2026-09-23

ما الحب

 

دكتور محمد الشافعي 

كثيرًا ما أتوقف عند كلمة «الحب». أسمعها تتردد من حولي حتى تكاد تصبح من الكلمات التي نستخدمها بلا تفكير؛ في حديث الأصدقاء، وحكايات الزملاء، وفي الأغاني والدراما، حيث يبدو الحب دائمًا شيئًا واضحًا، له ملامح لا تخطئها العين، ونهاية لا يختلف عليها اثنان.

لكنني كلما ابتعدت عن تلك الصورة الجاهزة، وجدتني أمام سؤال بسيط ومربك في آن واحد: ما الحب؟

لا أقصد المودة التي تجعل الإنسان رحيمًا بمن حوله، ولا ذلك الرابط الفطري بين الآباء والأبناء، ولا الصداقة التي تنشأ بين الأرواح المتآلفة. تلك مشاعر لا تحتاج إلى كثير من التعريف؛ فالحياة نفسها لا تستقيم من دونها.

إنما أتحدث عن الحب الذي طالما وصفوه بأنه قادر على تغيير الإنسان، وأن يجعل حضور شخص واحد مختلفًا عن حضور العالم كله.

وهنا لا أجد في نفسي يقينًا.

ربما لأننا لم نتعلم الحب من الحياة وحدها، وإنما تعلمناه أيضًا من الأغاني والروايات والشاشات. كبرنا ونحن نسمع عن ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يعيش من دون محبوبه، وعن الفراق الذي يشبه الموت، وعن القلب الذي لا يعرف طريقًا بعد أن يغيب عنه من أحب.

فهل كان ما رأيناه حبًا، أم كانت تلك مجرد اللغة التي اخترعها الفن ليمنح المشاعر العادية ثوبًا أكثر لمعانًا؟

لا أعرف.

بل إن السؤال يصبح أكثر قسوة حين أضع نفسي أمامه: هل أحببت أنا فعلًا؟

قد أكون أحببت، وقد أكون في بعض مراحل حياتي صدقت أنني أحببت. والفرق بين الأمرين ربما لا يظهر ونحن داخل الشعور؛ فحين يكون الإنسان مأخوذًا بشيء، لا يملك المسافة التي تمكنه من رؤيته على حقيقته.

أذكر أنني في وقت من الأوقات كنت أظن أن غياب شخص ما يمكن أن يترك في الحياة فراغًا لا يملؤه شيء. كان الأمر يبدو لي آنذاك أكبر من مجرد علاقة عابرة؛ كنت أراه جزءًا من حياتي، وربما جزءًا من قدرتي على الاستمرار.

ثم مر الوقت.

ولم يحدث شيء استثنائي.

لم تتوقف الحياة، ولم تنطفئ الأيام، ولم يبق ذلك الغياب جرحًا مفتوحًا كما تخيلت. أخذ الزمن طريقه بهدوء، وأخذت أنا طريقي معه، حتى أصبح ما كنت أراه يومًا قضية العمر مجرد ذكرى لا أعود إليها كثيرًا.

والأغرب من ذلك أنني لا أتذكر الآن كثيرًا مما كنت أظنه في ذلك الوقت مهمًا إلى هذه الدرجة.

وهنا أتساءل: هل كان شعوري وقتها كاذبًا؟

لا أظن.

ربما كان صادقًا تمامًا، لكنه كان ابن لحظته. وهذه فكرة لا نحب أن نعترف بها؛ لأننا نميل إلى الاعتقاد بأن صدق الشعور يساوي دوامه، مع أن الحياة تثبت لنا العكس. قد يكون الإنسان صادقًا في لحظة، ثم يتغير بعد عام، لا لأنه كذب في الأولى، وإنما لأنه لم يعد الإنسان نفسه.

ربما الحب ليس وعدًا بالخلود كما صورته لنا الأغاني. وربما لا يقاس صدقه بقدر الألم الذي يتركه حين ينتهي، ولا بعدد السنوات التي يبقى فيها. بعض المشاعر تأتي إلى حياتنا لتعيش معنا فترة، ثم تنصرف كما جاءت، تاركة وراءها أثرًا لا نعرف أحيانًا هل كان جميلًا أم مؤلمًا.

وقد يكون الحب، في حقيقته، أكثر تواضعًا مما نتصور.

ربما هو أن تألف إنسانًا حتى يصبح وجوده مألوفًا إلى درجة أنك لا تشعر بقيمته إلا حين يغيب. وربما هو احترام عميق تختلط به مودة، أو مودة تنضج حتى تصبح مسؤولية، أو قرب لا يحتاج إلى كثير من الكلام.

وربما يكون شيئًا آخر تمامًا.

لهذا لا أستطيع أن أقول إنني عرفت الحب. ولا أستطيع، في الوقت نفسه، أن أنكر أنني شعرت أحيانًا بشيء ظننته حبًا.

وربما لا ينبغي للإنسان أن يستعجل الحكم على مشاعره القديمة. فما نراه اليوم بعين هادئة، كنا نراه بالأمس من داخل العاصفة. ومن الظلم أن نحاكم إنسان الأمس بعقل إنسان اليوم.

كل ما أعرفه أنني ما زلت كلما سمعت كلمة «الحب» أشعر أنني أعرفها، ثم أكتشف أنني لا أعرفها.

وقد يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي أعرفه عنها يقينًا.

فالحب الذي يتحدث عنه الناس كثيرًا، وتغنيه الأغاني، وتبني حوله الدراما حكايات لا تنتهي، ما زال بالنسبة إليّ سؤالًا مفتوحًا.

وربما كان أجمل ما في الحب، إن كان هناك أجمل ما فيه، أنه يترك لنا دائمًا شيئًا لا نستطيع تفسيره.

أما أنا، فلا أدري حتى الآن:

هل أحببت حقًا...

أم أنني فقط كنت أصدق، في لحظة ما، أنني أحب؟