2026-04-21

حين كان السؤال: ماذا قرأت

 


مهندس عاصم شاكر 

كان للزمن القديم إيقاعٌ مختلف، لا تُعكّره ضوضاء الإشعارات، ولا تبتلعه شاشاتٌ لا تشبع. في تلك الأيام التي سبقت سطوة الإنترنت والهواتف الذكية، كانت القراءة رفيقًا وفيًّا، يجالس الناس على اختلاف أعمارهم وثقافاتهم، فيمنحهم من صفائه ما يرقّي العقول ويهذّب الأرواح.

لم تكن القراءة آنذاك ترفًا، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيج الحياة اليومية. المجلات، الجرائد، الكتب الدورية عند باعة الصحف، كانت جميعها منابع معرفة تُرتاد بشغف. وكان للبيت نصيبٌ وافر من هذا الوهج؛ إذ كان والدي – رحمه الله – يجمع ما تصل إليه يداه من تلك الإصدارات، ويكدّسها في المنزل، لا لتُهمل، بل لتكون زادًا لنا، نقرأ ونتعلم ونرتقي.


فنشأنا ونحن على صلة وثيقة بمطبوعات راقية كـ“المنهل” و“العربي”، وارتبطنا بسلسلة “عالم المعرفة”، نترقب صدورها كما يُترقّب العطشان مورد الماء. لم نكن نملّ القراءة، بل كانت متعتنا الخالصة، ومجال تنافسنا وتفاخرنا.


ومنذ المرحلة الإعدادية، أخذت علاقتنا بالكتاب بُعدًا أعمق؛ فتبادلنا الكتب، ولا سيما مؤلفات أنيس منصور ومصطفى محمود، نتداولها كما تُتداول الكنوز، ننهل منها، ونتحاور حولها. وكان هناك سؤالٌ يتردد في مجالسنا، كأنه ميزان الوعي: ماذا قرأت مؤخرًا؟ وما آخر كتابٍ فرغت منه؟

لم يكن سؤالًا عابرًا، بل كان بابًا نتبادل عبره المعارف، ونبني عقولنا بناءً متدرجًا راسخًا.


غير أن هذا السؤال، لو طُرح اليوم، لأضحى في كثير من الأحيان مثار سخرية. لا لشيءٍ إلا لأن مكانة القراءة قد تراجعت تراجعًا ملحوظًا في زمنٍ هيمنت فيه السرعة على حساب العمق، والسطحية على حساب التمحيص.


وفي هذا السياق، برزت أدوات حديثة، وعلى رأسها “شات جي بي تي”، التي يلوذ بها كثيرون طلبًا للإجابة السريعة. غير أن المشكلة لا تكمن في الأداة ذاتها، بل في طريقة التعامل معها؛ إذ إن الاعتماد المطلق عليها دون بحثٍ جاد أو مراجعةٍ واعية قد يوقع في مساراتٍ من الجهل المقنّع، ويُغري بالاكتفاء بالمعلومة الجاهزة، ولو كانت مبتورة أو غير دقيقة. وهنا يكمن الخطر: أن يظن المرء أنه قد عَلِم، وهو في الحقيقة لم يبذل جهد الفهم ولا مشقة التحقق.


لقد نشأ جيلٌ لا يقرأ كما ينبغي، بل ولا يكلّف نفسه عناء مراجعة ما يُقدَّم له عبر هذه الوسائط. جيلٌ لم يعش مع الكتاب، ولم يتذوق لذة البحث، ولا عناء الوصول إلى المعلومة، فغابت عنه قيمة الكتاب، لأنه ببساطة لم يكن يومًا جزءًا من حياته.


وهنا تتجلى الفجوة بين زمنين: زمنٍ كانت المعرفة فيه رحلة، وزمنٍ صارت فيه ومضة عابرة. بين من كان يسأل ليزداد، ومن يكتفي بما يُلقى إليه دون مساءلة.

إن استعادة مكانة القراءة ليست حنينًا أجوف، بل ضرورة حقيقية. فالعقل الذي لا يقرأ، ولا يتحقق، ولا يناقش، يظل هشًّا، عرضةً لكل ما يُلقى إليه.

ولعلنا أحوج ما نكون اليوم إلى إحياء ذلك السؤال القديم، بكل ما يحمله من عمق: ماذا قرأت مؤخرًا؟

فهو ليس سؤالًا عن كتاب فحسب، بل عن وعيٍ يُبنى، وعقلٍ يُصان من السطحية والاغترار. وحتى لا يصبح لدينا نماذج اخري من الجحشان. 

2026-04-20

وجع



 

مهندس عاصم شاكر 

...........

حين يأتي الأذى من حيث أُحسن الظن وحين ينقلب الإحسان وجعًا

..........

ليست كل الجراح سواء؛ فثمة جراح تمرّ على القلب مرور العابر، لا تترك إلا أثرًا عابرًا، وثمة أخرى تغوص في الأعماق حتى تُوجِع الروح قبل الجسد. ومن أشدّها وقعًا وأقساها أثرًا، تلك التي تأتي من قريبٍ أُعطي الثقة، ومن يدٍ امتدّت يومًا بالعطاء فامتدّت اليوم بالأذى. وكأن الحكمة الشعبية حين قالت: “الرفسة مبتجيش إلا من العجل اللي دلعته”، لم تكن مجرد عبارة دارجة، بل خلاصة تجربة إنسانية تتكرر في صور شتى.

إن الإنسان بطبعه يميل إلى الإحسان لمن حوله، ويغدق من وقته ومشاعره وجهده على من يراهم أهلًا للقرب. يفتح لهم أبواب قلبه دون حذر، ويمنحهم من صدقه ما لا يمنحه للغريب. لكنه، في لحظة غير متوقعة، قد يكتشف أن هذا القرب نفسه هو موطن الخطر، وأن الأذى لا يحتاج إلى مسافة ليبلغ غايته، بل يكفيه أن يكون صادرًا ممن عرف الطريق إلى الداخل.

والطعنة التي تأتي من بعيد يمكن احتمالها؛ لأنها متوقعة في عالم تتنازع فيه المصالح وتختلف فيه الطبائع. أما الطعنة التي تأتي من قريب، فهي خيانة للثقة قبل أن تكون أذى للفعل، وهي انكسار لصورةٍ رسمها الإنسان في داخله عن الوفاء والود. لذلك يكون ألمها مضاعفًا؛ لأنها تهدم ما بُني على مهل، وتبدد ما استقر في النفس من يقين.

غير أن الحكمة لا تدعونا إلى القسوة أو الانغلاق، بل إلى التوازن. فليس الحل أن نغلق أبوابنا في وجه الجميع، ولا أن نمنحها بلا ضابط لكل أحد. إنما الرشد كل الرشد في أن نُحسن دون إفراط، ونثق دون سذاجة، ونُدرك أن القرب مسؤولية مشتركة، لا امتيازًا مطلقًا.

وفي نهاية الأمر، تبقى هذه التجارب، على قسوتها، معلمًا صامتًا يعيد ترتيب الأشياء في داخلنا. تعلّمنا أن نُبقي مساحة آمنة لأنفسنا، وأن نمنح القرب بوعي، وأن نُدرك أن بعض الخيبات، وإن آلمت، فإنها تُنضج الروح وتُبصرها بما لم تكن تراه من قبل.

2026-04-19

نهيق في ساحة العلم


 

دكتور محمد العوادي 

حين يعلو الصوت… ويخفت المعنى

حدث يوم الخميس الموافق 16/4/2026

...........

ليست كل مواجهةٍ تستحق أن تُسمّى خصومة، ولا كل صوتٍ مرتفعٍ دليلَ قوة؛ فبعض الضجيج لا يعدو أن يكون ستارًا يُسدل على خواءٍ داخلي، وعجزٍ عن إدارة الموقف بقدرٍ من الاتزان والرشد.

لقد وقعت واقعةٌ كان الأولى بها أن تُعالج في إطارها الطبيعي: مسألة إدارية تخصّ طلابًا لم تُدرج أسماؤهم في كشف مقرر اختياري، وهي مشكلة لا تحمل من التعقيد ما يستدعي صخبًا ولا افتعالًا. وقد قمتُ بما يمليه عليّ واجبي، فسعيتُ إلى حلها، وأُنجز الأمر بهدوءٍ واحترام، مراعيًا مصلحة الطلاب قبل كل شيء.

غير أنّ أحد الزملاء اختار طريقًا آخر؛ طريقًا لا يمتُّ إلى المهنية بصلة، فأساء في حضرة الطلاب بأسلوبٍ لا يليق بمقام العلم ولا بمن يُفترض فيه أن يكون قدوة. وكان ردي عليه مواجهةً صريحة، لكن بلغةٍ راقية، ونبرةٍ هادئة، إذ إنني أومن أن الهيبة لا تُستمد من ارتفاع الصوت، بل من ثبات الموقف ونُبل العبارة.

وما إن انفضّ الجمع وغادرتُ المكان، حتى انكشف ما كان مستترًا؛ فإذا به يُطلق العنان لصوتٍ أجشّ، يملأ الأرجاء صياحًا وسبابًا، ويحثّ الطلاب على الشكوى، في مشهدٍ أقرب إلى الفوضى منه إلى أي سلوكٍ مهنيٍّ مسؤول. وهنا، لا يسع المرء إلا أن يتساءل: أهذه شجاعةٌ أم استقواءٌ بغياب المواجهة؟ أهو دفاعٌ عن حق، أم محاولةٌ يائسة لتغطية عجزٍ لم يحتمل لحظة صدق؟

إنّ من يملك الحجة لا يحتاج إلى ضجيج، ومن يقف على أرضٍ صلبة لا يتكئ على إثارة الطلاب ولا على تأليبهم. أما من اعتاد الصياح، فليس غريبًا أن يتحول صوته—مهما علا—إلى ما يشبه النهيق، لا يُسمع فيه معنى، ولا يُرتجى منه أثر.

ولقد آثرتُ أن أطلق على صاحب هذا المشهد لقب “الجحشان”، لا سُخريةً مجردة، بل توصيفًا لحالٍ اختار فيها أن يستبدل الحكمة بالاندفاع، والوقار بالابتذال، والحجة بالضجيج. فليس كل من نطق أفصح، ولا كل من صرخ أقنع.

إن المؤسسات العلمية لا تُبنى بالصوت العالي، بل بالعقل الراجح، ولا تُدار بالانفعال، بل بالحكمة والتروّي. ومن أراد أن يكون أهلًا لمقام التعليم، فعليه أن يدرك أن الطلاب لا يتعلمون من الكلمات فحسب، بل من السلوك قبل القول، ومن الاتزان قبل المعرفة.

ويبقى في النهاية أن الهدوء الذي واجهتُ به الموقف، ليس ضعفًا، بل قوةٌ تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترك الضجيج يفضح نفسه بنفسه.

2026-04-17

كلية العلوم

 


د. مجدي عبدالعال

أستاذ كيمياء البوليمرات

مهتم بالتعليم العــــالي

جامعة المنصـــورة

.............................

كليات العلوم: عصب الأمة المشلول وأمانة العلم الضائعة

٢- تشريح الفجوة المعرفية و"بناء الحضيض"!!

—————————

حينما تصبح سنة أولى جامعة مجرد "محو أمية علمية".

في هذا الجزء، نغوص في أصل المأساة. لماذا يصرخ أساتذة العلوم من مستوى الطلاب المستجدين بالجامعة؟ ولماذا يشعر الطالب بالتوهان منذ المحاضرة الأولى؟! بالرغم من ان ما يدرسه لم يخرج عن ما سبق ودرسه في المرحلة الثانوية التي ربما يكون قد حصل فيها على الدرجات النهائية في المواد العلمية مثل الكيمياء والفيزياء والرياضيات؟

1️⃣ انهيار "المادة الخام": العلم الذي لم يُدرس!

الطالب الذي يلتحق بكلية العلوم اليوم هو نتاج نظام تعليمي (ما قبل جامعي) لم يتحسن منذ عقود.

الفاجعة أن الطالب يدخل قسم الكيمياء وهو لا يدرك "تمثيلاً" معنى الرابطة التساهمية، ويدخل قسم الفيزياء وهو لا يجيد المنطق الرياضي البسيط.

العلم في المدرسة تحول إلى "نصوص مقدسة تُحفظ" لتُفرغ في ورقة الإجابة، بينما كلية العلوم تحتاج إلى "عقل يشك، ويجرب، ويستنتج". نحن لا نستقبل طلاباً، نحن نستقبل "آلات حفظ" تعطلت برمجتها فور انتهاء امتحانات الثانوية العامة.

2️⃣ قانون الفجوة العكسية وصراع البقاء في قاعة المحاضرات

لنتحدث بلغة الأرقام والمساحات المعرفية:

الفجوة المعرفية هي المسافة بين "ما يعرفه الطالب فعلياً" وبين "ما يجب أن يدرسه في الجامعة".

عندما يكون التعليم الثانوي ثرياً، يدخل الطالب الجامعة وهو "جاهز" للتعمق. أما اليوم، فالفجوة اتسعت لدرجة أن الأستاذ الجامعي يضطر لقضاء 70% من وقت المحاضرة في "ترميم" مفاهيم كان يجب إتقانها في الإعدادية!

هذا الضياع في الوقت يعني بالضرورة نقصاً في "التحصيل التخصصي"، فيتخرج الطالب وهو لم ينهل من "مستجدات العلم" ما يكفي، لأنه استهلك وقته في تعلم "البديهيات".

3️⃣ أكذوبة "الاكتفاء بالتطبيق" في العلوم الأساسية

يظن البعض أن "العمق" غير مطلوب، وهذا أكبر خطأ، فالطالب في كليات أخرى قد يكون "مستخدماً"، لكن طالب العلوم هو "الماهية". إذا لم يفهم الكيميائي "أساس المادة" من الصفر، فكيف ننتظر منه أن يطور "بوليمراً" جديداً أو يجد حلاً كيميائياً لسرطان الماء (الفورمالدهيد)؟!

التأسيس من "الحضيض المعرفي" في الجامعة أصبح استحقاقاً إجبارياً وليس اختيارياً، لأننا نبني من تحت الصفر، حيث بات من الضروري إصلاح منظومة التعليم ماقبل الجامعي لتأهيل خريجيها لمرحلة الجامعة.


4️⃣ جريمة "الساعات الهزيلة" في ظل ضعف الإمكانيات

مع اتساع هذه الفجوة، تخرج أصوات تنادي بـ "تقليص الساعات المعتمدة" لمحاكاة أنظمة عالمية!

الرد الصادم هو أن الأنظمة العالمية (في ألمانيا أو أمريكا) تقلص الساعات لأن الطالب يدخل الجامعة وهو "مؤسس" كالحديد. أما عندنا، فتقليص الساعات هو "رصاصة الرحمة" على ما تبقى من علم.

نحن بحاجة لزيادة الساعات وزيادة الجرعة العملية، لنمنح الطالب الوقت ليعيش العلم، ويجرب بيده، ويمارس الخطأ والصواب في المعمل حتى تضيق الفجوة المعرفية لديه.

💡 رسالتي من الباب الثاني هي أن خريج العلوم الضعيف ليس "كسولاً" بالضرورة، بل هو نتاج "فجوة" لم تردم، وساعات دراسية لم تكفِ، وتأسيس مدرسي لم يحدث. إذا أردنا خريجاً يواجه سوق العمل، فلا بد من الاعتراف بأن "المرحلة الجامعية حالياً هي مرحلة إنقاذ وترميم" وليست مرحلة بناء وتعلية، والإنقاذ يحتاج لوقت وجهد وإمكانيات، وليس لتقليص التخصصات.


2026-04-15

هدوء الروح

 


دكتور محمد الشافعي 

 حين تُنقّى الروح بالابتعاد

...............................

ليس صفاء النفس هبةً تُمنح بلا ثمن، ولا حالةً عابرة تهبط على القلب صدفة؛ بل هو ثمرة وعيٍ وتجربة، وخلاصة مسارٍ طويل من الإدراك والاختيار. وقد يظن المرء أن راحته تكمن في الاقتراب الدائم، وفي كثرة القول، وفي الانشغال بما لا يعنيه، لكنه لا يلبث أن يكتشف أن الضجيج يرهق، وأن القرب المفرط يستهلك، وأن التشتت يبدد صفاء الروح. ومن هنا، كان العلاج الأصدق: مسافة، وصمت، وانشغال.

أما المسافة، فليست قطيعةً باردة ولا هروبًا من الواقع، بل هي فنّ وضع الحدود، وإعادة ترتيب العلاقات وفق ما تحتمله النفس وما يليق بها. المسافة تمنحك قدرة النظر من علٍ، حيث تتضح الأحجام الحقيقية للأمور، وتنكشف المبالغات التي كانت تثقل صدرك. بها تستعيد نفسك من بين أيدي الآخرين، وتتحرر من استنزافٍ خفيٍّ كان يسرق منك طاقتك دون أن تشعر.

وأما الصمت، فهو ليس عجزًا عن الكلام، بل اختيارٌ واعٍ لعدم إهدار المعنى. في الصمت تنضج الفكرة، ويهدأ الانفعال، وتستعيد الكلمات وزنها بعد أن كادت تُستهلك في جدلٍ لا طائل منه. الصمت مساحةٌ داخلية يُعاد فيها ترتيب الفوضى، وتُصفّى فيها المشاعر من شوائبها، حتى يصبح القول – إن قيل – أصدق وأبقى أثرًا.

وأما الانشغال، فليس مجرد ملءٍ للوقت، بل توجيهٌ للجهد نحو ما يُبنى ولا يُهدر. حين ينشغل الإنسان بما ينفعه، يقلّ التفاته إلى ما يؤذيه، وتضيق المساحات التي كانت تتسلل منها الهموم. الانشغال الواعي يخلق توازنًا بين الداخل والخارج، ويمنح الحياة إيقاعًا منتظمًا يبدد الفراغ القاتل الذي كثيرًا ما يكون مأوى للأفكار السلبية.

هكذا، ليست هذه الثلاثية دعوةً للعزلة التامة، ولا للانقطاع عن الناس، بل هي دعوة لإدارة العلاقة مع العالم بقدرٍ من الحكمة والاعتدال. أن تعرف متى تقترب، ومتى تبتعد؛ متى تتكلم، ومتى تصمت؛ ومتى تنشغل، ومتى تترك الأمور تمضي دون تدخل.

فإذا أحسن الإنسان هذا التوازن، صفَت نفسه، وخفّ حمله، وأصبح أكثر قدرة على العطاء دون أن يستنزف ذاته. وحينها فقط، يدرك أن السلام الداخلي ليس شيئًا يُبحث عنه خارجًا، بل حالة تُبنى من الداخل، قرارًا بعد قرار، واختيارًا بعد اختيار.

2026-04-14

الغث والسمين


 

دكتور محمد الشافعي 

 معادن الناس تُعرف في الضيق

......................................

ليس الناس سواءً حين تضيق الصدور وتثقل القلوب؛ ففي لحظات الانكسار تنكشف الحقائق، وتسقط الأقنعة، ويظهر الجوهر خالصًا لا يشوبه ادّعاء. هناك من يربّت على روحك بكلمة صادقة، أو حضور دافئ، أو صمتٍ يواسيك أكثر من ألف حديث؛ هؤلاء لا يُقاس فضلهم بميزانٍ عابر، بل يُكتب في سجلّ القلب عرفانًا لا يُمحى.

إن الذي يمدّ لك يدًا في عتمة الحزن، لا يفعل ذلك ترفًا، بل يهبك جزءًا من روحه، يشاركك وجعك كأنما هو وجعه، ويخفف عنك ثقل الأيام دون انتظار مقابل. فذلك إنسانٌ نادر، يستحق أن يُصان، وأن يُقابل وفاؤه بوفاء، وأن يُجبر خاطره كما جبر خاطرك، وأن يُذكر في غيبته كما يُشكر في حضوره.

وعلى النقيض، هناك من يختفي حين تحتاجه، ويغيب حين تضيق بك السبل، كأنما لم تجمعك به مودة، ولا شدّتكما لحظة صدق. هؤلاء لا ينبغي أن يُثقلوا الذاكرة ولا أن يُستدعى حضورهم في القلب؛ فغيابهم ليس خسارة، بل كشفٌ مبكر، ورحمةٌ خفية تُنقذك من وهم العلاقة. إن نسيانهم ليس قسوة، بل عدلٌ للنفس، وصيانةٌ للروح من التعلق بما لا يستحق.

لا تحزن على من تخلّى، فالحياة لا تُقاس بكثرة من حولك، بل بصدق من يبقى معك. بل احمد الله أن أراك حقيقة الناس في وقتٍ مبكر، قبل أن تُغرس جذورهم عميقًا في أرض قلبك. فالخسارة الحقيقية ليست في رحيلهم، بل في بقائهم زيفًا حتى يستفحل الضرر.

وفي النهاية، يبقى الصفاء عملة نادرة، لا يحملها إلا من صفا معدنه. فاحفظ هؤلاء القلائل، وكن لهم كما كانوا لك، وامضِ في طريقك خفيفًا من أثقال الزيف، ثابتًا على يقينٍ أن الله لا يُريك الحقائق إلا ليحفظك، ولا يُسقط الأقنعة إلا ليقرّبك من الصادقين.

قاعات بلا ايقاع


دكتور محمد الشافعي 

فراغ المدرجات… حين يتحول الغياب إلى ظاهرة

--------------------------

لم يعد خلوّ المدرجات الجامعية مشهدًا عابرًا، بل صار علامة دالّة على اختلال أعمق في بنية الواقع التعليمي والاجتماعي. فمع تصاعد أعباء المعيشة وارتفاع تكاليف الانتقال اليومي، وجد كثير من الطلاب أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما طلب العلم، أو السعي وراء لقمة العيش. وفي هذا التنازع، تميل الكفّة – على مضض – نحو العمل، فتغدو قاعات الدراسة شبه خاوية، ويغيب الحضور لا لكسلٍ أو استهانة، بل لضرورة فرضتها الظروف.

هذا الغياب المتكرر لا يمرّ بلا ثمن. إذ يتآكل التفاعل داخل القاعة، ويضعف الحوار العلمي، ويُحرم الطالب من الخبرة الحيّة التي لا تعوّضها المذكرات ولا المقاطع المسجّلة. ومع مرور الوقت، يدخل الطالب إلى قاعة الامتحان وهو يحمل معرفة مجتزأة، أو فهمًا هشًّا، فيفقد التقييم معناه الحقيقي، ويتحوّل من قياسٍ للتحصيل إلى اختبارٍ للقدرة على النجاة المؤقتة.

وفي ظل هذا الفراغ، تنشأ ظواهر مقلقة، لعل أبرزها انتشار محاولات الغش، لا باعتبارها انحرافًا فرديًا، بل بوصفها نتيجة منطقية لمنظومة فقدت توازنها. فالطالب الذي لم يتلقَّ علمًا كافيًا، يسعى إلى تعويض ما فاته بأي وسيلة، والأستاذ الذي يواجه قاعات خاوية يشعر بأن جهده يُهدر، فيتسلل إليه الإحباط، ويبهت دوره التربوي شيئًا فشيئًا.

وهكذا، تتكامل حلقات الأزمة: تعليم يتراجع، وأستاذ مثقل بالضغوط، وطالب ضحية لظروف تتجاوز قدرته، لينتهي الأمر بمنظومة مهددة في جوهرها. فالجامعة، التي يُفترض أن تكون منارة للعلم ومصنعًا للعقول، تجد نفسها أمام تحدٍ وجودي، إذ كيف تنهض بدورها في ظل غياب طلابها؟

إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون باللوم أو العقاب، بل بإعادة النظر في السياق كله: دعم الطالب ماديًا، وتيسير سبل الحضور، وتطوير أساليب التعليم بما يراعي الواقع، دون أن يفرّط في جوهر الرسالة. فالتعليم ليس ترفًا يُؤجَّل، بل هو أساس بناء الإنسان، وإذا فرغت مدرجاته اليوم، فقد يفرغ الغد من معناه.

أسعار بلا منطق

 


دكتور محمد الشافعي 

 لم يعد الغلاء مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل صار واقعًا خانقًا يفرض نفسه على تفاصيل الحياة كلها. لم تعد النقود — أيًا كان مقدارها — قادرةً على الصمود أمام موجةٍ متلاحقة من الزيادات، حتى غدا الإنسان يدخل يومه وهو يحسب، ويخرج منه وهو يعجز عن الفهم: أين ذهبت كل هذه الأموال؟

فلم تعد المسألة شكوى عابرة من غلاءٍ طارئ، بل غدت واقعًا ضاغطًا يطوق حياة الناس من كل جانب.

وفي قلب هذا المشهد، تقف بعض النماذج الصارخة التي تجسد هذا الخلل. فمحلات الفسيخ، وعلى رأسها محل المتوكل [ مليونيرات الغربية]، تقدم مثالًا واضحًا على انفصال السعر عن القيمة. سلعةٌ يعلم الجميع طبيعتها، ورائحتها، وطريقة إعدادها، تُباع بأرقامٍ تتجاوز حدود المعقول، حتى بلغ سعر الكيلو ما يقارب 550 جنيهًا، بينما يقف السمك البوري — الطازج والأقرب إلى المنطق — عند حدود 250 جنيهًا فقط. مفارقة لا يمكن تفسيرها إلا في إطار جشعٍ يستند إلى الإقبال، ويستغل غياب البديل أو ضعف الرقابة.

والأدهى من ذلك، أن الإقبال لا ينقطع، بل يمتد في طوابير طويلة، وكأن الناس قد أُجبرت على القبول بهذا الواقع، أو استسلمت له، حتى صار التاجر يضاعف أرباحه أضعافًا، في موسمٍ واحدٍ قد يدر عليه الملايين، دون أن يقف لحظةً ليسأل: أين الحد؟ وأين الرحمة؟

ولا يختلف الحال كثيرًا في سوق اللحوم، حيث نجد نماذج أخرى، مثل محل فليتو للحوم، الذي تجاوز بأسعاره الحد المتوقع، فارتفع سعر الكيلو إلى ما يقارب 540 جنيهًا، في وقتٍ كان يُفترض فيه أن يكون أقل من ذلك. ومع ارتفاع السعر، لا يشعر المستهلك بأنه يحصل على قيمةٍ موازية، بل يزداد الشك في الجودة، وتتعاظم المخاوف من غشٍ يتسلل في الخفاء.

أما الدواجن، فقد دخلت هي الأخرى دائرة الشك، إذ لم يعد الغلاء وحده هو المشكلة، بل ما يصاحبه من ممارساتٍ تثير الريبة، حيث تُباع أجزاءٌ منفصلة دون وضوحٍ كافٍ لمصدرها أو حالتها، فيجمع المواطن بين مرارة السعر وقلق الجودة.

ثم تأتي بقية تفاصيل الحياة لتكمل المشهد: إيجاراتٌ بلغت عشرة آلاف جنيه شهريًا في مناطق مثل الاستاد، فواتير مياه وكهرباء وغاز تتزايد بلا هوادة، ومواصلاتٌ لم تعد تراعي مسافةً ولا ظرفًا، حتى صار التوكتوك يفرض أجرًا مبالغًا فيه على مسافات قصيرة، والتاكسي يبدأ من أرقامٍ تثقل كاهل أي راكب.

في ظل هذا كله، لم يعد المواطن يبحث عن رفاهية، بل عن قدرةٍ على الاستمرار. أصبح العيش ذاته معركةً يومية، تتطلب حسابًا دقيقًا، وتنازلاتٍ مؤلمة، وصبرًا يوشك أن ينفد.

أما الحل، فلا يمكن أن يكون بالصمت أو التكيف وحده. لا بد من رقابةٍ حقيقية تضع حدًا لهذه الفوضى، ولا بد من وعيٍ مجتمعي يرفض المبالغة ويقاطع الاستغلال، ولا بد من ضميرٍ تجاري يدرك أن الربح لا ينبغي أن يكون على حساب خنق الناس. فحين يختل الميزان إلى هذا الحد، لا يصبح الإصلاح رفاهية، بل ضرورة لبقاء المجتمع متماسكًا، قادرًا على أن يعيش… لا أن يكتفي بمحاولة النجاة.

2026-04-12

اوستراكا مهمة

 


كتب الاثري شريف محمود 

اوستراكا من الحجر الجيري تم العثور عليها داخل مقبرة الملك "رمسيس التاسع" بوادي الملوك عليها تخطيط لمقبرة الملك.

كان بيستخدمه المهندسين والبنائين اثناء عملهم هنلاحظ إنه مطابق إلى حد كبير التخطيط الحالي للمقبرة. 

وإن فيه تعديلات تمت على التصميم الاصلي باللون الاحمر لحسن الحظ الاوستراكا محفوظة بمتحف الاقصر لتكون شاهداً على مدى عبقرية المصري القديم في الهندسة وإنه ترك لينا تصاميم المنشأت التي قام بتشييدها شاهدة على مدى براعتهم.

عن التحزب والتعصب


 

المستشار سعيد البمباوي

في زمنٍ تتكاثر فيه الرايات وتتعالى فيه الأصوات، تصبح فكرة التحزّب واحدةً من أخطر ما يهدد صفاء العقول واستقامة القلوب. فالإنسان بطبعه يميل إلى الانتماء؛ ينتمي إلى وطنٍ يحبه، أو دينٍ يعتز به، أو فريقٍ يشجعه، أو فكرةٍ يؤمن بها. وهذا الميل في ذاته ليس عيبًا، بل هو جزءٌ من تكوين النفس البشرية، غير أن الخطر كل الخطر يكمن حين يتحول هذا الانتماء إلى تعصّب أعمى، يُغلق أبواب العدل، ويُطفئ نور الحقيقة.

إن التعصّب لا يبدأ صاخبًا، بل يتسلل هادئًا إلى النفس، حتى يُقنع صاحبَه أن الحق لا يكون إلا فيما ينتمي إليه، وأن الباطل لا يسكن إلا عند غيره. وهنا تضيع المعايير، وتختلط الموازين، فيُدافع المرء عن الخطأ لمجرد أنه صدر عن فريقه، ويهاجم الصواب لأنه جاء من خصمه. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يكون الإنسان قد انتصر لفكرته، بل خسرها، وخسر معها احترامه لنفسه.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن كثيرين يدركون هذه الحقيقة، ويشاهدون مظاهر التعصّب من حولهم، لكنهم يتعامون عنها حين تمسّهم هم، وكأن العدل مطلوبٌ من الآخرين فقط، أما حين يتعلق الأمر بما نحب، فإننا نلتمس الأعذار، ونبرر الأخطاء، ونلوّن الحقائق بما يتوافق مع أهوائنا.

إن العدالة ليست موقفًا يُتخذ حين يكون سهلًا، بل هي اختبارٌ حقيقي حين تتعارض مع ميولنا. أن تُنصف خصمك، وأن تعترف بخطأ من تحب، فهذه هي القمة الأخلاقية التي لا يبلغها إلا من ارتقى بنفسه فوق نوازع التعصّب. وليس المقصود أن يتخلى الإنسان عن حبه أو انتمائه، بل أن يُهذّبه، وأن يضعه في إطاره الصحيح؛ حبٌ لا يُعمي، وانتماءٌ لا يُفسد البصيرة.

وقد جاء التوجيه الإلهي واضحًا حاسمًا، لا يترك مجالًا للالتباس:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

فهو نداءٌ يتجاوز العاطفة، ويضع ميزانًا دقيقًا: لا تجعل كرهك يدفعك إلى الظلم، ولا حبك يقودك إلى الانحياز.

إن العدل ليس خسارة كما يظن البعض، بل هو أعظم المكاسب. فمن يعدل، يكسب احترامه لنفسه أولًا، ثم احترام الآخرين، ويحتفظ في الوقت ذاته بصدق انتمائه. أما من يتعصّب، فإنه وإن بدا منتصرًا في لحظة، فإنه في الحقيقة يخسر ميزان الحق داخله، وهو أخطر ما يمكن أن يخسره إنسان.

نعم، الطريق ليس سهلًا، لأن النفس تميل إلى ما تهوى، ولكنّه ليس مستحيلًا. وكل محاولةٍ للإنصاف، مهما بدت صغيرة، هي خطوة نحو نقاءٍ أكبر، ووعيٍ أعمق، وإنسانيةٍ أرقى.

فالكن عادلًا… لا لأن العدل مطلوب فحسب، بل لأنه الطريق الوحيد الذي يجعلك صادقًا مع نفسك قبل أي أحدٍ آخر.

الي أميرة


 

دكتور محمد العوادي 

إلى أميرة… التي سكنت مكانة الابنة في القلب


يا أميرة…

ليس كل ما يُقال يُقصد به أن يُفهم على ظاهره، وليس كل ما يُكتب يكون موجَّهًا لشخص بعينه، فبعض الكلمات لا تكون إلا صدىً لما يعتمل في الصدر، وتنفسًا مشروعًا عن ضيقٍ لا يُرى، وثقلٍ لا يُحكى.

لقد أدركتُ—بما لا يدع مجالًا للشك—أن شيئًا من الصمت قد تسلل بيننا، وأن مسافةً خفيةً قد نشأت دون أن تُرى، لكنها تُحَس، وتُثقِل القلب. وهذا ما آلمني… لا لأنك ابتعدتِ، بل لأنني خشيت أن أكون أنا سبب هذا الابتعاد، دون قصد، ودون أن أملك حتى فرصة التوضيح.


يا صغيرتي…

ما كتبته لم يكن إلا حديث نفسٍ إلى نفسها، محاولة لفهم ما يدور في الداخل، فمجرد إدراك الإنسان لما يؤلمه هو خطوة أولى في طريق التعافي، وليس إعلانًا عن موقف، ولا حكمًا على أحد، ولا رسالة خفية تستهدف قلبًا بعينه.

أنتِ تعلمين—وأرجو أن يظل هذا العلم يقينًا لا يتزعزع—أن مكانتك عندي ليست عابرة، ولا طارئة، بل هي مكانة ابنةٍ أعتز بها، أطمئن لوجودها، وأجد في قربها راحةً صادقة.

أقدّر فيكِ أدبك، وصدقك، وذكاءك، وأقدّر أكثر ذلك الصفاء الذي يجعلك تفهمين دون أن أتكلم.

فلا تدعي كلمة عابرة، أو نصًا كُتب في لحظة انفعال، يُحدث شرخًا في علاقة بُنيت على الثقة والمودة والاحترام.


يا أميرة…

أريدك كما عهدتك: قريبة، صادقة، هادئة، تلك التي أرتاح إليها دون تكلف، وأثق بها دون تردد.

لا أريد بيننا تفسيرًا خاطئًا، ولا صمتًا يطول، ولا مسافةً تُرهق القلوب.

فإن كان في نفسي شيء، فمكانه أن يُفهم، لا أن يُساء تأويله.

وإن كان في قلبك شيء، فمكانه أن يُقال، لا أن يُترك ليكبر في صمت.


ابقَي كما بدأنا…

الابنة الغالية، التي لا يُقاس قدرها بكلمات، ولا يُحدّ وصفها بعبارات.

من كتاب الكهوف

 


كتب الاثري شريف محمود 

من المشاهد المهمة التي تصور مراحل بعث "اوزير" المشهد المسجل ضمن كتاب الكهوف بمقبرة الملك "رمسيس التاسع" بوادي الملوك نشاهد من خلاله الاختين "إيسة" 𓊨 و"نبت حوت" 𓉠 اعلى راس كل منهما الرمز الخاص بها. 

يحملان جسد "اوزير" اعلى منه قرص الشمس من اجل إتحادهما معآ لاحظوا كمان ايدي المعبود "اوزير" في الوضع التعبدي لقرص الشمس وذلك بعد تجميع أعضاؤه المقطعة بواسطة "ست" من اجل ان يتزةوج مع "إيسة" وينجبوا الطفل "حور" في المشهد التالي.

صمت القلب

 

دكتور محمد الشافعي 

ينتابني من آنٍ لآخر شعور لا أستطيع أن أحدد له اسمًا دقيقًا؛ فلا أنا أستطيع أن أجزم بأنه اكتئاب، ولا أستطيع أن أختزله في كونه مجرد حزن عابر. هو أقرب إلى حالة داخلية من عدم الرضا، أو ضيق خفي يتسلل إلى النفس دون استئذان، فيُربك صفوها ويُعكّر هدوءها.

في تلك اللحظات، لا يكون الأمر مجرد فكرة، بل حالة كاملة تتلبسني؛ أشعر بضيق في صدري كأن الهواء لم يعد كافيًا، وتغيب عني صفاء الرؤية، وتضطرب قدرتي على التفكير والتحليل، حتى كأنني لست أنا الذي أعرفه. تتثاقل الأشياء في داخلي، ويغدو كل شيء باهتًا، لا لعيب فيه، بل لعجزٍ في الإحساس به.

ولا أجد مخرجًا من هذه الحالة إلا في الخروج والمشي. كأن الحركة تُعيد شيئًا من الاتزان، وكأن الطرقات تمتص ما في الصدر من ثقل. غير أن هذا الخروج غالبًا ما يكون وحيدًا، فالوحدة هنا ليست اختيارًا بقدر ما هي واقع مفروض. لا لغياب الناس، بل لغياب الصديق بمعناه الحقيقي.

فمن حولي كثيرون، وبيننا مودة صادقة وتقدير متبادل، لكنهم ليسوا أصدقاء بالمعنى الذي يُلجأ إليه عند الضيق. بعضهم أصغر سنًا، وبعضهم بعيد مكانًا، وبعضهم تحكمه ظروف لا تسمح بالقرب الدائم. وهكذا أجد نفسي محاطًا بالناس، لكن دون صحبة حقيقية تُبدد ثقل اللحظة حين تحضر.

وعلى النقيض تمامًا، أجدني في عملي شخصًا آخر. حين ألتقي بطلابي، وأجلس بينهم، أشعر بقيمتي على نحو واضح وصريح. هناك، في قاعة الدرس، تختفي كل تلك الغيوم، ويحل محلها صفاء عجيب. تصبح لحظة المحاضرة من أسعد أوقات حياتي، لا لأنني أؤدي واجبًا، بل لأنني أعيش حالة من العطاء الصادق.

ولعل ما يزيد هذه الحالة صفاءً أنني لا أتعامل مع المحاضرة بوصفها أداءً مُعدًّا سلفًا، بل أراها رزقًا يُساق إلى السامعين، يُجريه الله على لساني. لا أُثقِل نفسي بتحضيرٍ مُسبق بقدر ما أترك المجال لذلك التدفق الذي أشعر معه أنني مجرد وسيلة، وأن الكلمة تُقال حيث ينبغي أن تُقال.

لكن ما إن تنتهي هذه اللحظات، وأعود إلى نفسي، حتى تعود تلك الحالة من جديد؛ كأن الفرح كان عابرًا، وكأن الصمت يملك من القوة ما يسترد به حضوره. وهنا تتجلى المفارقة: امتلاءٌ حين أكون بين الناس، وفراغٌ حين أكون مع نفسي.

وهكذا تمضي الحالة بين شدٍّ وجذب؛ بين لحظات أجد فيها نفسي بوضوح، وأخرى تتوارى فيها خلف ضباب داخلي لا أملك له تفسيرًا قاطعًا. وربما لم يكن السؤال الأهم هو: ما اسم هذه الحالة؟ بل كيف يمكن التعايش معها دون أن تبتلع صفاء ما تبقى.

إنها ليست قصة حزنٍ خالص، ولا حكاية اكتئابٍ مكتمل، بل تجربة إنسانية تتأرجح بين الضوء والظل؛ بين صخب القاعة الذي يُعيد إليّ نفسي، وصمتها حين أخلو بها، فأجدني في مواجهة ما لا يُقال، وما لا يُرى، لكنه يُحس بكل وضوح.

2026-04-11

حقيقة الحياة

 

مهندس عاصم شاكر 

أصعب حقيقة يكتشفها الإنسان في لحظة صدق مع نفسه، أن كل هذا الجري والتعب والانشغال قد لا يترك في يده شيئًا ثابتًا. يركض سنوات طويلة خلف العمل والنجاح والمال والعلاقات، ويظن أنه يبني عالمًا دائمًا، ثم يفيق فجأة على حقيقة بسيطة لكنها عميقة: نحن جميعًا عابرون في هذه الحياة، لا نملك الغد، ولا نحتفظ بما نحب إلى الأبد.

الحياة بطبيعتها مؤقتة، وكل ما فيها قابل للتغير. الأشخاص الذين نتمسك بهم قد يرحلون، والأماكن التي نحبها قد تتبدل، والأحلام التي نطاردها قد تتغير ملامحها مع الزمن. ومع مرور الأيام يدرك الإنسان أن أثقل ما يحمله على قلبه هو وهم الدوام، وأن أخف الناس مرورًا في الدنيا هم أكثرهم فهمًا لها، لأنهم عرفوا أنها طريق وليست محطة إقامة.

ليس المطلوب من الإنسان أن يترك الدنيا أو ينعزل عنها، بل أن يتعامل معها بوعي واتزان. يعمل ويجتهد، يحب ويعطي، يفرح ويحزن، لكنه في داخله يحتفظ بحقيقة واضحة: كل شيء زائل، وما يبقى فقط هو الأثر الطيب. هذه الفكرة تمنح النفس هدوءًا عميقًا، وتجعل الإنسان أقل قلقًا وأكثر تسامحًا مع الحياة ومع الناس.

عندما يفهم الإنسان أنه ضيف في هذه الدنيا، يصبح أكثر رحمة بالآخرين، وأكثر لطفًا في كلماته، وأقل ميلًا للصراع. لا يثقل قلبه بالحقد، ولا يستهلك عمره في الخصومات الصغيرة، لأنه يعرف أن الوقت أقصر من أن يُهدر في أشياء لا قيمة لها. فيختار أن يمر بخفة، وأن يترك خلفه أثرًا جميلًا، كلمة طيبة، موقفًا إنسانيًا، أو علمًا نافعًا.

المرور الخفيف في الحياة لا يعني الضعف، بل يعني الحكمة. أن تعيش دون أن تؤذي، وأن تحب دون أن تتملك، وأن تعمل دون أن تتكبر، وأن ترحل دون أن تترك جراحًا في قلوب الناس. هذه هي البصمة الحقيقية التي تبقى بعد رحيل الإنسان.

في النهاية، لا يُقاس جمال الإنسان بطول عمره ولا بكثرة ما جمعه، بل بما تركه من خير في قلوب من حوله. فالأعمار تمضي سريعًا، والأيام تتبدل، لكن الأثر الطيب يظل شاهدًا على صاحبه، حتى بعد أن يغيب.

نمضي جميعًا في طريق واحد، ويبقى السؤال الأهم: ماذا سيبقى منا بعد الرحيل؟

الجواب بسيط وعميق في الوقت نفسه: يبقى الأثر، ويبقى الخير الذي صنعناه في حياة الآخرين.

2026-04-10

أوزير

 


كتب الاثري شريف محمود 

المصريين كانوا عارفين و متأكدين إن "اوزير" مبقاش ليه اي وجود في عالم الاحياء خاصة بعد إنتقاله للعالم الاخر وسيطرته عليه.

على الرغم من كدا ظلوا يبحثون عن مظاهر تؤكد وجوده في عالم الاحياء بل إنهم ربطوا بينه وبين مظاهر الحياة المختلفة في كل حاجة كالزرع والاشجار والخضرة ونمو محاصيل القمح.

قدامنا هنا مشهد من بردية جوميلهاك المعروضة بمتحف اللوفر بباريس بنشوف فيها "اوزير" راقد على الارض في شكل مومياء يرتدي التاج الابيض يخرج من جسده سنابل القمح. 

مع ملاحظة إن جسده بالكامل عبارة عن سنبلة قمح كبيرة ودا معناه إنه هو نفسه البذرة اللي بيخرج منها كل المحاصيل بإعتباره رمز الخير والعطاء في عالم قدماء المصريين.

2026-04-09

قلادة المتحف البريطاني

 




الاثري شريف محمود 

قلادة مصنوعة من الألكتروم "جعم" المرصع بالعقيق الاحمر واللازورد والفلسبار الاخضر تحمل اسم التتويج الخاص بالملك "سنوسرت الثاني" بطريقة الكتابة المعماة cryptography.

 تم العثور عليها بدهشور نشاهد في المنتصف شكل الجعران المجنح "خبر" 𓆣 يدفع قرص الشمس "رع" 𓇳 نحو الاعلى اسفل منه نشاهد علامة الإشراق "خع" 𓈍 جميعهم ينطقوا "خع خبر رع" بمعنى «المشرق في شكل رع» يعبروا عن إسم التتويج الخاص بالملك "سنوسرت الثاني" بالإضافة إلى زهرتي البردي المربوطتان سوياً اللتان تشيران لكونه ملك الشمال والجنوب القلادة معروضة بالمتحف البريطاني بلندن.

معلومات طبية



 

دكتور محمد العوادي 

القيم الصحية الطبيعية للبالغين (تقريبية)

1. ضغط الدم:

  • أقل من 120 / 80

2. معدل النبض:

  • 60 – 100 نبضة/الدقيقة

3. درجة الحرارة:

  • 36.1 – 37.2 °م

4. معدل التنفس:

  • 12 – 20 نفس/الدقيقة

5. الهيموجلوبين:

  • ذكور: 13 – 17.5 g/dL
  • إناث: 12 – 16 g/dL

6. الكوليسترول الكلي:

  • أقل من 200 mg/dL

7. البوتاسيوم:

  • 3.5 – 5.0 mmol/L

8. الصوديوم:

  • 135 – 145 mmol/L

9. الدهون الثلاثية:

  • طبيعي: أقل من 150
  • 150–199: متوسط
  • 200 فأكثر: مرتفعة

10. كمية الدم في الجسم:

  • حوالي 5 – 6 لتر

11. سكر الدم:

  • صائم: 70 – 99 mg/dL
  • بعد الأكل بساعتين: أقل من 140

12. الحديد (يُقاس معمليًا):

  • Serum Iron: 60 – 170 µg/dL
  • Ferritin (الأدق): يختلف حسب العمر والجنس

13. كريات الدم البيضاء:

  • 4000 – 11000 /µL

14. الصفائح الدموية:

  • 150,000 – 450,000 /µL

15. كريات الدم الحمراء:

  • ذكور: 4.7 – 6.1 مليون/µL
  • إناث: 4.2 – 5.4 مليون/µL

16. الكالسيوم:

  • 8.6 – 10.2 mg/dL

17. فيتامين D3:

  • نقص: أقل من 20
  • كفاية: 30 – 50
  • زيادة ضارة: أكثر من 100

18. فيتامين B12:

  • 200 – 900 pg/mL
  • (قد تظهر أعراض تحت 300)

---

نصائح صحية مهمة بعد سن 40 – 50 – 60

1️⃣ شرب الماء بانتظام

حتى دون الإحساس بالعطش؛ فالجفاف الخفيف سبب شائع للإرهاق وارتفاع الضغط واضطراب التركيز.


2️⃣ الحركة اليومية

  • المشي 30 دقيقة، أو أي نشاط مناسب للعمر والحالة الصحية.


3️⃣ الاعتدال في الطعام

  • القلة مع التنوع… لا حرمان ولا إفراط.


4️⃣ النوم المبكر

  • النوم المنتظم أساس لصحة القلب والمناعة والذاكرة.


5️⃣ تقليل التوتر والغضب

  • الضغط النفسي المزمن يرفع الضغط والسكر ويُضعف المناعة.


6️⃣ العلاقات الهادئة

  • اختر من ترتاح له نفسيًا… السلام الداخلي دواء.


7️⃣ استخدام المال باعتدال

  • أنفق على صحتك وراحتك ومن تحب… المال وسيلة لا غاية.


8️⃣ الرضا وعدم التحسُّر

  • ما فاتك لم يُكتب لك، وما لم يُكتب لك صرفه الله عنك لحكمة.


9️⃣ التواضع

راحة القلب وطول العمر لا يجتمعان مع الكِبر.


🔟 الشيب ليس نهاية

  • بل مرحلة نُضج ووعي وهدوء… عِشها بذكرٍ، وتفاؤل، واستمتاع بالحلال.

---

ملاحظة صحية مهمة

  • الحجامة ليست إجراءً وقائيًا عامًا لكل الناس، ولا تُنصح بشكل دوري إلا في حالات محددة وتحت إشراف طبي.

  • الفحوصات الدورية (ضغط – سكر – دهون – فيتامين د – B12) أهم وأدق.

---

متعكم الله بالصحة والعافية، وجعل أعماركم عامرة بالطاعة والطمأنينة.

2026-04-08

حفظ الاسماك في مصر القديمة

 



مهندس عاصم شاكر 

مشهد عبقرى لحفظ وتصنيع الأسماك فى مصر القديمة- تعالوا نشوف

على اليمين يقف رجل ويحمل بيده سله مليئة بالأسماك الطازجة -يضعها أمام رجل آخر يقوم بتنظيفها وتقطيعها تمهيدا لحفظها- فى الأعلى مشهد لحفظ الأسماك لثلاث سمكات كبيرة

فى أقصى اليمين تظهر سمكة داخل ربما شبكة صيد وحولها الماء- لاحظوا التفاصيل البسيطة مثل شكل السلة التى تحمل الأسماك وشكل أدوات التقطيع- حقا مذهلة

A brilliant scene depicting the preservation and processing of fish in ancient Egypt – let's take a look!

On the right stands a porter holding a basket full of fresh fish. He places it in front of a man who cleans and cuts them in preparation for preservation. Above, a scene shows the preservation of three large fish.

On the far right, a fish appears inside what is perhaps a fishing net, surrounded by water. Notice the subtle details, such as the shape of the basket holding the fish and the cutting tools – truly amazing!

2026-04-07

معني الرحمة

 


الدكتور مصطفى محمود – رحمه الله – يقول في كتابه عصر القرود:

الرحمة أعمق من الحب، وأنقى وأطهر منه. إنها عاطفة إنسانية سامية مركّبة؛ تجمع في طياتها الحب والتضحية وإنكار الذات، وتضمّ بين جوانبها التسامح والعطف والعفو والكرم. فنحن جميعًا قادرون على الحب بحكم الفطرة البشرية، لكن قليلون هم من يستطيعون بلوغ مقام الرحمة.

2026-04-06

راتب ام اهانة

 


دكتور محمد الشافعي 

لم يعد مرتب عضو هيئة التدريس في مصر مجرد مسألة ضعف دخل، بل تحوّل إلى أزمة حقيقية تمس كرامة المهنة وقيمة العلم في المجتمع. سنوات طويلة من الدراسة والبحث، تبدأ بالليسانس أو البكالوريوس، ثم الماجستير والدكتوراه، مرورًا بالأبحاث والتدريس والإشراف العلمي واللجان والتصحيح، تنتهي في واقع مؤلم يتمثل في راتب لا يكفي لتغطية أساسيات الحياة، ولا يواكب الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الكريمة.

المشكلة لم تعد شأنًا فرديًا أو شكوى شخصية، بل أصبحت قضية تمس مكانة الأستاذ الجامعي ذاته، وتمثل إهانة غير مباشرة لمهنة يُفترض أنها تصنع العقول وتبني الأجيال وتصوغ مستقبل الوطن. فكيف يمكن أن نطالب الأستاذ الجامعي بالإبداع والابتكار والبحث العلمي المتقدم، وهو يعيش يوميًا تحت ضغط القلق المادي، ويشغل فكره التفكير في تدبير احتياجات بيته قبل تدبير احتياجات طلابه وأبحاثه؟ وكيف يمكن أن نحاسبه على جودة الأداء العلمي والتعليمي في ظل غياب الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي الذي يضمن له حياة كريمة تليق بمكانته العلمية؟

إن ما يحدث لا يمثل ظلمًا لأعضاء هيئة التدريس فحسب، بل يُعد إهدارًا لقيمة العلم نفسها، لأن الأستاذ الجامعي حين يُثقل بالديون والضغوط والالتزامات المعيشية، فإن انعكاس ذلك لا يتوقف عنده وحده، بل يمتد إلى الطالب الذي يتلقى علمًا في بيئة مضطربة، وإلى الجامعة التي تفقد تدريجيًا هيبتها، وإلى المجتمع الذي يخسر أهم ركائزه الفكرية والعلمية.

إن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس ليس رفاهية، ولا مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل ضرورة وطنية حقيقية، تهدف إلى الحفاظ على مكانة الجامعة المصرية واستعادة احترام المجتمع للعلم وأهله. فالأستاذ الجامعي ليس موظفًا عاديًا، بل هو صانع وعي وبانٍ للأجيال، وأي مجتمع يسعى إلى التقدم لا يمكنه أن ينهض بينما حاملو العلم فيه يعانون من ضيق العيش وقلة التقدير.

إن إعادة الاعتبار المادي والمعنوي للأستاذ الجامعي تمثل خطوة أساسية في طريق إصلاح التعليم العالي، لأنها تعني ببساطة إعادة الاعتبار للعلم ذاته، وترسيخ قناعة حقيقية بأن بناء الإنسان يبدأ من احترام من يعلّمه ويصوغ عقله ويقود فكره.

حنين إلى زمنٍ لم أعشه

 


دكتور محمد الشافعي 

أحيانًا يشعر الإنسان أنه يسير في زمنٍ لا يشبهه، كأن روحه وُلدت في عصرٍ آخر ثم أُلقي بها خطأً في هذا العصر الصاخب. يعيش بين الناس بجسده، بينما قلبه معلّق في زمنٍ قديم، يفتّش في الوجوه عن ملامحٍ اندثرت، وفي الشوارع عن ظلالٍ كانت هنا ثم مضت، وفي الكلمات عن رصانةٍ غابت وحلّ محلها ضجيج العبارات السريعة.

إن الحنين إلى القديم ليس مجرد إعجابٍ بالشعر أو الموسيقى أو العمارة، بل هو حالة وجدانية عميقة، أشبه بما كان يطلق عليه أهل العشرينيات والثلاثينيات "نزعة الوفاء للأصل" أو "رقة الطبع ورسوخ الذوق". ذلك الزمن لم يكن مجرد سنواتٍ تمضي على صفحات التاريخ، بل كان نسقًا للحياة، وإيقاعًا هادئًا للأيام، حيث كانت الكلمات تُقال بوقار، والخطوات تُحسب بتؤدة، والوجوه تُزيَّن بابتسامةٍ صادقة لا بزيف المجاملات.

وحين يثقل الذهن وتتزاحم الأفكار، يجد المرء نفسه مدفوعًا إلى شوارع القاهرة القديمة، لا ليتمشى فحسب، بل ليبحث عن ذاته. يسير بين الأزقة العتيقة، تحت شرفاتٍ متآكلة، وعلى أرصفةٍ شهدت خطى رجالٍ ونساءٍ من زمنٍ أنيق، وكأن الجدران تهمس بحكاياتٍ قديمة، وكأن النوافذ تطلّ على ماضٍ لم يمت بعد. هناك، في عبق الحجر القديم، وفي صمت المشربيات، وفي زخارف الأبواب الخشبية، يشعر الإنسان أنه عاد إلى موطنه الحقيقي، ولو لبرهةٍ قصيرة.

زمن العشرينيات والثلاثينيات تحديدًا يحمل سحرًا خاصًا؛ كان زمن البدلة الأنيقة والطرب الأصيل، زمن المفردة المهذبة والخطاب الرصين، زمن الرسائل المكتوبة بخط اليد، وزمن المجالس التي تُدار فيها الأحاديث على مهل، بلا عجلة ولا صخب. كان الاحترام قيمةً لا شعارًا، وكان الأدب سلوكًا لا تكلّفًا، وكانت البساطة عنوانًا للحياة، فلا ترفٌ يفسد الروح ولا تعقيدٌ يرهق القلب.

ولعل السر في هذا الحنين أن الإنسان حين يضيق بالحاضر، يبحث عن زمنٍ أكثر صفاءً، زمنٍ يليق بروحه، فيجده في الماضي. فالماضي — وإن لم نعشه — قد يسكن فينا، لأن الروح بطبيعتها تميل إلى الهدوء والوقار والجمال، وهذه القيم كانت أوضح حضورًا في تلك الأزمنة.

إن الشعور بالغربة عن المجتمع لا يعني الانفصال عنه، بل يعني امتلاك حسٍ مرهف يرفض الصخب ويبحث عن الأصالة. فبعض الناس يعيشون في الحاضر بأجسادهم، لكن أرواحهم تحمل رائحة الزمن الجميل، وتأنس بالكلمات القديمة، وتستريح في الأماكن العتيقة، وتحنّ إلى عالمٍ كانت فيه الحياة أكثر لطفًا وصدقًا.

وهكذا يظل الحنين إلى الزمن القديم ليس هروبًا من الواقع، بل محاولة للحفاظ على جوهرٍ إنسانيٍ رقيق كاد أن يضيع في زحام العصر؛ جوهرٍ يرى في الوقار جمالًا، وفي البساطة نعمة، وفي الأدب حياة، وفي الماضي وطنًا معنويًا يلجأ إليه القلب كلما ضاقت به الأزمنة.

انواع الطماطم



 
دكتور محمد الشافعي 

أنواع الطماطم كثيرة ومتنوعة، وتختلف حسب الشكل والحجم والاستخدام. إليك تصنيفًا لأشهر أنواع الطماطم:

---

🌿 أولاً: حسب الشكل والحجم

1. طماطم كرزية (Cherry Tomato)

صغيرة الحجم، دائرية.

طعمها سكري.

مثالية للسلطات والتزيين.

2. طماطم عنقودية (Grape Tomato)

تشبه العنب، أصغر من الكرزية.

أقل عصارة، وأكثر صلابة.

تدوم فترة أطول بعد الحصاد.

3. طماطم بير (Pear Tomato)

صغيرة وشكلها كمثري.

غالبًا ما تكون صفراء أو حمراء.

تستخدم في الصوصات أو التجفيف.

4. طماطم برغوثية (Plum أو Roma Tomato)

بيضاوية الشكل.

مثالية لعمل الصلصة (صلصة البيتزا أو المعكرونة).

تحتوي على قليل من العصارة.

5. طماطم كبيرة (Beefsteak Tomato)

ضخمة الحجم، شكلها غير منتظم.

لحمية جدًا.

مثالية للساندويتشات والبرجر.

---

🍅 ثانيًا: حسب الاستخدام

1. للسلطات:

الكرزية، والعنقودية، وأنواع heirloom (التراثية).

2. للعصير:

طماطم كبيرة الحجم، مثل beefsteak.

طماطم plum.

3. للطبخ والصلصات:

طماطم Roma أو plum.

طماطم San Marzano (إيطالية شهيرة جدًا، مثالية للبيتزا).

4. للتجفيف:

الطماطم الصغيرة مثل pear وplum.

---

🧬 ثالثًا: أنواع شهيرة عالميًا (أسماء أصناف)


San Marzano:

أصلها من إيطاليا، نكهة غنية، مثالية للبيتزا.


Brandywine:

طماطم كبيرة ولحمية، نكهة قوية، تستخدم في السندويتشات.


Cherokee Purple:

طماطم تراثية، لونها يميل للأرجواني، طعمها مميز.


Green Zebra:

طماطم خضراء بها خطوط صفراء، طعمها لاذع، للسلطات.

..........

فوائدها

الطماطم من أكثر الخضراوات (رغم أنها فاكهة من الناحية النباتية) فائدةً للصحة، فهي غنية بالفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة. إليك أبرز فوائدها:

---

🛡️ 1. غنية بمضادات الأكسدة وخاصة الليكوبين (Lycopene)

الليكوبين يعطي الطماطم لونها الأحمر.

يحارب الجذور الحرة، ويقلل من خطر الإصابة بـ:

  • سرطان البروستاتا، والرئة، والمعدة.
  • أمراض القلب.
  • الشيخوخة المبكرة.

---

❤️ 2. تحافظ على صحة القلب

تحتوي على بوتاسيوم ومركبات تقلل الكوليسترول الضار (LDL).

تحسن ضغط الدم والدورة الدموية.

---

👁️ 3. تحمي النظر

غنية بـ فيتامين A ومركب اللوتين والزياكسانثين،

مما يقلل خطر الإصابة بـ:

  • التنكس البقعي.
  • العمى الليلي.

---

🌿 4. مفيدة للبشرة

الليكوبين يحمي البشرة من أشعة الشمس.

فيتامين C يدعم إنتاج الكولاجين، ويحافظ على نضارة البشرة.

---

🦴 5. تقوي العظام

تحتوي على فيتامين K والكالسيوم والليكوبين،

مما يساعد على:

  • تقوية العظام.
  • تقليل هشاشتها خاصة مع التقدم في السن.

---

🍽️ 6. تحسن الهضم وتدعم صحة الجهاز الهضمي

غنية بالألياف، تساعد على:

  • تنظيم حركة الأمعاء.
  • منع الإمساك.
  • دعم البكتيريا النافعة.

---

🧠 7. مفيدة للدماغ والمزاج

مضادات الأكسدة فيها قد تحسن الذاكرة.

فيتامين B6 وحمض الفوليك يساعدان على تقليل خطر الزهايمر.

تحتوي على مادة تساعد على تقليل التوتر والقلق.

---

🩺 8. قليلة السعرات وتساعد في الرجيم

كوب واحد من عصير الطماطم = حوالي 40 سعرة حرارية فقط.

مشبعة بسبب الألياف والماء، ومثالية للدايت.

🧃 أفضل طريقة للاستفادة؟

الطماطم المطهية تحتوي على ليكوبين أكثر فاعلية من النيئة.

لكن الطازجة تحتوي علي فيتامين C  أكثر.


ستر الخواطر

 


مهندس عاصم شاكر 

من سار بين الناس جابرًا للخواطر أنقذه الله من جوف المخاطر؛ فهذه ليست مجرد عبارة عابرة تُقال في مجالس الوعظ، بل هي قانون إنساني عميق يحكم حركة الحياة ويُعيد ترتيب موازين القلوب قبل موازين المصالح. فالحياة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُدار بالمنطق البارد فقط، وإنما تستقيم بجبر الخواطر، لأن القلوب إذا انكسرت ضاعت إنسانية الإنسان، وإذا جُبرت استعاد المجتمع توازنه وأمانه.

جبر الخواطر هو أرقى صور الرحمة التي يمكن أن يمارسها الإنسان دون أن يدفع ثمنًا ماديًا، وهو أعظم استثمار أخلاقي يملكه المرء في رصيده الإنساني. كلمة طيبة تُقال في وقت الانكسار، وابتسامة تُرسم على وجه مهموم، ويد تمتد لتخفف عن متألم، كلها أعمال صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، لأنها تُرمم ما لا تستطيع الأموال ولا المناصب ترميمه. فالخواطر المكسورة لا يداويها إلا قلب رحيم، ولا يجبرها إلا إنسان يعرف أن الدنيا تدور وأن الأيام دول.

ولعل سر النجاة في جبر الخواطر أن الله جعل الرحمة بين عباده طريقًا لرحمته بهم، فمن خفف عن الناس خفف الله عنه، ومن ستر ضعفهم ستر الله عثرته، ومن جبر كسرهم جبر الله كسره في ساعة لا يجد فيها سندًا ولا معينًا. فالمخاطر التي تهدد الإنسان في حياته ليست كلها حوادث مادية أو أزمات ظاهرة، بل إن أخطرها ما لا يُرى: قلق مفاجئ، ضيق مفجع، ضياع طريق، أو موقف قاسٍ لا يجد فيه الإنسان من يقف بجانبه. وهنا تتجلى رحمة الله فيمن كانوا يجبرون خواطر الناس، فيجدون لطف الله يحيط بهم من حيث لا يحتسبون.

إن جبر الخواطر ليس ضعفًا كما يظنه البعض، وليس تنازلًا عن الكرامة، بل هو قوة أخلاقية راقية تعكس نُبل صاحبها وسمو إنسانيته. فالإنسان الذي يجبر الخواطر يملك قلبًا واسعًا وعقلاً ناضجًا ونفسًا تعرف أن العظمة الحقيقية ليست في أن تكون قويًا على الناس، بل في أن تكون رحيمًا بهم. فالقلوب تُفتح بالمحبة، والنفوس تُستمال بالرحمة، والمجتمعات تستقر حين يسود فيها خلق الجبر والاحتواء.

وفي زمن ازدادت فيه القسوة، وتسارعت فيه المصالح، وضاقت فيه النفوس، صار جبر الخواطر عبادة إنسانية عظيمة تُعيد للناس شعور الأمان، وتُحيي فيهم معنى التراحم الذي كاد أن يختفي. فكم من كلمة قاسية كسرت إنسانًا، وكم من موقف بسيط أعاد له الحياة، وكم من جبر خاطر غيّر مصير إنسان من اليأس إلى الأمل.

إن من يسير في طريق جبر الخواطر يسير في طريق النجاة، لأنه يحمل في قلبه رحمة، والرحمة إذا سكنت قلبًا جعلته في معية الله، ومن كان الله معه فلا يخشى المخاطر مهما اشتدت ولا الأزمات مهما تعاظمت. فاجعل جبر الخواطر منهج حياة، لا موقفًا عابرًا، وازرع الطمأنينة في قلوب الناس، فإنك لا تدري أي خاطر تجبره اليوم يكون سببًا في أن يُنجيك الله غدًا من خطر لم تره عيناك ولم يخطر على بالك.

 وختاما، جبر الخواطر ليس خلقًا اجتماعيًا فقط، بل هو طريق نجاة، وميزان إنسانية، ورسالة رحمة، ومن سار به بين الناس حفظه الله من جوف المخاطر.