2026-05-03

في رحاب الجامعة

 


دكتور محمد الشافعي 

على امتداد أكثر من أربعة عقود قضيتها في رحاب الجامعة أستاذًا وباحثًا ومربيًا، أجدني اليوم أقف حائرًا أمام مشهدٍ لم أعهده يومًا، ولا ظننت أنه يبلغ هذا الحد من التبدل والانحدار. لقد كانت الجامعة، فيما مضى، منارةً حقيقية للعلم، ومحرابًا يُصاغ فيه العقل، وتُهذَّب فيه النفس، وتُبنى فيه القيم قبل المعارف. أما اليوم، فقد تبدلت الأحوال تبدلًا عميقًا، وانحدرت من حالٍ كان يُضرب به المثل في الجودة والرصانة، إلى واقعٍ يبعث على الأسى والتأمل معًا.

لم يقتصر هذا التراجع على جانب دون آخر، بل طال بنية الجامعة في مجموعها؛ بدءًا من الأستاذ الجامعي الذي كان يُعدُّ نموذجًا للعلم والانضباط، فإذا بنا نرى – في بعض الحالات – أنماطًا من “الفهلوة” و”البرهانية الزائفة” تحل محل التأهيل الحقيقي والرصيد العلمي المتين. وتوازيًا مع ذلك، تراجع حال الطالب، من طالبٍ واعٍ، مدركٍ لقيمة ما يتلقاه، إلى آخر لا يهتم، ولا يملك – في كثير من الأحيان – أدوات التحصيل العلمي، بل وربما لا يعرف الطريق إليها أصلًا، بعد أن تعطلت لديه وسائل الفهم والبحث.

والمفارقة المؤلمة أن الأمر لم يقف عند حدود الضعف العلمي، بل تجاوزه إلى خللٍ جسيم في منظومة التقييم والإنصاف؛ إذ أصبحنا نرى طلابًا لا يرتقون – من حيث المستوى الحقيقي – إلى الحصول على شهادة ابتدائية، أو حتى دبلومٍ تجاري أو صناعي، ومع ذلك يُمنحون درجات الليسانس والبكالوريوس. بل إن بعضهم، عبر مسالك ملتوية من الكذب والغش والسرقة العلمية، استطاع أن يبلغ درجات أعلى، فنال الماجستير والدكتوراه، بل وتم تعيينه ضمن الكادر الجامعي، ليجلس بيننا متساويًا في الحقوق، دون أن يمتلك من أدوات العلم شيئًا يُذكر، سوى مهارات التسلق وإتقان فنون النفاق.

أما الأوضاع المادية، فهي الأخرى لا تقل سوءًا؛ إذ يعاني الأستاذ الجامعي من تدنٍ ملحوظ في الراتب، وضعفٍ في المقابل المادي المستحق عن أعمال جوهرية كالتصحيح وغيره، بما لا يتناسب مع حجم الجهد المبذول ولا مع مكانة الرسالة التي يؤديها. وهكذا تتكامل حلقات الأزمة، لتصنع مناخًا غير صحي، تتآكل فيه القيم، وتضطرب فيه المعايير، وتسير فيه الأمور – للأسف – من سيء إلى أسوأ.


ومع ذلك، وعلى الرغم من قتامة الصورة، يبقى الأمل قائمًا، لا يخبو ولا ينطفئ. ففي قلب هذا الواقع المأزوم، تبرز نماذج مضيئة من الطلاب، تعيد إلى النفس بعض الطمأنينة، وتؤكد أن الخير لم ينقطع. طلاب يتميزون أولًا بسمو أخلاقهم، ثم بنباهتهم العلمية ووعيهم الحقيقي. وقد وجدت عددًا لا بأس به من هؤلاء في الفرقة الثالثة بقسم الآثار – تخصص الآثار المصرية.

ومن هؤلاء – على سبيل المثال لا الحصر –: أميرة غانم، وأسماء كرم، وروان وليد، ومنه النجار، وفاطمة قدري، واميرة رزق، وشهد، وهايدي، واشرقت وروضه ناجي، وغيرهن. هؤلاء يمثلن بذور الأمل الحقيقي، ونماذج تُبشِّر بإمكانية استعادة ما فقدناه، إن وجدت من يرعاها، ويصونها، ويمنحها ما تستحق من دعمٍ وتقدير.

إن الجامعة، مهما اشتدت عليها الأزمات، تظل قادرة على النهوض، ما دام فيها أمثال هؤلاء، وما دام فيها من لا يزال يؤمن بأن رسالة العلم أسمى من أن تُترك للعبث، وأبقى من أن تُهزم.

عبث القلق

 


يقول الدكتور مصطفى محمود رحمه الله:


“ليس هناك شيءٌ في الدنيا يستحقُّ أن نهتمَّ به!..

كلُّ شيءٍ ينتهي.

الماضي يفوت…

والحاضر يفوت…

وأسوأُ مستقبل، مثلُ أحسن مستقبل،

يفوت هو الآخر.

فيمَ القلقُ والأرقُ؟

لماذا نهتمُّ إلى لا شيء؟!

..

من رواية «المستحيل»”