مهندس عاصم شاكر
ضجيج الموسيقى في الدراما: بين الوظيفة الفنية وإرهاق المتلقي
لم تعد متابعة الأعمال الدرامية اليوم تجربة هادئة كما كانت في الماضي؛ فقد بات المشاهد كثيرًا ما يضطر إلى رفع صوت الحوار تارة، وخفض صوت الموسيقى تارة أخرى، وكأن العمل الفني لا يثق في قدرة الصورة والكلمة على التعبير، فيلجأ إلى موسيقى صاخبة تسبق الحوار أو تعلو عليه. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا أصبحت الموسيقى في كثير من الأعمال الدرامية أعلى من الحوار؟ ولماذا يغلب عليها طابع صاخب يرهق الأعصاب بدل أن يهيئها للتلقي؟
في الأصل، لم تُخلق الموسيقى في الدراما لتنافس الحوار، بل لتخدمه. فالموسيقى التصويرية عنصر فني وظيفته تعميق الإحساس بالمشهد، وإيصال الحالة النفسية للشخصيات، وتهيئة المتلقي عاطفيًا لما يراه. غير أن هذه الوظيفة الدقيقة تحولت في كثير من الأعمال الحديثة إلى حضور طاغٍ يكاد يبتلع المشهد بدل أن يكمّله.
يرجع ذلك إلى عدة أسباب. أولها ضعف المعالجة الدرامية في بعض الأعمال؛ فعندما يكون المشهد فقيرًا في البناء أو الأداء، يُستعان بالموسيقى الصاخبة لتعويض هذا الضعف وإثارة انفعال المشاهد قسرًا. فبدل أن يصل الإحساس عبر التمثيل والحوار، تُفرض العاطفة على المتلقي عبر موجات صوتية مرتفعة تحاول أن تقول له: “اشعر بالحزن الآن” أو “استعد للتوتر”.
وثانيها تغيّر الذوق الإنتاجي في عصر السرعة. فالمخرجون والمونتيرون باتوا يخاطبون مشاهدًا يعتقدون أنه سريع الملل، فيلجأون إلى الإيقاع العالي والمؤثرات الصوتية الكثيفة لإبقائه مشدودًا. لكن هذا الأسلوب، وإن بدا فعالًا في لحظته، يؤدي في النهاية إلى إرهاق الأعصاب وإفساد متعة المشاهدة.
وثالثها الجانب التقني؛ فكثير من الأعمال تُخلط أصواتها في الاستوديوهات بطريقة غير متوازنة، حيث تُرفع طبقة الموسيقى والمؤثرات أكثر من اللازم، خصوصًا عند البث التلفزيوني أو عبر المنصات الرقمية، فيختل الميزان الطبيعي بين الحوار والموسيقى.
أما عن نمط الموسيقى نفسه، فقد تغير كثيرًا. فالموسيقى الدرامية القديمة كانت تعتمد على اللحن الواضح والهدوء النسبي، وتدخل المشهد برفق ثم تنسحب منه دون إزعاج. أما الآن فقد طغت المؤثرات الإلكترونية والضربات الإيقاعية الحادة التي تخلق توترًا دائمًا حتى في المشاهد التي لا تحتاج إلى هذا التوتر.
وهنا يحق للمشاهد أن يتساءل: هل هو تطور فني أم مبالغة صوتية؟ والحقيقة أن المسألة ليست مؤامرة على أعصاب الناس كما قد يتخيل البعض، لكنها أقرب إلى خلل في الفهم الفني لوظيفة الموسيقى داخل العمل الدرامي. فحين يغيب التوازن بين الصورة والكلمة واللحن، يتحول العنصر المساعد إلى عبء يثقل المشهد بدل أن يثريه.
إن الدراما الحقيقية لا تحتاج إلى الضجيج كي تُقنع. فالمشهد الجيد يفرض نفسه بهدوء، والحوار الصادق يصل إلى القلب دون صخب. أما الموسيقى، حين تُستخدم بحكمة، فإنها تصبح كالنَفَس الخفي الذي يمنح العمل روحه… دون أن يعلو صوته على أصوات البشر.