2026-06-06

المعلم شامخا

 


دكتور محمد الشافعي 

في سائر المهن والوظائف ترى الموظف جالسًا في مكانه، والناس من حوله واقفون، يطرقون بابه أو يتقدّمون إليه طلبًا لقضاء حاجة أو إنجاز مصلحة، فهو في موضع الخدمة والآخرون في مقام المستفيد. غير أنّ للتعليم شأنًا آخر وهيئةً أسمى؛ إذ تنقلب المعادلة في محراب العلم، فيجلس الطالب متلقّيًا، ويقف المعلم شامخًا بين تلامذته، حارسًا للقيم، ناقلًا للمعرفة، ملهِمًا للنفوس.

ذلك الموقف ليس مجرّد هيئة جسدية، بل هو رمز بليغ لمكانة المعلم ودوره الرسالي. فالوقوف هنا ليس استعلاءً ولا تكبّرًا، بل هو وقوف مَن نذر عمره لبذل النور، وأوقف نفسه على أداء الأمانة. إنّه وقوف المحبّ الذي يفيض بعطائه، فيمدّ العيون ببصيرة، والعقول بنور، والقلوب بأمل. المعلم في وقوفه يعلن أنّ رسالته أسمى من حدود الراتب أو المنصب، وأنّ كرامة العلم تعلو على مقاييس المهن الأخرى.

ما أشدّ روعة أن يُستحضر في هذا المشهد دعاء المخلصين: اللهم اجعلنا أهلاً لهذه الأمانة، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا. فهي أمانة تهزّ القلوب وتوقظ الضمائر، إذ لا تكفي فيها المهارة ولا تغني عنها الخبرة وحدها، بل لا بد من صدق النية، ونقاء القلب، وسموّ المقصد.

فالمعلم الحقّ ليس ناقلًا للمعارف فحسب، بل هو صانع أجيال، وبانٍ للضمائر، وغارس لقيمٍ تحفظ للأمم وجودها وكرامتها. وكلما وقف المعلم أمام طلابه كان وقوفه شهادةَ حبّ، ورسالةَ إخلاص، وعهدًا بأن يظلّ التعليم منارة تُضيء دروب الإنسانية.

وهكذا يغدو التعليم أقدس مهنة، لأنّها وحدها التي تقوم على معادلة فريدة: يجلس الطالب طلبًا للعلم، ويقف المعلم حبًّا وبذلًا، فتنحني القلوب إجلالًا، وتسمو الأرواح عرفانًا، ويبقى العلم ميراث الأنبياء وسراج الحضارة.