2026-02-20

سعادة لا تُقاس بالآخرين


 

كتب دكتور محمد الشافعي 

إذا أردت أن تعيش سعيدًا، فابدأ من نقطة جوهرية: لا تجعل حياتك مرآةً لغيرك. فالمقارنة المستمرة تُفسد صفاء القلب، وتُحوِّل نعمة الحاضر إلى شعور بالنقص، وتزرع في النفس قلقًا لا ينتهي. إن لكل إنسان طريقه الذي خُطَّ له، وتجربته التي صاغته، وملامحه التي لا تتكرر في غيره.

ليست حياتك نسخةً من حياة أحد، ولا ظروفك صورةً مطابقة لظروف سواك. أنت ابن بيئتك، ونتاج تجاربك، وصاحب فكرٍ تشكّل عبر محطات الفرح والألم، والنجاح والتعثر. شخصيتك لم تُصنع في فراغ، بل نحتتها الأيام بما فيها من دروس وعِبر. فكيف تقيس مسارك بمسار غيرك، وأنتما لم تنطلقا من الأرض نفسها، ولم تسلكا الطريق ذاته؟

المقارنة تُغفل الفروق الخفية؛ ترى الثمرة ولا ترى جذور الشجرة، ترى الواجهة ولا ترى ما وراءها من كفاحٍ وصبر. كثيرًا ما ننظر إلى ما في أيدي الناس، فنظنه نعيمًا خالصًا، بينما لكل إنسان ابتلاؤه الذي لا يظهر للعيون. ولو كُشفت الأستار، لعلمنا أن الأقدار تتفاوت كما تتفاوت الوجوه.

إن نصيبك ليس تأخرًا إذا تأخر، ولا قلةً إذا قلّ؛ بل هو ترتيب إلهيٌّ دقيق، يأتيك في وقته الذي كُتب له. وما فاتك لم يكن لك، وما هو لك سيأتيك ولو بعد حين. فاطمئن إلى أن قدرك لا يُشبه قدر غيرك، وأن الخير قد يُؤجَّل ليأتي في صورةٍ أجمل وأكمل.

السعادة الحقيقية لا تنبع من سباقٍ مع الآخرين، بل من مصالحةٍ صادقة مع الذات. أن تعرف قيمتك، وأن تعمل على تطوير نفسك دون أن تُثقل روحك بحسابات المقارنة. أن ترى في نجاح غيرك دافعًا لا تهديدًا، وفي اختلافه عنك تنوعًا لا نقصًا.

وحين تضيق بك اللحظة، أو يتسلل إلى قلبك شيءٌ من الضيق، فقل: الحمد لله. ليست كلمةً تُقال فحسب، بل منهج حياة. بها يستقر القلب، وتصفو النفس، ويهدأ الاضطراب. الحمد لله على ما كان، وعلى ما هو كائن، وعلى ما سيكون. ففي الشكر اتساع، وفي الرضا طمأنينة، وفي التسليم راحةٌ لا تُقدَّر بثمن.

عِش حياتك كما خُلقت لك، لا كما يتوقعها الناس. ازرع في أرضك، واسعَ في طريقك، وتيقّن أن ما عند الله لك لا يضيع. فإذا امتلأ قلبك بالرضا، استغنيت عن المقارنة، وعرفت أن السعادة ليست في أن تكون مثل غيرك، بل في أن تكون أنت.

السعادة

 



كتب دكتور محمد الشافعي 

ليست السعادة وصفةً معقّدة تُشترى، ولا سرًّا غامضًا يُكتشف في بطون الكتب، بل هي أقرب إلينا مما نظن؛ تسكن في عاداتٍ صغيرة إذا داومنا عليها صنعت في أرواحنا فرقًا كبيرًا. ومن بين تلك العادات أربعٌ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في باطنها: المشي، وشرب الماء، والنوم الجيد، والبعد عن التوتر.

المشي ليس مجرد حركة للأقدام، بل هو تصالح يومي مع الجسد والروح. حين نمشي، تنتظم أنفاسنا، وتصفو أفكارنا، ويهدأ اضطراب الداخل. في الخطوات المتتابعة نوعٌ من التأمل الصامت؛ كأن الإنسان يترك خلفه أثقال يومه مع كل خطوة، ويستعيد توازنه الطبيعي. المشي يوقظ الدورة الدموية، وينشّط القلب، ويعيد للجسد حيويته، لكنه في الوقت ذاته يمنح النفس فسحةً من الصفاء لا تُقدّر بثمن.

أما شرب الماء فهو أصل الحياة وسرّ بقائها. به تنتعش الخلايا، ويصفو الذهن، وتعتدل وظائف الجسد. كثيرًا ما نبحث عن منشّطاتٍ تُنعش عقولنا، ونغفل عن أبسط علاج: كوب ماءٍ صادق. إن ترطيب الجسد ليس ترفًا، بل ضرورة تحفظ النشاط، وتقلّل الإرهاق، وتُشعر الإنسان بخفةٍ ولين. الماء رسالة نقاءٍ متجددة، كلما استجبنا لها شعرنا بأن الحياة تجري في عروقنا بسلاسةٍ أكبر.

وإذا كان النهار حركةً وسعيًا، فإن النوم الجيد هو ميزان الاتزان. في ساعاته الهادئة يُرمَّم ما تكسّر، ويُجبر ما وهن، ويستعيد العقل صفاءه. ليس النوم هروبًا من الواقع، بل هو إعدادٌ صامت لمواجهته بقوة. من حُرم النوم اختلّ مزاجه، وتشتّت فكره، وضعفت مناعته. أما من أعطى جسده حقه من الراحة، فقد منح نفسه فرصة بدايةٍ جديدة كل صباح.

ويبقى البعد عن التوتر تاج هذه العادات الأربع. فالتوتر نارٌ خفيّة تلتهم الجسد قبل أن تُرهق الفكر. حين نختار الهدوء، ونتدرّب على التسليم بما لا نملك تغييره، ونُحسن إدارة ما نستطيع، فإننا نغلق أبوابًا كثيرة من القلق. لا يعني ذلك تجاهل المسؤوليات، بل التعامل معها بعقلٍ رصين ونفسٍ مطمئنة. السكينة ليست ضعفًا، بل قوةٌ داخلية تحفظ التوازن في خضمّ العواصف.

إن اجتماع هذه العادات الأربع يصنع أسلوب حياةٍ متكاملًا؛ حركةٌ تُنعش، وماءٌ يُحيي، وراحةٌ تُرمّم، وهدوءٌ يحمي. ليست السعادة ضجيجًا صاخبًا، بل انسجامٌ هادئ بين الجسد والنفس. ومن أحسن العناية بأساسياته، وجد أن الحياة – رغم ما فيها – أيسرُ وأجمل مما كان يظن.