2026-05-29

عاشق الحضارة

 


دكتور محمد العوادي 

بين أزقة القاهرة القديمة، وتحت ظلال المآذن العتيقة، وعلى مقربة من حجارة المعابد التي حملت أسرار آلاف السنين، يعيش الدكتور محمد الشافعي حياة لا تشبه الحياة العادية؛ فهو لا يسكن مدينة فحسب، بل يسكن تاريخًا ممتدًا من عمق الحضارة المصرية القديمة إلى عبق التراث الإسلامي في القاهرة الفاطمية والمملوكية.

إنه رجل تشكل وجدانه بين النقوش الهيروغليفية، وتفتحت روحه على جمال الفن المصري القديم، حتى صار علم المصريات بالنسبة إليه ليس مجرد تخصص أكاديمي، بل عالمًا كاملًا يحتل القلب والعقل معًا.

حين يتأمل المرء صورته وهو يقف أمام الأهرامات وأبي الهول، يدرك أن العلاقة بينه وبين الآثار المصرية القديمة ليست علاقة باحث بموضوعه، بل علاقة ابن بأجداده. فهو يعرف تفاصيل الحجر، ويفهم لغة الرموز، ويقرأ في ملامح التماثيل ما لا يراه غير المتخصصين.

لقد أصبحت الحضارة المصرية القديمة جزءًا من تكوينه النفسي والفكري، حتى تكاد روحه تتحرك بين المعابد والمقابر والنقوش كما يتحرك الإنسان في بيته الذي يعرف زواياه كلها.

ومع هذا التعلق العميق بالماضي الفرعوني، لم يغلق قلبه على حقبة واحدة من التاريخ؛ بل ظل عاشقًا لكل ما يحمل روح التراث والجمال. ولذلك يجد في القاهرة الإسلامية سحرًا خاصًا لا يقاوم.

فهو يتجول بين خان الخليلي، وشارع المعز، والأزهر، والمساجد التاريخية، وكأنه يعبر بين صفحات كتاب حيّ يروي حكايات القرون الماضية.

هناك، بين المشربيات القديمة، والمصابيح النحاسية، ورائحة القهوة الشرقية، وصوت المآذن المتعاقب، يشعر بأن القاهرة ليست مدينة، بل ذاكرة حضارية متصلة لا تنقطع.

ولعل أجمل ما يميز هذه الروح هو قدرتها على الجمع بين الحضارات دون تناقض؛ فحب الدكتور محمد الشافعي للآثار المصرية القديمة لم يمنعه من تذوق جمال العمارة الإسلامية، كما أن شغفه بالفن المصري القديم جعله أكثر قدرة على فهم امتداد الهوية المصرية عبر العصور المختلفة.

إنه يرى مصر كنسيج حضاري واحد، تغيرت فيه العقائد والملامح السياسية، لكن ظلت الروح المصرية حاضرة فيه بقوة وعظمة.

وفي ملامحه الهادئة، وجلسته المتأملة، وحضوره بين الكتب والخرائط والرسوم، يبدو كأنه يعيش في حوار دائم مع التاريخ.

فالقاهرة بالنسبة إليه ليست مجرد مكان للإقامة، بل مدينة يتنفسها، ويحملها في ذاكرته، ويقرأ في وجوه شوارعها آثار من مرّوا بها عبر مئات السنين.

ولهذا تبدو حياته وكأنها رحلة مستمرة بين المعابد والمساجد، بين أبي الهول والمآذن، بين برديات الفراعنة وأسواق القاهرة القديمة؛ رحلة صنعها العلم، وزينها الشغف، وأضاءها عشق حقيقي للحضارة والتراث.