليس كثرة العطاء، وإنما سمو الروح واتساع القلب. ومن كانت نفسه نزيهة كانت نفسه كريمة أيضاً، تترفع عن الطمع كما تترفع عن البخل، وتعطي دون انتظار مقابل، وتحسن دون أن تمنّ بإحسانها.

ولعل أصدق صور الكرم هي كرم المقلّ؛ ذلك الذي يجود بالقليل وهو في حاجة إليه، ويشارك غيره مما يملك رغم ضيق ذات اليد. فهذا العطاء لا تصنعه الوفرة، بل تصنعه نفس نزيهة أبت أن تجعل الحاجة سبباً للأنانية أو الشح.

كما أن الإنسان النزيه إذا أحسن إلى غيره أحسن بتجرد، فلا يبتغي من عطائه مديحاً، ولا يطلب ولاءً، ولا يستغل المعروف لتحقيق منفعة شخصية. إنه يعطي لأن العطاء قيمة، ويساعد لأن المساعدة واجب أخلاقي، فيجتمع في فعله الكرم والنزاهة معاً.

وخلاصة القول أن النزاهة ليست خلقاً عابراً، بل هي منهج حياة يحفظ للإنسان كرامته ويصون ضميره. وهي البوصلة التي تمنعه من السقوط عندما تعصف به الأزمات، كما أن الكرم هو الثمرة الطبيعية لنفس نزيهة تعرف قدر نفسها وقدر الآخرين. فإذا اجتمعت النزاهة والكرم في إنسان، اجتمع فيه شرف الموقف ونبل العطاء، وارتقى إلى مرتبة من السمو الأخلاقي تجعل أثره طيباً في الناس وحسناً في الحياة.

أدب النداء

 

دكتور محمد العوادي 

من أول ما يكشف الإنسان عن أخلاقه طريقته في مخاطبة الآخرين، فالكلمات ليست مجرد أصوات تُلقى في الهواء، بل هي مرايا تعكس التربية والذوق واحترام الناس. ولهذا كان حسن النداء من أول أبواب حسن المعاملة، وكان اختيار اللفظ اللائق عنواناً على رقي صاحبه.

ومن الظواهر التي انتشرت في بعض البيئات أن يستوقف المرء غيره بعبارة: "بسسس"، وكأنها وسيلة عادية للفت الانتباه. غير أن هذا الأسلوب لا ينسجم مع أبسط قواعد الذوق العام، بل يترك في النفس انطباعاً غير مستحب؛ لأنه في الثقافة الشعبية ارتبط غالباً بنداء الحيوانات الأليفة، مما يجعله غير مناسب عند مخاطبة إنسان له مكانته وكرامته.

فالإنسان لم يُكرَّم إلا بالعقل واللسان، ومن تمام هذا التكريم أن يُنادى باسمه أو بصفة تليق به. وما أكثر البدائل الراقية التي تزخر بها لغتنا الجميلة؛ كأن نقول: "لو سمحت"، أو "معذرة"، أو "يا أستاذ"، أو "يا فندم"، أو غير ذلك من العبارات التي تفتح القلوب قبل أن تستجلب الانتباه.

والحقيقة أن الانطباع الأول يتشكل في لحظات قليلة، وربما كانت كلمة واحدة كافية لأن ترسم صورة كاملة عن صاحبها. فمن يستوقف الناس بعبارات جافة أو غير لائقة قد يترك أثراً سلبياً قبل أن يبدأ حديثه، بينما يكسب المهذب احترام الآخرين منذ أول كلمة ينطق بها.

إن الرقي لا يظهر في المواقف الكبيرة وحدها، بل يتجلى أيضاً في التفاصيل الصغيرة التي قد يظنها البعض عابرة. وطريقة النداء واحدة من هذه التفاصيل التي تكشف معدن الإنسان وثقافته. لذلك احرص أن يكون مدخلك إلى الناس لطيفاً، وأن تكون كلماتك جسراً للمودة لا سبباً للنفور.

فاجعل تعاملك الأول دائماً مفعماً بالاحترام وحسن الأدب، حتى لو كان الأخير؛ لأن الأخلاق ليست رد فعل، بل هي قيمة ثابتة تعبر عن صاحبها قبل أن تعبر عن غيره.

2026-06-17

انوبيس وست

 


كتبت الاثارية هند إسماعيل 

الناس اللى بتتلخبط بين انوبيس وست 

 "أنوبيس" و"ست" يرتبطان جغرافياً بالصحراء ويمتلكان رؤوساً حيوانية مدببة، إلا أن لكل منهما هوية بصرية ودينية مستقلة تماماً.

​1. الفرق من حيث الشكل (Iconography)

​أنوبيس (Anubis): يمثل ابن آوى (أو الكلب البري الأسود). أذناه مدببتان وواقفتان، ووجهه طويل ونحيف. لونه دائماً الأسود، وهو لون يرمز عند المصريين للخصوبة وتجدد الحياة (لون طمي النيل)، وليس الموت.

​ست (Set): يمثل حيواناً أسطورياً غير محدد (يُسمى حيوان ست). يتميز بأذنين مربعتي الأطراف وقائمتين بشكل عمودي، وخرطوم (أنف) منحني للأسفل، وذيل مستقيم مشقوق من طرفه. وبعض الاراء بتقول انه يشبه الحمار وأكل النمل 

​2. الفرق في الصفات والرمزية

​أنوبيس: هو رمز الحماية والنظام في العالم الآخر. يتميز بالهدوء، الصمت، والدقة. هو الإله "الأمين" الذي يحفظ الأجساد والأرواح.

​ست: هو رمز الاضطراب والفوضى (Isfet). يمثل القوة الغاشمة، الرياح العاتية، والتقلبات غير المتوقعة. هو إله "صاخب" ومتمرد.

​3. الدور في الديانة (Religious Role)

​أنوبيس (سيد التحنيط): دوره لوجيستي وروحي؛ فهو المسؤول عن حفظ جسد المتوفى (التحنيط)، وهو الذي يقود الروح في ممرات العالم السفلي ويراقب ميزان العدالة. هو "الدليل" الذي لا غنى عنه.

​ست (إله الغريب): هو إله الصحاري والبلاد الأجنبية. دوره مزدوج؛ فهو القاتل (في أسطورة أوزيريس) وهو أيضاً البطل المدافع عن مركب الشمس ضد قوى العدم (الحية أبوب). هو القوة التي تحمي حدود مصر من الخارج.

​الخلاصة:

أنوبيس هو حارس البوابة الذي يمنحك الطمأنينة، أما ست فهو إعصار الصحراء الذي يمنحك القوة والرهبة.

الصدق أساس العلاقات

 


دكتور محمد الشافعي 

لا تكذب أبداً على شخص يثق بك، ولا تثق أبداً بشخص يكذب عليك. إنها ليست مجرد عبارة جميلة تُتداول بين الناس، بل هي قاعدة إنسانية عميقة تختصر كثيراً من تجارب الحياة، وتضع أمامنا معياراً واضحاً لفهم العلاقات الإنسانية والحكم عليها.

فالثقة من أثمن ما يملكه الإنسان، وهي لا تُمنح بسهولة، بل تُبنى عبر الزمن من خلال الصدق والمواقف الصادقة والتعامل النزيه. وحين يضع شخص ثقته في آخر، فإنه يمنحه جزءاً من اطمئنانه وأمانه النفسي، ويُسلمه مفاتيح مساحة خاصة من حياته ومشاعره. لذلك فإن الكذب في حضرة الثقة ليس مجرد خطأ عابر، بل خيانة لمعنى نبيل تأسست عليه العلاقة.

والكذبة الواحدة قد تهدم ما بناه الصدق في سنوات طويلة. فالكلمات قد تُنسى، والأحداث قد تتلاشى من الذاكرة، لكن الشعور بالخداع يبقى راسخاً في النفوس. ولهذا كان الصدق أساساً لكل علاقة ناجحة، سواء كانت علاقة صداقة أو قرابة أو زمالة أو شراكة.

وفي المقابل، فإن الإنسان الذي اعتاد الكذب يفقد أهم مقومات الاحترام والثقة. قد ينجح في خداع بعض الناس لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يبني علاقة مستقرة أو مكانة راسخة في قلوب الآخرين. فالناس قد يغفرون الخطأ، وقد يتجاوزون التقصير، لكنهم يجدون صعوبة كبيرة في تجاوز الكذب المتكرر؛ لأنه يهز أساس العلاقة من جذورها.

إن العلاقات القوية لا تقوم على المجاملات الزائفة، ولا على الأقنعة المصطنعة، وإنما تقوم على الوضوح والصدق والاحترام المتبادل. ومن أراد أن يحافظ على محبة الناس وثقتهم، فليجعل الصدق منهجه، وليكن أميناً في قوله وفعله، لأن الثقة إذا انكسرت قد تُرمم أحياناً، لكنها نادراً ما تعود كما كانت.

ولعل من الحكمة أن نحرص على أن نكون صادقين مع الآخرين، وأكثر صدقاً مع أنفسنا. فالصدق يريح الضمير، ويمنح صاحبه قوة داخلية وثباتاً لا يعرفه أصحاب الأقوال المتناقضة. أما الكذب فيحتاج دائماً إلى كذبة أخرى تستره، حتى يتحول صاحبه إلى أسير لما اختلقه من أوهام.

لذلك يبقى الصدق تاجاً للأخلاق، وتبقى الثقة جوهرة لا تُقدر بثمن. فإذا أردت أن تكسب الناس فكن صادقاً معهم، وإذا أردت أن تعرف حقيقة الناس فانظر إلى صدقهم معك، فهناك تُعرف المعادن الحقيقية، وهناك تتجلى قيمة الإنسان.

حنين إلى زمن لم أعشه

 



دكتور محمد الشافعي 

من أغرب ما يعتري النفس الإنسانية أن تشتاق أحيانًا إلى أيامٍ لم تكن من عمرها، وأن يفيض الحنين في القلب نحو أزمنةٍ لم تطأها القدم، ولم تشهدها العين، ولم يعاصرها الإنسان إلا عبر السطور والصور والروايات.

ولعل هذا هو حالي كلما جال بخاطري ذلك الزمن الأنيق الممتد من عشرينيات القرن الماضي إلى أواخر الأربعينيات؛ ذلك العصر الذي يبدو لي وكأنه قطعة من الجمال الخالص، أو صفحة مذهبة من كتاب الحياة.

أحن إلى شوارع القاهرة القديمة وهي تتهادى في وقار، وإلى الكلمات التي كانت تُنتقى كما تُنتقى الأزهار، وإلى الأحاديث التي كانت تحمل من الرقة والذوق ما يجعلها أقرب إلى الفن منها إلى الكلام العابر. أحن إلى زمن كانت فيه البساطة عنوانًا للأناقة، وكانت الهيبة قرينة التواضع، وكانت الموهبة وحدها كفيلة بأن تصنع المجد.

ولست أدري لماذا تلامس تلك الحقبة قلبي بكل هذا العمق، رغم أنني لم أعشها يومًا. ربما لأن الأرواح لها أوطان لا تخضع لقوانين الزمن، وربما لأن بعض النفوس تجد نفسها في عصورٍ أخرى أكثر مما تجدها في عصرها.

وقد خطر ببالي اليوم خاطر لطيف أضفى على نفسي شيئًا من البهجة والسرور. تخيلت أن الأقدار أعادتني إلى القاهرة في أربعينيات القرن الماضي، وأن الظروف شاءت أن تجمعني بالهرم الموسيقي الشامخ، الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب.

تخيلت أننا أصبحنا من أهل المودة والصفاء، نلتقي بين الحين والآخر في مكتبي، نتبادل أطراف الحديث في الأدب والفن والحياة. ثم نخرج سويًا نسير في شوارع القاهرة العامرة، نستمع إلى ضجيجها الجميل، ونراقب وجوه المارة وهي تمضي في هدوء ذلك الزمن الوقور.

ثم تمتد بنا الخطى حتى نبلغ كورنيش النيل، فنقف هناك نتأمل صفحة الماء وهي تعكس أضواء المساء. وأتصور عبد الوهاب، بصوته الهادئ وحديثه الرصين، يحكي عن الموسيقى وأسرارها، وعن الفن الذي لا يموت، وعن الجمال الذي يظل خالدًا مهما تغيرت الأزمنة.

وما أعجب الإنسان! فقد شعرت بسعادة حقيقية لمجرد عبور هذه الخاطرة على قلبي. كأنني عشتها بالفعل، وكأنني سرت في تلك الشوارع، وجلست إلى ذلك العملاق، واستنشقت عبير تلك الأيام.

إنني أحب فن محمد عبد الوهاب حبًا صادقًا، وأرى فيه صورة ناصعة لعصرٍ كانت فيه الموسيقى رسالة، وكانت الكلمة مسؤولية، وكان الإبداع ثمرة ثقافةٍ وموهبةٍ واجتهاد.

ولعل السر في كل ذلك أن قلبي ما زال مأخوذًا بسحر تلك الفترة الراقية؛ فترةٍ كانت تمتلك ذوقًا خاصًا في كل شيء: في الفن، وفي اللغة، وفي العلاقات الإنسانية، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة.

إنها ليست مجرد سنوات مضت، بل عالم كامل من الرقي والجمال. عالم ربما لم أعشه بجسدي، لكنه عاش في وجداني طويلًا، وما زال يسكن ذاكرتي وخيالي، ويمنحني كلما مر بخاطري جرعة من البهجة والدفء والسكينة.

وإذا كان للإنسان أن يختار زمانًا آخر يحيا فيه، فلا أخفي أن قلبي كثيرًا ما يرحل إلى هناك... إلى القاهرة القديمة، وإلى زمن عبد الوهاب، وإلى تلك الأيام التي ما عشتها قط، ومع ذلك أشعر أنها كانت يومًا وطني الجميل.

2026-06-16

زينة الكرام

 


دكتور محمد الشافعي 

التواضع... زينة الأخلاق وعنوان الكبار.

من الصفات التي ترفع الإنسان في أعين الناس وتزيده رفعة عند الله، خُلُق التواضع، فهو ليس ضعفًا ولا انتقاصًا من القدر، بل هو قوة نفس، وسلامة قلب، ورقي في التعامل. ولذلك قيل: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام؛ لأن الكريم يدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك أو بما بلغ من مكانة، وإنما بما يحمله من أخلاق وما يقدمه من خير.

والمتأمل في سير العظماء يجد أن أكثرهم علمًا كانوا أشد الناس تواضعًا، وكلما اتسعت معارفهم أدركوا أن ما يجهلونه أكثر مما يعلمونه. أما المتكبر فإنه يعيش أسير صورة متضخمة عن نفسه، فيرى فضله أكبر من حقيقته، ويظن أنه فوق غيره منزلة وقدرًا، فيخسر بذلك محبة الناس واحترامهم.

والتواضع يورث المحبة، لأن النفوس تميل بطبيعتها إلى الإنسان السهل القريب الذي لا يتعالى على الآخرين. فكم من صاحب منصب أحبه الناس لتواضعه، وكم من صاحب مكانة نفروا منه بسبب غروره. إن الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، واحترام الصغير قبل الكبير، كلها مظاهر بسيطة للتواضع، لكنها تترك أثرًا عميقًا في القلوب.

كما أن القناعة قرينة التواضع، فكلاهما يبعثان الراحة في النفس. فمن رضي بما قسم الله له عاش مطمئن القلب، بعيدًا عن الحسد والمقارنات المرهقة. والقناعة لا تعني التوقف عن الطموح، وإنما تعني أن يسعى الإنسان ويجتهد، ثم يرضى بما يقدره الله له.

ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلًا من لا يرى فضله. فالعظمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان، والفضيلة الصادقة لا تبحث عن التصفيق. وكلما ازداد الإنسان رفعة ازداد تواضعًا، لأن الأشجار المثمرة هي التي تنحني أغصانها، أما الفارغة فإنها تبقى منتصبة لا تحمل ثمرًا.

إن التواضع ليس خُلُقًا عابرًا، بل أسلوب حياة يعكس نبل النفس وصفاء الروح. ومن أراد أن يكسب القلوب قبل العقول، وأن يترك أثرًا حسنًا في الدنيا، فليجعل التواضع رفيقًا دائمًا له، فهو تاج لا يصدأ، وزينة لا تبلى، وعنوان لكل نفسٍ كبيرة حقًا.

2026-06-15

التلميح الكاشف


دكتور محمد الشافعي 

كثيرٌ من الناس يظنون أن الرد على الإساءة لا يكون إلا بإساءةٍ مثلها، وأن مواجهة أصحاب الطباع الرديئة لا تتم إلا بالصدام المباشر والخصومات العلنية. غير أن التجارب علمتنا أن بعض الرسائل غير المباشرة تكون أشد أثرًا وأبقى وقعًا من آلاف الكلمات الصريحة.

فالإنسان الواثق من نفسه لا يشغل وقته بتتبع الصغائر، ولا ينحدر إلى مستويات لا تليق به. يكفيه أحيانًا أن يكتب فكرة عامة، أو ينشر خاطرة عن بعض الصفات المذمومة، فيجد أصحاب تلك الصفات أنفسهم أول من يتوتر وأول من يظن أن الحديث موجه إليه. وهنا تكمن المفارقة؛ فالكلمات لم تذكر اسمًا، ولم تُشر إلى شخص بعينه، لكن الضمير الحي أو النفس القلقة تعرف موضعها من الكلام.

إن من يحمل في داخله قدرًا من الاستقامة يمر على مثل هذه المنشورات مرور الكرام، أما من اعتاد السلوكيات السيئة فإنه يتوقف عندها طويلًا، ويبحث بين السطور عن نفسه، لأنه يعلم في أعماقه أن الوصف يلامس جانبًا من حقيقته.

ولذلك فإن أفضل رد على بعض الأشخاص ليس الجدال ولا المشاحنات، وإنما الارتقاء عنهم. اكتب ما تؤمن به من قيم، وانشر ما تراه من مبادئ، ودع الكلمات تؤدي رسالتها. فمن كان صاحب خلق حسن سيأخذ منها العبرة، ومن كان صاحب خلق سيئ فغالبًا سيعتبرها اتهامًا شخصيًا، حتى وإن لم يكن المقصود بها أحد.

وفي النهاية، تبقى الكلمة الهادئة أبلغ من الصراخ، ويبقى التلميح الحكيم أحيانًا أقوى من المواجهة المباشرة. فليس كل سهم يُرى وهو ينطلق، لكن بعض السهام يصيب هدفه بدقةٍ بالغة دون أن يراه أحد.عنوان مقترح:


2026-06-14

خفة دم وذكاء

 


دكتور محمد الشافعي 

الحياة ليست سلسلة متصلة من الجدية الصارمة، ولا طريقًا ممتدًا من الواجبات والمسؤوليات فحسب، بل هي أيضًا فسحات من البهجة، ولمحات من الطرافة، ومواقف عابرة تترك في النفس أثرًا من السرور قد يدوم أكثر مما تدوم الأحداث الكبيرة نفسها.

ولعل من الجميل أن لا تخلو علاقاتنا وتعليقاتنا اليومية من شيء من الدعابة الرقيقة والابتسامة الصادقة، فالكلمة الظريفة في موضعها قد تُدخل السرور إلى القلوب، وتكسر رتابة الأيام، وتمنح المواقف العادية طابعًا خاصًا لا يُنسى.

وقد حدث معي اليوم موقف من هذا القبيل. إذ صادفت منشورًا يسأل فيه أحد أبناء المنطقة عن اسم محل حلاقة قديم كان معروفًا ومشهورًا بين الناس. وبحكم معرفتي به، كتبت الاسم في تعليق عادي للغاية، لا يحمل أي معنى يتجاوز الإجابة المباشرة على السؤال.

لكن الطرافة الحقيقية جاءت من ابنتي الحبيبة أميرة غانم. فقد ظهر لها تعليقي، وهي التي لم تعرفني في حياتها إلا أصلع الرأس، إذ مضى على صلعي زمن ليس بالقصير. فما كان منها إلا أن التقطت صورة للمنشور وتعليقي، ثم أرسلتها مصحوبة بعبارة ساخرة لطيفة تقول فيها: "الرد من الشخص الصح جدًا".

وكان تعليقها كافيًا لأن يرسم ابتسامة واسعة على وجهي. فهي لم تفوت المفارقة الطريفة بين كوني أجيب عن سؤال يتعلق بمحلات الحلاقة، وبين حقيقة أنني لم أعد من زبائن الحلاقين منذ سنوات طويلة.

والحق أن هذا الموقف ليس غريبًا عليها، فهي تملك حسًا فكاهيًا حاضرًا، وذكاءً يلتقط التفاصيل التي قد تمر على غيرها مرورًا عاديًا. كما أنها لا تدع مناسبة تحمل طرفة أو مفارقة إلا وتضيف إليها تعليقًا خفيفًا يزيدها جمالًا.

إن خفة الظل نعمة كبيرة حين تقترن بالذوق، والمرح قيمة جميلة حين يمتزج بالاحترام، وأميرة تمتلك من ذلك نصيبًا وافرًا. فهي صاحبة روح مرحة، وقلب صافٍ، ومزاح راقٍ لا يجرح أحدًا، بل ينشر البهجة ويبعث على الابتسام.

وفي زمن تزداد فيه الضغوط وتتسارع فيه الهموم، تبقى هذه اللحظات الصغيرة من الدعابة الصادقة كنوزًا حقيقية، تذكرنا بأن السعادة كثيرًا ما تختبئ في موقف عابر، أو تعليق لطيف، أو ابتسامة يزرعها شخص نحبه في قلوبنا دون تكلف أو قصد.

فما أجمل أن يكون في حياتنا أشخاص يجيدون صناعة البهجة، ويملكون القدرة على تحويل المواقف العادية إلى ذكريات جميلة تظل عالقة في الذاكرة كلما تذكرناها ابتسمنا من جديد.

أخلاق النقاش

 

دكتور محمد الشافعي 

من أجمل ما يتحلّى به الإنسان في حياته الأدبُ في الحديث، والرقيُّ في النقاش، واحترامُ الآخرين مهما اختلفت الآراء وتباينت المواقف. فالحوار الراقي ليس ساحةً للانتصار على الخصوم، وإنما هو وسيلةٌ لتبادل الأفكار، وتقارب العقول، والوصول إلى الحقيقة أو الاقتراب منها.

وليس من الضروري أن نتفق جميعًا في الرأي حتى يسود بيننا الاحترام. فالاختلاف سنةٌ من سنن الحياة، وطبيعةٌ بشرية لا يمكن إلغاؤها. ولو تشابهت العقول والاتجاهات والأفكار لفقدت الحياة كثيرًا من ثرائها وتنوعها. لذلك فإن الإنسان الواعي هو الذي يدرك أن مخالفة الآخرين له لا تعني بالضرورة خطأهم، كما أن موافقتهم له لا تعني دائمًا صواب رأيه.

ومن المؤسف أن يتحول بعض النقاش إلى ساحة للتجريح أو السخرية أو تسفيه آراء الآخرين. فضعف الحجة يدفع بعض الناس إلى رفع الصوت، بينما قوة المنطق تجعل صاحبها أكثر هدوءًا واتزانًا. إن احترام الرأي المخالف لا يعني القناعة به، وإنما يعني احترام حق صاحبه في التعبير عنه بأدب وحرية.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للتربية والأخلاق؛ فالتربية السليمة تُعلِّم الإنسان كيف يستمع قبل أن يتحدث، وكيف يردُّ بالحجة لا بالإهانة، وكيف يحافظ على كرامة الآخرين حتى وهو يختلف معهم أشد الاختلاف. أما الأخلاق الرفيعة فهي التي تجعل الإنسان يزن كلماته قبل أن ينطق بها، ويُدرك أن الكلمة الجارحة قد تترك أثرًا لا تمحوه الأيام.

إن المجتمعات الراقية لا تُقاس بمدى اتفاق أفرادها، وإنما بقدرتهم على إدارة اختلافاتهم باحترام وتحضر. فالأدب في النقاش ليس مجرد أسلوبٍ جميل، بل هو انعكاسٌ لشخصيةٍ متزنة، وعقلٍ ناضج، وخلقٍ كريم. 

وما أحوجنا اليوم إلى نشر ثقافة الحوار الراقي، وإلى أن نتذكر دائمًا أن الرأي يُناقش، أما الأشخاص فيجب أن يبقوا موضع احترام وتقدير.

فالتربية ليست كلمات تُقال، والأخلاق ليست شعارات تُرفع، بل هما سلوكٌ يظهر في طريقة حديثنا، وأسلوب اختلافنا، وقدرتنا على احترام الآخرين مهما تباينت آراؤهم معنا.

الإنسانية... أرقى ما يُوصف به الإنسان

 


دكتور محمد الشافعي 

ليست كل الأوصاف سواء، فهناك أوصافٌ تمر على السمع مرورًا عابرًا، وهناك أوصافٌ تتوقف عندها النفوس طويلًا لما تحمله من عمقٍ وجلال. ومن أسمى هذه الأوصاف وأرقاها أن يُقال عن شخصٍ ما: "إنه إنسان".

وما أعظمها من كلمة، وما أوسعها من معنى. فهي ليست مجرد وصفٍ لكائنٍ ينتمي إلى الجنس البشري، بل شهادة أخلاقية وإنسانية رفيعة، تختزل في حروفها منظومة كاملة من القيم النبيلة والمشاعر الراقية والمواقف المشرّفة. إنها كلمة تحتاج إلى شروحٍ وشروح، لأنها تشير إلى إنسانٍ تجسدت فيه معاني الرحمة والصدق والضمير والوفاء، حتى غدا حضوره مصدر راحةٍ لمن حوله، وأصبحت أفعاله ترجمة حقيقية لمعنى الإنسانية.

فالإنسان بحق هو ذلك الشخص الذي يملك من الرقي ما يجعله حافظًا للغير، حريصًا على مصالحهم، ساعيًا إلى خيرهم، لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا. يساعد بقدر ما يستطيع، فإن عجز عن المساعدة بالفعل لم يبخل بالكلمة الطيبة أو بالنصيحة الصادقة أو بالمواساة التي تخفف وطأة الألم عن القلوب.

والإنسانية في جوهرها تعاطف ورحمة. هي القدرة على الشعور بآلام الآخرين وكأنها جزء من آلامنا، والقدرة على مشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم بصدقٍ وإخلاص. فالقلوب الرحيمة لا تنظر إلى معاناة الآخرين بوصفها شأنًا يخصهم وحدهم، بل تراها مسؤولية أخلاقية تستدعي المساندة والعون والاحتواء.

ومن معاني الإنسانية كذلك الوعي الحي والضمير اليقظ. فالإنسان النبيل هو من يميز بين الخير والشر، ويملك الشجاعة الكافية لمراجعة نفسه والاعتراف بأخطائه وتصحيحها. إنه لا يبحث عن المبررات بقدر ما يبحث عن الحقيقة، ولا يرى في الاعتذار انتقاصًا من قدره، بل دليلًا على نبل أخلاقه وسمو نفسه.

كما تتجلى الإنسانية في التسامح وقبول الآخر، إذ يدرك الإنسان الحقيقي أن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن التنوع الفكري والثقافي والإنساني لا ينبغي أن يكون سببًا للتنافر أو الكراهية، بل بابًا للفهم والتعايش والاحترام المتبادل. فهو يتعامل مع الناس جميعًا من منطلق الكرامة الإنسانية المشتركة، لا من منطلق الأحكام المسبقة أو التصنيفات الضيقة.

وحين يقال في مجتمعاتنا: "هذا إنسان بروح نقية"، أو "هذا موقف ينبض بالإنسانية"، فإن المقصود بذلك شخص انتصر للقيمة البشرية فوق كل اعتبار آخر. شخص قدّم الإنسان على المصلحة، والرحمة على المنفعة، والواجب الأخلاقي على المكاسب العابرة. إنه الإنسان الذي يسمو فوق الأنانية والجشع، ويجعل مشاعر الآخرين وحقوقهم في مقدمة أولوياته.

والإنسانية الحقة لا تنفصل عن الأصالة والصدق. فهي تظهر في نقاء المشاعر، وفي اللطف الذي لا تصنع فيه، وفي الصدق الذي يخلو من الزيف، وفي المعاملة التي تقوم على الاحترام والتقدير بعيدًا عن القسوة أو التعالي أو الخداع. فالنفوس النبيلة لا تحتاج إلى أقنعة، لأن جمالها الحقيقي ينبع من داخلها.

كما أن الإنسانية تحمل في طياتها شعورًا عميقًا بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع. فالإنسان الحق لا يقف متفرجًا أمام الظلم أو المعاناة، بل يشعر بواجبٍ يدفعه إلى نصرة الضعيف، وإغاثة الملهوف، ومساندة المحتاج، والدفاع عن الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

غير أن الإنسانية ليست شعارات تُرفع في المناسبات، ولا كلماتٍ جميلة تُقال في المجالس، وإنما هي ممارسة يومية تتجلى في أبسط التفاصيل وأدق المواقف. تظهر في كلمة طيبة تجبر خاطرًا منكسرًا، وفي ابتسامة صادقة تمنح الأمل لقلبٍ مثقل، وفي احترام كرامة عامل بسيط، وفي مراعاة مشاعر شخص يمر بظرفٍ قاسٍ، وفي تقديم المصلحة العامة والعدالة على الرغبات الشخصية المؤقتة.

إن الإنسانية هي ذلك النور الذي يضيء الروح، وذلك السمو الذي يجعل الإنسان يرتفع فوق نزعات القسوة والأنانية، ليصبح مصدرًا للأمان والسكينة لمن حوله. وهي المقياس الحقيقي لقيمة الإنسان، فليس أعظم من علمٍ أو مالٍ أو منصبٍ إذا خلا من الإنسانية، وليس أجمل من قلبٍ امتلأ رحمةً وصدقًا وعطاءً.

وفي النهاية، يبقى الوصف الأجمل والأكثر نبلاً أن يُقال عن المرء بعد رحلة عمره الطويلة: كان إنسانًا بحق، فترك في القلوب أثرًا طيبًا، وفي النفوس ذكرى جميلة، وفي الحياة معاني لا تموت.

2026-06-13

ملامح القلوب

 


دكتور محمد الشافعي 

ليس الجمال الحقيقي ما تصنعه المساحيق، ولا ما ترسمه الأزياء، ولا ما تمنحه المظاهر العابرة من بريق مؤقت. فهناك جمال أعمق وأصدق، لا تلتقطه العدسات بسهولة، ولا يمكن اقتناؤه بالمال أو اكتسابه بالتكلف، إنه الجمال الذي ينبع من الداخل، من القلب حين يكون نقيًّا عامرًا بالمحبة والخير والصدق.

ولعل من أصدق العبارات التي قيلت في هذا المعنى: "كلُّ إنسانٍ له طلّةٌ تشبه قلبهُ، مَن طابَ قلبهُ، طابَت ملامِحهُ دون أن يتجمّل." فالقلب ليس مجرد عضو يضخ الدم في الجسد، بل هو مصدر المشاعر والأخلاق والانفعالات، وما يختزنه من صفاء أو كدر ينعكس على الوجه والهيئة والسلوك.

إن الإنسان الطيب قد لا يكون صاحب ملامح مثالية وفق مقاييس الجمال المتغيرة، لكنه يمتلك حضورًا خاصًّا يبعث الراحة في نفوس من حوله. ترى في عينيه صدقًا، وفي ابتسامته دفئًا، وفي حديثه لطفًا، فتشعر تجاهه بالألفة حتى قبل أن تعرفه. وكأن القلب الطيب يرسل رسائله الصامتة إلى الآخرين عبر تفاصيل الوجه ونبرات الصوت وحركات الجسد.

وعلى النقيض من ذلك، قد يمتلك بعض الناس قدرًا كبيرًا من الوسامة أو الجمال الظاهري، لكن القسوة والحسد وسوء النية تترك آثارها مع مرور الزمن على ملامحهم. فالنفوس المظلمة تسرق من أصحابها إشراقة الوجه، مهما حاولوا إخفاء ذلك خلف الأقنعة المختلفة. إذ لا يستطيع الإنسان أن يخفي حقيقة قلبه إلى الأبد، لأن الطباع تتسرب دائمًا إلى الملامح، وتفضحها التصرفات والمواقف.

ومن يتأمل وجوه الكبار الذين أفنوا أعمارهم في الخير والعطاء، يجد فيها سكينة عجيبة وجمالًا هادئًا لا علاقة له بالعمر أو الشكل. إنها آثار سنوات من التسامح والرحمة والرضا. فالقلوب المطمئنة تمنح أصحابها نورًا معنويًّا يجعلهم أكثر قبولًا ومحبة في أعين الناس.

لذلك فإن أجمل ما يمكن أن يعتني به الإنسان ليس مظهره الخارجي فحسب، بل قلبه قبل كل شيء. فتهذيب النفس، وحسن الظن بالناس، والابتعاد عن الأحقاد، وممارسة الرحمة والصدق، كلها أمور تصنع جمالًا لا يذبل مع الزمن. بل إن هذا الجمال يزداد رسوخًا كلما تقدمت السنوات وتبدلت الملامح.

إن الوجوه مرايا للقلوب، وما يستقر في الداخل يجد طريقه حتمًا إلى الخارج. ومن أراد طلّةً جميلةً حقًّا، فليجعل قلبه جميلًا أولًا؛ لأن القلب الطيب لا يكتفي بأن يجمّل صاحبه، بل يجمّل العالم من حوله أيضًا.

2026-06-12

الإعلام بين الحضور والاحتراف

 


دكتور محمد العوادي 

أتعجب دومًا من أداء بعض الإعلاميين، ويزداد عجبي من آليات اختيارهم للظهور على الشاشات وتصدُّر المشهد الإعلامي. فالإعلام ليس مجرد وجه مألوف أو صوت يصل إلى المتلقي، بل هو رسالة ومسؤولية وثقافة وقدرة على التأثير في الرأي العام وصياغة الوعي الجمعي. ولهذا فإن أي خلل في اختيار القائمين على هذه المهمة ينعكس بصورة مباشرة على جودة المحتوى واحترام عقل المشاهد.

المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن بعض مقدمي البرامج يفتقرون إلى أبسط مقومات المهنة؛ فمنهم من لا يمتلك أدوات الحوار، ومنهم من يعاني ضعفًا واضحًا في الإلقاء، ومنهم من يتحدث بسرعة مفرطة تجعل المتابعة مرهقة، ومنهم من يبدو وكأنه مجرد ناقل لما يُملى عليه عبر سماعة الأذن دون أن يضيف رؤية أو تحليلًا أو شخصية مهنية مستقلة.

والأكثر إزعاجًا أن بعض المحاورين لا يدركون أن الحوار فن قائم بذاته. فبدلًا من طرح سؤال واضح ومختصر يتيح للضيف التعبير عن أفكاره، نجد المذيع أو المذيعة يستغرق في شرح السؤال وتفسيره والتعليق عليه، وربما الإجابة عنه أيضًا، ثم لا يترك للضيف إلا دقائق معدودة أو كلمات مقتضبة. وهنا يفقد الحوار قيمته ويتحول إلى استعراض من طرف واحد، بينما يكون المشاهد هو الخاسر الأكبر.

إن الإعلام الحقيقي لا يقوم على الصخب ولا على كثرة الحركة والكلمات، بل على المعرفة والاتزان والقدرة على إدارة النقاش بذكاء واحترام. فالمذيع الناجح هو من يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يسأل ومتى يترك المجال للإجابة، وهو الذي يحترم ضيفه كما يحترم مشاهديه، فلا يستخف بعقولهم ولا يظن أن الإثارة المصطنعة يمكن أن تكون بديلًا عن المحتوى الجاد.

لقد كانت البرامج الجادة في الماضي ساحات للنقاش الراقي وتبادل الأفكار، وكان المذيع المثقف جزءًا من قيمة البرنامج وسببًا رئيسيًا في نجاحه. أما اليوم، ففي كثير من الأحيان أصبح الشكل يتقدم على الجوهر، وأصبحت معايير الظهور الإعلامي لا تعكس دائمًا الكفاءة أو الثقافة أو المهنية.

ويبقى السؤال مطروحًا: أين الإعلامي الذي يقرأ قبل أن يتحدث؟ وأين المحاور الذي يحترم عقل المشاهد ويخاطبه باعتباره شريكًا في المعرفة لا مجرد متلقٍ سلبي؟ وأين البرامج التي تناقش قضايا المجتمع بعمق وموضوعية ورقي؟

إن نهضة الإعلام لا تبدأ من الاستوديوهات الفاخرة ولا من التقنيات الحديثة، بل تبدأ من الإنسان القادر على حمل الرسالة الإعلامية بأمانة وكفاءة واحترام. فالإعلام الذي لا يحترم عقل جمهوره يفقد قيمته، مهما كثرت شاشاته واتسعت مساحاته.

شاي فتله

 


مهندس عاصم شاكر 

عاوزك كل مرة تشرب شاي فتلة تفتكر المعلومة دي وتحكيها للي قاعدين معاك:

سنة ١٩٠٨ واحد من اكبر تجار الشاي في مدينة نيويورك الأمريكية اسمه " توماس سيليفان” كان عاوز يبعث عينات للموريدن من الشاي علشان يجربوها قبل ما يشحنها ليهم..

فحط عينات الشاي في اكياس حريرية صغيرة من باب التجديد على اساس انهم هياخدوا العينات من داخل الكيس ويجربوها، لكن اللي حصل هو انهم مفهموش وافتكروا ان اكياس الحرير دي بتعمل عمل مصفاة الشاي فراحوت حاطينها زي ماهي وصبوا عليها الماء الساخن والعجيب ان الطعم والنكهة كانت افضل..

وارسلوا ليه بعدها ان فكرة اكياس الحرير دي كانت رائعة وان نكهة الشاي كانت اوضح واقوى، وهنا جاءت للعم " توماس" الفكرة وبدأ اختراعه اللي هيبقى في العالم كله، وهو انه بدأ تصنيع الشاي وبيعه داخل اكياس الحرير واللي احنا عارفينه دلوقت بالشاي الفتلة..


هامش عالسريع:

-في البداية كان الشاي بيوضع في اكياس حرير بس ده كان مُكلف وزوّد سعر الشاي، ومكنش بيشتريه غير نخبة المجتمع، وبعدين تطور لانهم يستبدلوه بالشاش، ومع مرور الوقت اصبح كيس الشاي ورقي وهو المستخدم لحد الآن..

-الشاي اصلًا تم اكتشافه عن طريق الصدفة في الصين سنة 2737 ق.م واللي حصل ان احد المزارعين كان بيغلي مياه وسقطت فيها ورقة شاي، ولما ذاق الخليط عجب المزارع وانتشر بعدها في الصين كلها ومنه لبقية العالم..

صدق المحاولة



 

دكتور محمد العوادي 

ليس الجمال دائمًا في الملامح، ولا في الكلمات المنمقة، ولا في الصورة التي يراك الناس من خلالها. ثمة جمال أعمق وأبقى، جمال يسكن الروح ويظهر في تفاصيل السلوك اليومي، في تلك المحاولات الصادقة التي يبذلها الإنسان ليكون أفضل مما كان عليه بالأمس.

كم من إنسان يستيقظ كل صباح وهو يحمل همومه وتحدياته، ثم يقرر رغم ذلك أن يواصل السعي، وأن يقاوم أخطاءه، وأن يصلح ما استطاع من شأنه. 

قد ينجح أحيانًا، وقد يتعثر كثيرًا، لكن قيمة الأمر لا تكمن في عدد النجاحات بقدر ما تكمن في صدق الإرادة ونبل المقصد.

إن الإنسان الذي يجاهد نفسه ليحل مشكلاته بدلًا من الهروب منها، والذي يحاول أن يخفف الأذى عن الآخرين بدلًا من أن يكون مصدرًا له، والذي يراجع أخطاءه ويعترف بتقصيره ويسعى إلى الإصلاح، هو إنسان يمتلك قدرًا كبيرًا من الجمال الإنساني، حتى وإن لم يلتفت أحد إلى ذلك، وحتى وإن لم ينل كلمات الثناء والتقدير.

ولعل من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يربط المرء قيمته بنظرة الآخرين إليه. فينتظر منهم شهادة تؤكد له أنه جيد، أو كلمة تطمئنه بأنه يسير في الطريق الصحيح. والحقيقة أن أعين الناس متقلبة، وأحكامهم تختلف باختلاف مصالحهم وطبائعهم وظروفهم، فلا يجوز أن تكون مرآتهم هي المقياس الوحيد الذي نزن به أنفسنا.

إن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان هو أن يعرف قيمة جهده الصادق، وأن يدرك أن المحاولة الشريفة في حد ذاتها فضيلة. فالنجاح ليس دائمًا في الوصول، بل قد يكون أحيانًا في الإصرار على السير رغم مشقة الطريق. وقد تكون أعظم الانتصارات تلك التي لا يراها أحد سوى صاحبها وربه.

لذلك، لا تجعل تقديرك لنفسك رهينًا بإعجاب الآخرين أو اعترافهم. انظر إلى قلبك، وتأمل نواياك، وراجع محاولاتك الصادقة في الإصلاح والبناء والخير. فإذا وجدت أنك تسعى لأن تكون إنسانًا أفضل، وتحاول أن تنفع من حولك، وتجتهد ألا تؤذي أحدًا، فاعلم أن فيك جمالًا حقيقيًا يستحق الاحترام.

ابقَ مؤمنًا بقيمة هذا الجمال، وتمسك بصدق المحاولة، ولا تنتظر أن تراه في عيون الآخرين قبل أن تراه في نفسك. فبعض أجمل الأشياء في الحياة لا تحتاج إلى شهادة من أحد كي تكون جميلة.

حنين إلى خشبة المسرح

 



دكتور محمد الشافعي 

ثمة أماكن لا تغادر القلب مهما ابتعدنا عنها، وثمة تجارب تظل تسكن الوجدان وإن حالت بيننا وبينها السنون والظروف. ومن بين تلك الأماكن تبقى خشبة المسرح عالمًا فريدًا لا يشبه سواه، عالمًا يملك قدرة عجيبة على أسر الروح وإشعال الخيال واستنطاق أعماق الإنسان.

وما يفتقده المرء أحيانًا ليس مجرد الوقوف أمام جمهور أو سماع التصفيق في نهاية العرض، بل تلك الحالة الإنسانية النادرة التي يمنحها المسرح لمن يعشقه حقًا. فالمسرح الحقيقي ليس ذلك الذي يقوم على الضحك العابر أو النكات السريعة التي تُستهلك في لحظتها ثم تُنسى، وإنما هو الفن الذي يغوص في النفس البشرية، ويكشف تناقضاتها، ويطرح أسئلتها الكبرى، ويجسد صراعاتها وآمالها وانكساراتها.

إن متعة أداء الأدوار المركبة والعميقة لا تضاهيها متعة أخرى. فالممثل لا يكتفي بحفظ الكلمات أو ترديد الجمل، بل يعيش حياة أخرى كاملة. يخرج مؤقتًا من ذاته ليسكن ذاتًا مختلفة، فيرى العالم بعينيها، ويفكر بعقلها، ويتحدث بلسانها، ويشعر بمشاعرها. يصبح شخصًا آخر دون أن يفقد شخصيته الأصلية، وكأن المسرح يمنحه فرصة استثنائية ليعيش أعمارًا متعددة داخل عمر واحد.

ولعل هذا هو سر سحر المسرح؛ أنه يفتح أبوابًا لا تفتحها الحياة اليومية. فهناك على الخشبة يستطيع الإنسان أن يكون الحكيم والمجنون، البطل والخائن، الضحية والجلاد، الملك والمتسول، وأن يكتشف في كل شخصية جانبًا جديدًا من النفس الإنسانية.

ولهذا يظل الحنين إلى المسرح حنينًا مختلفًا. إنه ليس اشتياقًا إلى مكان فحسب، بل إلى حالة كاملة من الشغف والإبداع والحياة. إلى تلك اللحظة التي تنطفئ فيها الأنوار، ويسود الصمت، ثم يبدأ السحر. إلى رهبة الستار قبل أن يرتفع، وإلى النبض المتسارع الذي يسبق ظهور الممثل أمام الجمهور، وإلى ذلك الشعور الفريد بأنك جزء من عمل فني يولد أمام أعين الناس في تلك اللحظة نفسها.

وأحيانًا أتساءل: هل سأعود يومًا إلى حبي الأول؟ هل سأقف مرة أخرى على خشبة المسرح؟ هل سيصدح صوتي من جديد بين جنباته كما كان من قبل؟

لا أحد يملك الإجابة اليقينية. فالحياة كثيرًا ما تأخذنا إلى طرق لم نخطط لها، وتدفعنا إلى محطات لم نتوقعها. وربما كان المسرح قطارًا كنت أحد ركابه بالفعل، ثم غادرته قبل أن يبلغ محطته الأولى. لا لأن الرغبة كانت قد خمدت، ولا لأن الحلم فقد بريقه، بل لأن الأقدار شاءت مسارًا آخر في تلك المرحلة من العمر.

ومع ذلك فإن الأحلام الصادقة لا تموت بسهولة. قد تبتعد، وقد تخفت أضواؤها لبعض الوقت، لكنها تظل كامنة في مكان ما من الروح، تنتظر لحظة مناسبة لتعود. وربما يكون أجمل ما في الحنين أنه يبقي الأبواب مواربة، فلا يغلقها اليأس تمامًا، ولا يصادر حق الإنسان في الأمل.

ولذلك يبقى المسرح بالنسبة لبعضنا أكثر من مجرد فن؛ إنه جزء من الهوية، وذكرى جميلة من الماضي، وحلم مؤجل ربما يأتي يوم يعود فيه الستار ليرتفع من جديد، ويعود الممثل إلى مكانه الطبيعي فوق الخشبة، وكأن سنوات الغياب لم تكن سوى استراحة قصيرة بين فصلين من العرض.

معادلة التردي

 


مهندس عاصم شاكر 

تُختزل أحيانًا أزمات المجتمعات في معادلات بسيطة، لكنها تحمل في طياتها معاني عميقة ودلالات خطيرة. ومن هذه المعادلات ما يشير إلى أن اجتماع الفن الهابط، والإعلام غير المسؤول، والتعليم الضعيف، مع انتشار الفقر والابتعاد عن منظومة القيم والأخلاق، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى حالة عامة من الفساد والتردي في مختلف مناحي الحياة.

إن الفن في جوهره رسالة سامية تهذب الوجدان وترتقي بالذوق العام، لكنه حين يتحول إلى أداة لنشر التفاهة وتسطيح الوعي، فإنه يفقد دوره الحضاري ويصبح عاملًا من عوامل الانحدار الثقافي. وكذلك الإعلام، الذي يفترض أن يكون منبرًا للحقيقة والتنوير، فإذا انجرف وراء الإثارة الرخيصة أو التزييف أو صناعة الوهم، فإنه يسهم في تشويه الإدراك العام وإضعاف قدرة المجتمع على التمييز بين الصواب والخطأ.

أما التعليم، فهو الركيزة الأساسية لبناء الأمم. وحين يتراجع مستواه أو يتحول إلى مجرد شهادات وأوراق لا تصنع معرفة حقيقية ولا تبني عقلًا ناقدًا، فإن المجتمع يفقد أهم أدوات تقدمه. فالأمم لا تنهض بالموارد وحدها، بل بالعقول القادرة على التفكير والإبداع والإنتاج.

ويأتي الفقر ليزيد المشهد تعقيدًا؛ إذ يفرض على كثير من الناس الانشغال بتأمين ضروريات الحياة على حساب الثقافة والمعرفة والتنمية الذاتية. وليس الفقر المادي وحده هو المشكلة، بل ما قد يصاحبه أحيانًا من شعور بالعجز أو فقدان الأمل إذا غابت فرص التغيير والارتقاء.


ثم تظل القيم والأخلاق الحصن الأخير الذي يحفظ تماسك المجتمعات. فإذا ضعفت منظومة القيم أو تراجع تأثيرها في السلوك العام، انتشرت الأنانية، وتراجعت المسؤولية، وضعفت الثقة بين الأفراد، وأصبح تحقيق المصلحة الخاصة مقدمًا على المصلحة العامة.

غير أن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن هذه العوامل ليست قدرًا محتومًا، كما أن وجود أحدها لا يعني بالضرورة انهيار المجتمع. فالتاريخ يخبرنا أن الشعوب القادرة على مراجعة نفسها، والتمسك بقيمها، والاستثمار في التعليم الجاد، ودعم الفن الراقي والإعلام المسؤول، تستطيع أن تتجاوز أزماتها وتعيد بناء حاضرها ومستقبلها.

إن نهضة المجتمعات لا تُصنع بقرار واحد ولا بمؤسسة واحدة، وإنما هي ثمرة تكامل بين الوعي والثقافة والتعليم والقيم والعمل الجاد. وكلما ارتفعت هذه العناصر واشتد ترابطها، ارتفع معها الإنسان، وارتقت الأمة، واستعادت قدرتها على البناء والتقدم.