دكتور محمد الشافعي
حصن بوهين (Buhen Fortress)
- الموقع الجغرافي
يقع حصن بوهين في بلاد النوبة السفلى، على الضفة الغربية لنهر النيل، جنوب الشلال الثاني بالقرب من الحدود الحالية بين مصر والسودان.
كان موقعه الأصلي على بعد نحو 250 كم جنوب أسوان.
بعد بناء السد العالي في ستينيات القرن العشرين، غمرت مياه بحيرة ناصر موقع الحصن بالكامل، وتم إنقاذ بعض أجزائه ونقلها إلى المتحف القومي بالخرطوم (السودان).
---
- التاريخ والأهمية العسكرية
يُعد حصن بوهين من أكبر وأقدم الحصون العسكرية في مصر القديمة.
بدأ كمستوطنة صغيرة في عصر الدولة القديمة (الأسرة الرابعة تقريبًا – عهد الملك سنفرو)، حين أقيمت هناك نقطة مراقبة لحماية الحدود الجنوبية.
لكن أهم فتراته كانت في عصر الدولة الوسطى، تحديدًا في عهد الملك سنوسرت الثالث (الأسرة الثانية عشرة – القرن التاسع عشر ق.م)، حين أعيد بناؤه وتحصينه ليصبح قاعدة عسكرية ضخمة.
أنشأ المصريون في ذلك الوقت سلسلة من الحصون تمتد من سمنة شمالاً إلى عنيبة جنوبًا لحماية الحدود والسيطرة على طرق التجارة النوبية، وكان حصن بوهين أكبرها وأقواها.
---
- الوظيفة والدور العسكري
كان الغرض الأساسي من حصن بوهين التحكم في حركة النوبة ومنع التسلل أو التمرد، إضافة إلى حماية القوافل التجارية القادمة من الجنوب.
مثّل مركزًا إداريًا وعسكريًا يشرف على المنطقة الجنوبية بأكملها.
كان يضم حامية دائمة من الجنود المصريين وقادة محنكين تابعين لوزارة الحرب في طيبة.
كان أيضًا قاعدة انطلاق للحملات العسكرية المصرية ضد القبائل النوبية المعادية.
---
- التحصينات والهندسة المعمارية
تبلغ مساحة الحصن نحو 150 × 138 مترًا، وهو مربع تقريبًا تحيط به تحصينات قوية.
السور الخارجي سميك جدًا (يتجاوز 5 أمتار في بعض المواضع) ومبني من الطوب اللبن المقوى بالأبراج والدعامات الحجرية.
يحتوي على برجان رئيسيان عند المدخل الشمالي وعدد من الأبراج الجانبية (نحو 30 برجًا) موزعة على طول الأسوار.
تحيط به خنادق مائية عميقة لتوفير حماية إضافية، وهو أول حصن مصري معروف استخدم نظام الخندق الدفاعي المزدوج.
البوابات كانت مزودة بأبواب خشبية ضخمة مغطاة بالنحاس، ولها جسور متحركة يمكن رفعها وقت الخطر.
داخل الحصن تم تنظيم المنشآت العسكرية والمعيشية بدقة هندسية لافتة، تشمل:
- ثكنات للجنود
- مخازن للأسلحة والذخائر
- صوامع للحبوب
- مساكن للضباط
- معبد صغير للإله خنوم (إله أسوان)
- ورش نجارة وحدادة
- ساحات تدريب وممرات مراقبة
---
- الاكتشافات الأثرية
اكتُشف الحصن لأول مرة في بداية القرن العشرين بواسطة بعثات أوروبية.
ثم أُجريت حفريات علمية واسعة بقيادة عالم الآثار البريطاني والتر إميري (Walter Emery) في الخمسينيات من القرن العشرين، قبل أن تغمره بحيرة ناصر.
كشفت التنقيبات عن نظام دفاعي فريد، وأدوات برونزية، وأسوار متعددة المستويات، ونقوش عسكرية تحمل أسماء ملوك الدولة الوسطى.
كما عُثر على كتابات هيروغليفية توثّق أوامر عسكرية وتقارير حدودية، مما جعل بوهين مصدرًا أساسيًا لدراسة الإدارة العسكرية المصرية.
---
- الفترة اللاحقة وتطور الاستخدام
خلال عصر الهكسوس، ربما خُلي الحصن مؤقتًا.
ثم في عصر الدولة الحديثة (الأسرة الثامنة عشرة)، استُخدم الموقع مجددًا كقاعدة متقدمة خلال حملات تحتمس الثالث وأمنحتب الثاني في النوبة.
مع ضعف السيطرة المصرية لاحقًا، استولى عليه النوبيون وأصبح مركزًا محليًا تابعًا لممالكهم الجنوبية.
---
- غمر الموقع وإنقاذ الآثار
مع إنشاء السد العالي عام 1960، كان حصن بوهين من أهم المواقع الأثرية المهددة بالغرق.
قامت بعثة مشتركة من مصر والسودان وبريطانيا بتسجيل وتوثيق كل تفاصيله المعمارية قبل غمره.
بعض القطع والبوابات أُعيد تركيبها جزئيًا في المتحف القومي بالخرطوم، بينما نُقلت بعض النقوش إلى متحف النوبة بأسوان.
أما الموقع الأصلي فغمرته مياه بحيرة ناصر بالكامل.
---
- الأهمية التاريخية والعلمية
يُعد حصن بوهين أول نموذج كامل لقلعة مصرية متكاملة التصميم وواحدًا من أقدم الحصون الدفاعية في العالم.
أبرز أهمية الجيش المصري في تأمين الحدود الجنوبية وإدارته للمناطق النوبية.
يقدم مثالًا رائعًا على تطور العمارة العسكرية المصرية القديمة، من الأسوار الطينية البسيطة إلى التحصينات المركبة متعددة الطبقات.
يوثق بوضوح العلاقة بين مصر والنوبة، من السيطرة العسكرية إلى التبادل التجاري والثقافي.
يعدّ أيضًا شاهدًا على العبقرية الهندسية المصرية في تنظيم المدن العسكرية وتحصينها في بيئة صحراوية قاسية.
