دكتور محمد الشافعي
اعمل عبيط وأنت فاهم… ولا تعمل فاهم وأنت عبيط.
..........
في الحياة الاجتماعية والعملية يواجه الإنسان كثيرًا من المواقف التي تتطلب قدرًا من الحكمة قبل أن تتطلب قدرًا من المعرفة. فليس كل ما يُعرَف يُقال، وليس كل ما يُفهم يجب أن يُظهَر، وهنا تتجلى قيمة العبارة: اعمل عبيط وأنت فاهم… بس بلاش تعمل فاهم وأنت أصلًا عبيط. وهي عبارة شعبية بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها فلسفة عميقة في التعامل مع الناس والمواقف.
إن التظاهر بعدم الفهم أحيانًا قد يكون نوعًا من الذكاء الاجتماعي، لأن الإنسان الحكيم يدرك أن الصمت في بعض المواضع أبلغ من الكلام، وأن التغافل في أوقات معينة يجنّبه صدامًا لا داعي له. فكم من إنسان فهم حقيقة موقف ما، لكنه اختار أن يتغافل حفاظًا على العلاقات أو احترامًا للظروف أو تجنبًا لمشكلات أكبر. وهذا ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو قوة نفسية وقدرة على ضبط الذات وإدارة المواقف بحكمة.
في المقابل، فإن ادعاء الفهم والمعرفة دون امتلاكها هو أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان، لأنه يضع نفسه في موضع لا يليق به، ويكشف جهله أمام الآخرين دون أن يشعر. فالذي يتحدث فيما لا يعلم، أو يتظاهر بالخبرة فيما لا يفهم، سرعان ما ينكشف أمره، ويفقد احترام من حوله، لأن المعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض، بل تظهر في هدوء وثقة واتزان.
الإنسان الواعي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يظهر علمه ومتى يحتفظ به، لأن الحكمة ليست في كثرة الكلام، بل في اختيار الوقت المناسب للكلام. أما من يملأ المجالس بالادعاء والحديث في كل شيء، فإنه يشبه من يرفع صوته ليغطي على فراغ داخله، فيظن أنه بذلك يبدو قويًا، بينما الحقيقة أنه يكشف ضعفه أمام الجميع.
كما أن التغافل الواعي يحفظ كرامة الإنسان، ويجنّبه الدخول في معارك صغيرة تستنزف طاقته. فالحياة مليئة بالتفاصيل التي لا تستحق الوقوف عندها، والعاقل هو من يعرف أن بعض الأمور تُترَك، وبعض الكلمات تُتجاوَز، وبعض المواقف يُتغافل عنها، حفاظًا على راحة النفس وسلامة العلاقات.
وفي النهاية، تبقى القاعدة الذهبية أن الفهم الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الذكاء لا يعني إظهار كل ما تعرف، بل يعني أن تتصرف في الوقت المناسب بالشكل المناسب. فكن فاهمًا هادئًا إن لزم الأمر، لكن لا تدّعِ فهمًا لا تملكه، لأن الفرق بين الحكمة والجهل ليس في الكلام، بل في الوعي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق