2026-04-19

نهيق في ساحة العلم


 

دكتور محمد العوادي 

حين يعلو الصوت… ويخفت المعنى

حدث يوم الخميس الموافق 16/4/2026

...........

ليست كل مواجهةٍ تستحق أن تُسمّى خصومة، ولا كل صوتٍ مرتفعٍ دليلَ قوة؛ فبعض الضجيج لا يعدو أن يكون ستارًا يُسدل على خواءٍ داخلي، وعجزٍ عن إدارة الموقف بقدرٍ من الاتزان والرشد.

لقد وقعت واقعةٌ كان الأولى بها أن تُعالج في إطارها الطبيعي: مسألة إدارية تخصّ طلابًا لم تُدرج أسماؤهم في كشف مقرر اختياري، وهي مشكلة لا تحمل من التعقيد ما يستدعي صخبًا ولا افتعالًا. وقد قمتُ بما يمليه عليّ واجبي، فسعيتُ إلى حلها، وأُنجز الأمر بهدوءٍ واحترام، مراعيًا مصلحة الطلاب قبل كل شيء.

غير أنّ أحد الزملاء اختار طريقًا آخر؛ طريقًا لا يمتُّ إلى المهنية بصلة، فأساء في حضرة الطلاب بأسلوبٍ لا يليق بمقام العلم ولا بمن يُفترض فيه أن يكون قدوة. وكان ردي عليه مواجهةً صريحة، لكن بلغةٍ راقية، ونبرةٍ هادئة، إذ إنني أومن أن الهيبة لا تُستمد من ارتفاع الصوت، بل من ثبات الموقف ونُبل العبارة.

وما إن انفضّ الجمع وغادرتُ المكان، حتى انكشف ما كان مستترًا؛ فإذا به يُطلق العنان لصوتٍ أجشّ، يملأ الأرجاء صياحًا وسبابًا، ويحثّ الطلاب على الشكوى، في مشهدٍ أقرب إلى الفوضى منه إلى أي سلوكٍ مهنيٍّ مسؤول. وهنا، لا يسع المرء إلا أن يتساءل: أهذه شجاعةٌ أم استقواءٌ بغياب المواجهة؟ أهو دفاعٌ عن حق، أم محاولةٌ يائسة لتغطية عجزٍ لم يحتمل لحظة صدق؟

إنّ من يملك الحجة لا يحتاج إلى ضجيج، ومن يقف على أرضٍ صلبة لا يتكئ على إثارة الطلاب ولا على تأليبهم. أما من اعتاد الصياح، فليس غريبًا أن يتحول صوته—مهما علا—إلى ما يشبه النهيق، لا يُسمع فيه معنى، ولا يُرتجى منه أثر.

ولقد آثرتُ أن أطلق على صاحب هذا المشهد لقب “الجحشان”، لا سُخريةً مجردة، بل توصيفًا لحالٍ اختار فيها أن يستبدل الحكمة بالاندفاع، والوقار بالابتذال، والحجة بالضجيج. فليس كل من نطق أفصح، ولا كل من صرخ أقنع.

إن المؤسسات العلمية لا تُبنى بالصوت العالي، بل بالعقل الراجح، ولا تُدار بالانفعال، بل بالحكمة والتروّي. ومن أراد أن يكون أهلًا لمقام التعليم، فعليه أن يدرك أن الطلاب لا يتعلمون من الكلمات فحسب، بل من السلوك قبل القول، ومن الاتزان قبل المعرفة.

ويبقى في النهاية أن الهدوء الذي واجهتُ به الموقف، ليس ضعفًا، بل قوةٌ تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترك الضجيج يفضح نفسه بنفسه.

2026-04-17

كلية العلوم

 



د. مجدي عبدالعال

أستاذ كيمياء البوليمرات

مهتم بالتعليم العــــالي

جامعة المنصـــورة

.............................

كليات العلوم: عصب الأمة المشلول وأمانة العلم الضائعة

٢- تشريح الفجوة المعرفية و"بناء الحضيض"!!

—————————

حينما تصبح سنة أولى جامعة مجرد "محو أمية علمية".

في هذا الجزء، نغوص في أصل المأساة. لماذا يصرخ أساتذة العلوم من مستوى الطلاب المستجدين بالجامعة؟ ولماذا يشعر الطالب بالتوهان منذ المحاضرة الأولى؟! بالرغم من ان ما يدرسه لم يخرج عن ما سبق ودرسه في المرحلة الثانوية التي ربما يكون قد حصل فيها على الدرجات النهائية في المواد العلمية مثل الكيمياء والفيزياء والرياضيات؟

1️⃣ انهيار "المادة الخام": العلم الذي لم يُدرس!

الطالب الذي يلتحق بكلية العلوم اليوم هو نتاج نظام تعليمي (ما قبل جامعي) لم يتحسن منذ عقود.

الفاجعة أن الطالب يدخل قسم الكيمياء وهو لا يدرك "تمثيلاً" معنى الرابطة التساهمية، ويدخل قسم الفيزياء وهو لا يجيد المنطق الرياضي البسيط.

العلم في المدرسة تحول إلى "نصوص مقدسة تُحفظ" لتُفرغ في ورقة الإجابة، بينما كلية العلوم تحتاج إلى "عقل يشك، ويجرب، ويستنتج". نحن لا نستقبل طلاباً، نحن نستقبل "آلات حفظ" تعطلت برمجتها فور انتهاء امتحانات الثانوية العامة.

2️⃣ قانون الفجوة العكسية وصراع البقاء في قاعة المحاضرات

لنتحدث بلغة الأرقام والمساحات المعرفية:

الفجوة المعرفية هي المسافة بين "ما يعرفه الطالب فعلياً" وبين "ما يجب أن يدرسه في الجامعة".

عندما يكون التعليم الثانوي ثرياً، يدخل الطالب الجامعة وهو "جاهز" للتعمق. أما اليوم، فالفجوة اتسعت لدرجة أن الأستاذ الجامعي يضطر لقضاء 70% من وقت المحاضرة في "ترميم" مفاهيم كان يجب إتقانها في الإعدادية!

هذا الضياع في الوقت يعني بالضرورة نقصاً في "التحصيل التخصصي"، فيتخرج الطالب وهو لم ينهل من "مستجدات العلم" ما يكفي، لأنه استهلك وقته في تعلم "البديهيات".

3️⃣ أكذوبة "الاكتفاء بالتطبيق" في العلوم الأساسية

يظن البعض أن "العمق" غير مطلوب، وهذا أكبر خطأ، فالطالب في كليات أخرى قد يكون "مستخدماً"، لكن طالب العلوم هو "الماهية". إذا لم يفهم الكيميائي "أساس المادة" من الصفر، فكيف ننتظر منه أن يطور "بوليمراً" جديداً أو يجد حلاً كيميائياً لسرطان الماء (الفورمالدهيد)؟!

التأسيس من "الحضيض المعرفي" في الجامعة أصبح استحقاقاً إجبارياً وليس اختيارياً، لأننا نبني من تحت الصفر، حيث بات من الضروري إصلاح منظومة التعليم ماقبل الجامعي لتأهيل خريجيها لمرحلة الجامعة.


4️⃣ جريمة "الساعات الهزيلة" في ظل ضعف الإمكانيات

مع اتساع هذه الفجوة، تخرج أصوات تنادي بـ "تقليص الساعات المعتمدة" لمحاكاة أنظمة عالمية!

الرد الصادم هو أن الأنظمة العالمية (في ألمانيا أو أمريكا) تقلص الساعات لأن الطالب يدخل الجامعة وهو "مؤسس" كالحديد. أما عندنا، فتقليص الساعات هو "رصاصة الرحمة" على ما تبقى من علم.

نحن بحاجة لزيادة الساعات وزيادة الجرعة العملية، لنمنح الطالب الوقت ليعيش العلم، ويجرب بيده، ويمارس الخطأ والصواب في المعمل حتى تضيق الفجوة المعرفية لديه.

💡 رسالتي من الباب الثاني هي أن خريج العلوم الضعيف ليس "كسولاً" بالضرورة، بل هو نتاج "فجوة" لم تردم، وساعات دراسية لم تكفِ، وتأسيس مدرسي لم يحدث. إذا أردنا خريجاً يواجه سوق العمل، فلا بد من الاعتراف بأن "المرحلة الجامعية حالياً هي مرحلة إنقاذ وترميم" وليست مرحلة بناء وتعلية، والإنقاذ يحتاج لوقت وجهد وإمكانيات، وليس لتقليص التخصصات.