2026-08-13

ما لا يعنيك


دكتور محمد الشافعي 

ما لا يعنينا

ثمة أشياء كثيرة في هذه الحياة لا ينقصها الكلام، بل ينقصها أن نتركها وشأنها.

فليس كل بابٍ نراه مفتوحًا دعوةً للدخول، ولا كل حكايةٍ تصل إلى مسامعنا تمنحنا حقًّا في أن نصبح جزءًا منها. بعض التفاصيل خُلقت لتبقى في أصحابها، وبعض الصمت أكرم من ألف سؤال.

لكننا، في أحيان كثيرة، نمنح أنفسنا حقوقًا لم يمنحها لنا أحد؛ نتسلل إلى حياة الآخرين، نفتش في اختياراتهم، نفسّر دوافعهم، ونضع أفعالهم على ميزان أحكامنا، ثم نمضي مطمئنين كأننا أدّينا واجبًا لا فضولًا.

لو أن كل إنسان ألزم لسانه حدوده، وأبقى أنفه حيث ينبغي أن يكون، وأدرك أن للناس خصوصيات لا تُستباح، لاختلفت أشياء كثيرة في هذه الدنيا.

والحقيقة أن الإنسان لا يرى من حياة غيره إلا صفحةً واحدة، وربما صفحةً مبتورة من منتصف الحكاية. لا يعرف ما سبقها، ولا ما أثقل صاحبها، ولا كم مرةً حاول أن يبدو بخير وهو ليس كذلك.

لذلك، ليس كل ما نعرفه يستحق أن نعلنه، ولا كل ما نراه يحق لنا أن نحكم عليه، ولا كل ما نسمعه أمانةٌ في أعناقنا لنحمله إلى الآخرين.

هناك حكمةٌ نادرة في أن يعرف المرء أين يتوقف؛ أن يردّ بصره إلى حياته، ولسانه إلى صمته، وفضوله إلى حدوده.

فقد يكون أعظم ما تفعله لإنسانٍ لا تعرف حكايته كاملة، أن تترك له حقه في أن يعيشها كما يشاء، وأن تنجو أنت من خطيئةٍ لم تكن مضطرًا إليها.

لسنا مطالبين بأن نحمل العالم على أكتافنا، ولا أن نُصلح كل ما لا يعجبنا، ولا أن نكون قضاةً على الناس.

ولسنا أوصياء على الناس، ولا نملك مفاتيح قلوبهم حتى نحاكم نياتهم، ولا نعرف تفاصيل حياتهم حتى نصدر أحكامنا عليهم. وما نراه من المشهد قد يكون جزءًا صغيرًا من حكاية طويلة لا نعرف أولها ولا آخرها.

يكفينا أن نُحسن السير في طريقنا، دون أن نؤذي أحدًا ونحن نمر.

فكم من ذنبٍ حملناه على ألسنتنا، ولم يكن لنا فيه شأن…

وكم من سلامٍ كان يمكن أن يبقى، لو أننا فقط تركنا ما لا يعنينا لأصحابه.

فما أجمل أن يعيش الإنسان نظيف القلب واللسان؛ لا يتعقب عثرات الناس، ولا يفتش في دفاترهم، ولا يحمل من أوزارهم ما ليس له.

لو فعلنا ذلك، لخفَّ عن الناس كثير من الأذى، ولعاشت القلوب أكثر سلامًا، ولأصبح العالم بالفعل… أهدأ وأجمل.