دكتور محمد الشافعي
يطلقون علينا اليوم "كبار السن"، لكن الحقيقة أننا جيل عاش رحلةً استثنائية لم تتكرر. وُلدنا في مطلع ستينيات القرن الماضي، وترعرعنا في الستينيات والسبعينيات، وعشنا أجمل سنوات العمر في الثمانينيات والتسعينيات. درسنا، وعملنا، وتزوجنا، وربَّينا أبناءنا، ورأينا العالم يتغير أمام أعيننا، مرحلةً بعد أخرى.
لقد عشنا عبر ستة عقود مختلفة، ومررنا بقرنين، وانتقلنا من ألفية إلى أخرى. شهدنا زمن الهواتف الأرضية التي كان الاتصال فيها يحتاج إلى انتظار، ثم وصلنا إلى عصر مكالمات الفيديو التي تقرِّب المسافات بين أطراف العالم في لحظات. انتقلنا من الرسائل الورقية المكتوبة بخط اليد إلى البريد الإلكتروني، ثم إلى تطبيقات التواصل الفوري. وعرفنا الصور التقليدية وأشرطة الأفلام وأسطوانات الفينيل، حتى أصبح كل شيء اليوم محفوظًا في ذاكرة هاتف صغير نحمله في جيوبنا.
تابعنا الأخبار والمباريات عبر الراديو، ثم عشنا زمن التلفزيون الأبيض والأسود، ثم الملون، حتى وصلنا إلى الشاشات الذكية والمنصات الرقمية التي جعلت العالم كله بين أيدينا. ورأينا البدايات الأولى للحاسوب، والأقراص المرنة، ثم شهدنا ثورة الإنترنت، حتى أصبح الهاتف الذكي مكتبةً ومكتبًا ووسيلة تواصل وعالمًا كاملًا في جهاز واحد.
وعلى امتداد هذه الرحلة، عشنا تغيرات اجتماعية وثقافية كبيرة، وتبدلت أنماط الحياة والأفكار والعلاقات. وركبنا الدراجات والسيارات التقليدية، ثم شهدنا عصر السيارات الهجينة والكهربائية. كما مررنا بأزمات عالمية وأوبئة وأحداث كبرى، كان آخرها جائحة كوفيد-19 التي غيَّرت حياة البشرية.
لقد وُلدنا في عالمٍ تناظري (Analog)، وعشنا شبابنا في عالمٍ رقمي (Digital)، وها نحن نواكب عصر الذكاء الاصطناعي (AI). وربما لم يشهد جيل آخر هذا الكم الهائل من التحولات في زمن قصير كما شهدناه نحن.
ورغم كل ما تغير، بقيت أجمل ما في رحلتنا الذكريات التي صنعناها، والعلاقات التي عشناها، والتجارب التي صاغت شخصياتنا. لقد تعلمنا أن الحياة لا تستقر على حال، وأن الإنسان القوي هو من يتكيف مع التغيير دون أن يفقد قيمه أو إنسانيته.
لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الزمن يمضي أسرع مما نظن. تنقضي الأيام، ثم الأسابيع، ثم الأعوام، وفجأة نلتفت وراءنا فنجد أن سنوات طويلة قد مضت كأنها لحظة عابرة. ونكتشف أن بعض الأصدقاء قد غابوا، وأن بعض الأحبة قد رحلوا، وأن كثيرين ممن شاركونا الطريق سبقونا إلى رحمة الله.
عندها ندرك أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما عشنا فيه من لحظات صادقة، وما قدمناه من خير، وما تركناه من أثر جميل في قلوب الناس.
لذلك، لا تؤجل فرحتك، ولا تؤجل كلمة طيبة، ولا تؤجل زيارة من تحب. تمسَّك بأبنائك، وأحفادك، وأصدقائك، وأحبابك، فسيأتي يوم لا يبقى فيه إلا الذكريات الجميلة، والدعوات الصادقة، وأثر المحبة الذي تركناه خلفنا.
فالوقت لا يعود، واليوم هو الحياة التي نملكها. ولم نعد في عمر التأجيل، ولا التبرير، ولا إضاعة ما تبقى من أيامنا.
عِش يومك بمحبة، وامضِ في طريقك بامتنان، واصنع من حياتك ذكرى طيبة تستحق أن تُروى.
