2026-04-05

يوم صعب

 

دكتور محمد الشافعي 

كان صباحًا ثقيلًا منذ لحظته الأولى. لم يبدأ اليوم بهدوءٍ معتاد، بل بدأ بخبرٍ أربك القلب وأقلق الروح؛ اتصالٌ يحمل عبارة قصيرة، لكنها كفيلة بأن تزلزل الطمأنينة: تعالوا فورًا… حفيدكم أُصيب في المدرسة، وفي وجهه كدمات وسحجات.

في تلك اللحظة، لم يكن هناك وقتٌ للتفكير، بل كان هناك اندفاعٌ فوري نحو المدرسة، وقلبٌ يسبق الخطى، وعقلٌ مثقلٌ بأسئلةٍ لا تنتهي: ماذا حدث؟ كيف أُصيب؟ هل حالته خطيرة؟ ولماذا كان الطفل وحده في مدرسةٍ لا يبدو أنها تهتم إلا بما تتقاضاه من رسوم؟

وصلنا إلى المدرسة مسرعين، نحمل قلقنا بين أيدينا، ونبحث عن بابٍ يفتح لنا الطريق إلى الطفل لنطمئن عليه. لكن المفاجأة كانت أقسى من الخبر نفسه؛ مُنعنا من الدخول. وقفت المعلمة عند البوابة تردد ببرودٍ إداري: ممنوع دخول الأهالي إلى داخل المدرسة.

كيف يُمنع أهل طفلٍ مصاب من رؤيته؟ وكيف يُطلب منا أن نطمئن ونحن لا نراه؟ وكيف يُفرض علينا أن نصدق أن الأمور تحت السيطرة دون أن نتحقق من سلامته؟

كان المشهد صادمًا؛ مدرسةٌ تُصنَّف على أنها دولية، لكنها تتصرف بمنطقٍ إداريٍ جامد، وكأن السمعة أهم من الإنسان، وكأن الإجراءات أهم من الطفل المصاب. بدا الخوف واضحًا في تصرفاتهم، خوفًا من المساءلة، لكنه خوفٌ أعمى، لا يدرك أن منع الأهل من رؤية طفلهم يزيد الأمر سوءًا، ويعمّق الشك بدل أن يبدد القلق.

لم يُسمح لنا بالدخول، ولم يُسمح لنا حتى بالانتظار، وكأن المدرسة أرادت أن تُغلق الصفحة سريعًا، وتُنهي المشهد قبل أن يبدأ. لم يكن أمامنا إلا أن نعود وننتظر وصول الطفل إلى المنزل، انتظارًا طويلًا ثقيلًا، كل دقيقةٍ فيه تمر وكأنها ساعة.


وأخيرًا وصل يوسف.

كان المشهد مؤلمًا؛ وجهٌ يحمل آثار الكدمات، وسحجاتٌ واضحة قرب العين اليمنى، وإرهاقٌ ظاهر في ملامحه الصغيرة. لم يكن مجرد خدشٍ عابر، بل إصابة تستدعي القلق والتدخل السريع.

على الفور تم الاتصال بالطبيب، فجاء مسرعًا، وأجرى كشفًا دقيقًا، ثم قال بلهجةٍ حاسمة: هناك ارتجاج، ويجب الراحة التامة، وإجراء أشعة مقطعية للاطمئنان.

لم نتردد لحظة، وتوجهنا مباشرة إلى مستشفى ابن سينا، بحثًا عن تشخيصٍ دقيق ومتابعةٍ مطمئنة. أعيد الكشف مرةً أخرى، وجاءت الطبيبة بالتشخيص نفسه، مع توصيةٍ واضحة: وضع الطفل تحت الملاحظة لمدة أربعٍ وعشرين ساعة، وإجراء الأشعة اللازمة للتأكد من سلامته التامة.

هكذا انتهى اليوم، لكنه لم يكن يومًا عاديًا. كان يومًا كشف الكثير؛ كشف هشاشة بعض الإدارات التعليمية، وضعف التعامل مع الأزمات، وغياب الحس الإنساني في مواقف تحتاج إلى الرحمة قبل اللوائح، وإلى المسؤولية قبل السمعة.

ولا يمكن أن يُنسى في هذا المشهد أن المعلمة التي منعت الدخول ادّعت لاحقًا أنني رفضت استلام الطفل، وهو ادعاءٌ يثير الدهشة، ويكشف حجم الارتباك الإداري داخل المدرسة، ومحاولة الهروب من تحمل المسؤولية.

لقد كان يومًا صعبًا بالفعل، يومًا تعلمنا فيه أن الاطمئنان على الأطفال ليس رفاهية، وأن المؤسسات التعليمية الحقيقية تُقاس بإنسانيتها قبل أي شيء، وأن سمعة المدرسة لا تُحفظ بالمنع والتجاهل، بل تُحفظ بالصدق والشفافية وتحمل المسؤولية.

ويبقى الأمل الآن أن يتعافى يوسف سريعًا، وأن تمر هذه التجربة بسلام، وأن يدرك الجميع أن الطفل ليس رقمًا في سجل مدرسة، بل روحٌ صغيرة تستحق الحماية والرعاية والاهتمام.

ليست هناك تعليقات: