كتب دكتور محمد الشافعي
هناك لحظات في حياة الإنسان يختبر فيها مشاعر حادة، تكاد تتجاوز حدود الوصف، حتى ليظن أنها تملأ الكون من حوله. ولعل أقسى تلك المشاعر أن يجد المرء نفسه في مواجهة زميلٍ لا يطيقه، لا لسبب عابر، بل لتراكمات صنعت داخله نفورًا عميقًا، واشمئزازًا يتجدد كلما مرّ الاسم على السمع أو الخاطر.
إن ما أشعر به تجاه المدعو شهدي العروجي ليس مجرد خلاف مهني عابر، ولا تنافس طبيعي بين أقران، بل هو شعور متجذر يتغذى على تفاصيل يومية صغيرة؛ على مروره أمامي، على ترديد اسمه في سياق الحديث، على ظهوره في أي تواصل بيني وبين الطلاب. حتى رؤية اسمه مكتوبًا في رسالة أو مذكرة كفيلة بأن توقظ في داخلي موجة من القرف والنفور يصعب احتواؤها.
هو زميل، نعم، لكن وجوده في هذا الموضع لم يكن – في نظري – ثمرة كفاءة علمية أو تفوق حقيقي. إنما هو وجود فرضته ظروف، وصنعته ملابسات، وعززه أسلوب وصولي يجيد التسلل إلى المراتب العليا بغير استحقاق واضح. لم يكن تفوقًا أكاديميًا يُحترم، ولا إنجازًا علميًا يُقدَّر، بل حضورًا أملته حسابات أخرى.
أراه نموذجًا للشخص النرجسي الذي لا يرى في الوجود إلا انعكاس صورته، ولا يلتفت إلا لما يخدم ذاته. لا يعترف بفضل لغيره، ولا يتعامل مع زملائه بروح الفريق، بل يتخذهم سلّمًا يصعد عليه متى شاء، ويقصيهم متى اقتضت مصلحته. بل إن الاتهامات التي تلاحقه، من سعيه للتقرب من الإدارة على حساب زملائه، زادت الصورة قتامة في عيني، ورسخت شعورًا بأن حضوره لا يقوم على النزاهة التي ينبغي أن تميز الوسط الأكاديمي.
وليس أقسى من أن يُفرض عليك التعامل مع من لا تستطيع تقبله قدر أنملة. أن تسمع صوته فتشعر بالنفور، وأن ترى حضوره فتغلبك رغبة في الانصراف. ذلك احتكاك يومي يستنزف الأعصاب، ويختبر القدرة على التحمل، خاصة حين يتعلق الأمر ببيئة علمية يفترض أن يسودها الاحترام والتقدير المتبادل.
إن الكراهية شعور ثقيل، وربما حين تبلغ هذا المدى تكون في ذاتها عبئًا على صاحبها قبل أن تكون حكمًا على غيره. لكنها – مهما كانت قسوتها – تبقى تعبيرًا عن إحساس بالظلم، أو بالإقصاء، أو بانتهاك معايير العدالة التي يؤمن بها المرء. وما بين الشعور بالاشمئزاز، والرفض، وعدم القدرة على التقبل، تتجلى أزمة أعمق: أزمة ثقة في منظومة سمحت – في تقديري – بأن يحتل غير الأكفأ موضع الأكفأ.
وهكذا يقف الإنسان أمام مشاعره العنيفة، لا لينكرها، بل ليفهمها. فربما كانت هذه الحدة في الكره مرآة لقيمة عالية يحملها في داخله: قيمة الكفاءة، والنزاهة، والاستحقاق. وحين يرى هذه القيم مهددة أو مغيبة، يثور في داخله ذلك البركان من الرفض.
تلك هي الصورة كما أراها: صراع داخلي بين مبادئ أؤمن بها، وواقع أعيشه. وبين زمالة مفروضة، ومشاعر لا أستطيع إنكارها، يظل السؤال الأكبر: كيف يحافظ الإنسان على اتزانه، في حضرة من يراه نقيضًا لكل ما يقدّر؟

