2026-03-11

حين ينكشف وهم الصداقة

 



دكتور محمد الشافعي 

ليست السنوات وحدها معيار صدق العلاقات، فالعمر الطويل الذي تقطعه الصداقة لا يكون دائمًا ضمانًا لبقائها. قد تمتد علاقة ما لعقود، وتُروى عنها الحكايات، ويستشهد بها الناس مثالًا للوفاء، حتى يظن صاحبها أنها أصبحت جزءًا ثابتًا من حياته لا يمكن أن يتبدل. غير أن الأيام، في لحظة غير متوقعة، قد تكشف أن ما بدا راسخًا لم يكن في حقيقته إلا وهمًا لطيفًا عاش طويلًا قبل أن ينقضي.

خمسة وثلاثون عامًا من الصداقة ليست زمنًا يسيرًا. هي عمر كامل من الذكريات والمواقف المشتركة، ومن الجلسات الطويلة والحوارات التي لا تنتهي. صداقة بدأت بين زميلين في الكلية، ونمت مع مرور السنوات حتى صارت مثالًا يضربه المحيطون بهما؛ فيستشهد بها البعض، ويتندر بها البعض الآخر إعجابًا بمتانتها ودوامها.

لكن الحياة كثيرًا ما تختبر العلاقات في لحظات التحول. حين تتغير المواقع، وتتبدل المناصب، وتتسع المسافات النفسية بين الناس. عندها يظهر المعدن الحقيقي للعلاقة، ويُختبر صدقها اختبارًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات.

حين أصبح الصديق وكيلًا للكلية ومرشحًا لمنصب العميد، بدأ شيء ما يتغير. لم يكن التغير صاخبًا أو معلنًا، بل كان هادئًا ومتدرجًا؛ مسافة صغيرة تتسع يومًا بعد يوم، وغيابًا لا يُفسَّر، وبرودًا لم يكن مألوفًا من قبل. ومع الوقت، أخذت تلك المسافة تكبر حتى صار البعد هو الحالة الطبيعية بعد أن كانت القربى هي الأصل.

ثم جاءت لحظة كاشفة لا تُخطئها النفس. حين أصيب أحد الطرفين بكسر في القدم، وهو ظرف إنساني بسيط يكشف كثيرًا من الحقائق، لم يكن من الصديق إلا اتصال قصير لم يتجاوز أربعين ثانية، اتصال بارد خالٍ من حرارة السؤال، ولم يعقبه ما كان تقتضيه عشرة السنوات من زيارة أو وقفة صادقة. في تلك اللحظة أدرك القلب ما حاول العقل طويلًا أن يؤجله.

فالإنسان قد يتحمل البرود العابر، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل غياب الإحساس حين يكون في أشد لحظاته احتياجًا إليه.

ومرت الشهور، سبعة أشهر كاملة، ثم جاء لقاء عابر في أروقة الكلية، لقاء لم يغيّر شيئًا من حالة التباعد. لم تُستعد فيه حرارة قديمة، ولم تُفتح فيه أبواب الحديث كما كانت تُفتح في الماضي. عندها بدا الأمر واضحًا لا لبس فيه: لقد انتهت تلك الصداقة، لا بضجيج الخصام، بل بصمت الانطفاء.

والانطفاء أحيانًا أبلغ من أي خلاف.

ليس في هذا الإدراك مرارة بقدر ما فيه وضوح. فبعض العلاقات تنتهي لأن الظروف التي صنعتها انتهت، وبعضها يسقط لأن المناصب تكشف طبائع لم تكن ظاهرة من قبل. وقد يكون أقسى ما في الأمر أن الإنسان لا يكتشف زيف العلاقة في بدايتها، بل بعد عمر طويل من الثقة.

ومع ذلك، فإن الكرامة الإنسانية تظل هي الميزان الأعدل. فحين يصل المرء إلى يقين بأن العلاقة قد انتهت، وأن الطرف الآخر اختار الابتعاد، فإن الحكمة تقتضي أن يقابل ذلك بالهدوء نفسه. لا عتاب يطيل الألم، ولا محاولة لإحياء ما مات بالفعل.

لذلك قد يكون القرار الأكثر اتزانًا هو ترك المسافة كما هي، دون سؤال أو تواصل، ليس انتقامًا ولا قسوة، بل احترامًا لما تبقى من كرامة العلاقة القديمة.

فالذكريات الجميلة لا تحتاج إلى إلحاح كي تبقى، لكنها أيضًا لا تستطيع أن تعيد الحياة إلى علاقة قرر أحد طرفيها أن يتركها تمضي.


وهكذا يمضي الإنسان في حياته متعلمًا درسًا هادئًا:

أن الصداقة الحقيقية لا تختبرها السنوات، بل تختبرها المواقف.

وأن بعض العلاقات التي ظنناها عمرًا كاملًا، لم تكن في النهاية إلا فصلًا طويلًا انتهى عندما تغيّرت الصفحة.

دراسة الأثار

 



كتب الأستاذ الدكتور أحمد عيسي

 استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

............

هل دراسة الآثار من "العلم النافع" ؟ (٢):

بدأنا الحديث عن هذا التساؤل في منشور سابق، ونستكمل الحديث عن هذا الموضوع في هذا المنشور الثاني، الذي قد تستتبعه منشورات أخرى، إذا أذن ويسر وفتح ربي سبحانه وتعالى:

القضية التي أود تناولها في هذا المنشور هو الاستغراب والتعجب الشديد من الإحجام "المريع" والمنهجي من المؤرخين وعلماء الآثار العرب والمسلمين- منذ القدم وحتى يومنا هذا- عن "إعتماد" القرآن الكريم والسنة المشرفة باعتبارهما "مصادر وثيقة وصحيحة" لبعض أحداث التاريخ القديم المروي عنها فيهما، فيما عدا جهود متواضعة ولا زالت ضعيفة حاول العبد لله الإسهام بها.

فلقد اتجهت "مدرسة" من المؤرخين الغربيين منذ القرن التاسع عشر وخلال النصف الأول من القرن العشرين إلى انتهاج إعتبار "التوراة/ العهد القديم (The Bible/The Old Testament) " كمصدر معتمد للأحداث "المعاصرة" لرواياتها زمنيا، أو السابقة عليها تاريخيا، ومن أشهر أصحاب هذه المدرسة أستاذ حضارات الشرق الأدنى القديم بريتشارد Pritchard ، ومن أهم أعماله في هذا الإتجاه : "The Ancient Near Eastern Texts Relating to the Old Testament".

وبكل اليقين يعد القرآن هو "أصدق الكتب" قاطبة، تنزيل من حكيم عليم، وكون ربنا سبحانه "الحكيم العليم" قد أنزله وفرضه ب "لغة واحدة" (إنا أنزلناه قرآنا عربيا)، وكان الإعجاز في تسلسل وصوله لعباد الله كما نزله الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، عبر تواتره الحفظي ثم المكتوب يؤكد "ثبات لفظه حرفا حرفا"، وبالتالي حفظ مضمونه، كما لفظه، بالكامل بدون أية تغييرات أو تبديلات، سواء في "المبنى" أو "المعنى"؛ بينما قد يكون "تعدد اللغات" المدونة بها "الكتب المقدسة" الأخرى، والتي تشمل "نسخا" بكل ألسنة ولغات شعوب الدنيا بأسرها سببا أحيانا في إحداث تغييرات طفيفة في المبنى كما المعنى على حد سواء.

كما أن حديث ربنا سبحانه وتعالى بما تضمنه من "حقائق" علمية و "نواميس" كونية ثبتت صحتها التجريبية بنسبة ١٠٠%، وما احتواه من "قصص ومعجزات" الانبياء، و"عبر" حياة و "تاريخ" السابقين، وما تضمنه من نبوءات صادقة سبقت زمان حدوثها ( نتذكر مثلا آية: "غلبت الروم, وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين"), لهو بحق ويجدر بنا وضعه على "راس" كل "المصادر الثابتة والوثيقة" لكل ما مضى على الدنيا والبشر وجميع الخلق من مجريات "تاريخية" و "حياتية" سابقة على نزوله، أو لاحقة عليه إلى قيام الساعة.

السنة النبوية كذلك، بما يضمه صحيحا البخاري ومسلم من حوالي ٢٠ ألف حديث (٨٠٠٠ في البخاري + ١٢٠٠٠ في مسلم)، حوالي النصف منها مكرر، يجب إعتمادها كذلك كمصدر تاريخي وثيق وأصيل، بالرغم مما يثأر أحيانا حول "صحة" بعض ما ورد فيهما من أحاديث، وعامة فإن عدد هذه الأحاديث، حتى لو لم تثبت صحتها، لا يتجاوز واحد على الألف من الأحاديث الصحيحة ١٠٠%.

ولفظ "السنة النبوية" هو "مصطلح إسلامي" يدل على محتوى "مصطلح" السيرة Biography، والذي يدل على سيرة حياة (أقوال وأفعال) أحد "العظماء"، التي يرويها عنه آخرون، ومحمد صلى الله عليه وسلم، كان أعظم عظماء البشر، ولعلنا نتذكر الكتاب الشهير لأحد كبار الباحثين الغربيين، تحت عنوان: "العظماء مائة أعظمهم محمد"، ويتراوح مع مصطلح "السيرة" Biography ويتشارك معه في بعض "المعنى"، مصلح آخر، حيث يتم الخلط بينهما كثيرا، هو "السيرة الذاتية" Autobiography، والخاص كذلك بسيرة حياة أحد "المشهورين"، ولكنه يرويها "بنفسه عن نفسه"، مثل "كفاحي" ل "ادولف هتلر" أو "الايام" ل "طه حسين" مثلا، ويقاس عليها الكثير من النصوص، التي رواها بعض كبار رجال الدولة في مصر القديمة، حيث وصفوا أنفسهم بعبارات شبه ثابتة ومتواترة، مثل: "لقد كنت أبا لليتيم، وزوجا الأرملة، لقد اعطيت الجائع وكسوت العاري وهكذا، والله وحده أعلم بمدى "المصداقية" في كل السير الذاتية قديما وحديثا، فأقل ما يقال فيها "أنها لا تكذب ولكن تتجمل"، فهي "إنتاج أدبي ذاتي وغير موضوعي" فيه غالبا من الزهو والمبالغة وإخفاء بعض الحقائق القدر الكبير، وذلك على عكس "السيرة"، التي يرويها آخرون معاصرون عن شخص عظيم تأثروا به وعايشوه، والتي تكون عادة "شهادة حق وصدق".

ونستكمل مع قصتي مع هذا الإتجاه البحثي، وما تعرضت له من ردود فعل صادمة بسببه، عندما شرعت في مجرد السير فيه، من بعد حصولي على الدكتوراه عام ١٩٨٨ مباشرة، كما تعرض بعض المنشورات التالية في هذا الموضوع لبعض الأمثلة على "الصدق الكامل" الذي لا يعتريه الشك، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لكل من "القرآن الكريم" و "السنة المشرفة"، باعتبارهما "أوثق" مصادر التاريخ القديم، والله المستعان.