دكتور محمد الشافعي
ليست كل نهاية مأساة، ولا كل غياب خسارة تستوجب الأسى. ففي حياة الإنسان لحظات يظن فيها أن رحيل بعض الأشخاص قد انتزع منه شيئًا عزيزًا، ثم يكتشف مع مرور الأيام أن ما فقده لم يكن إلا عبئًا كان يؤخر راحته، وأن ما ظنه انكسارًا لم يكن إلا بداية لشفاء طويل. فبعض الأبواب لا تُغلق إلا لتُفتح أمام القلب نوافذ أكثر صفاءً، وبعض الراحلين لا يتركون خلفهم فراغًا، بل يتركون مساحة تتنفس فيها الروح بحرية.
إن أخطر العلاقات ليست تلك التي يعلن أصحابها العداء، فصاحب العداء واضح الملامح، وإنما تلك التي يرتدي أصحابها أقنعة الود، بينما تضمر قلوبهم الحسد والضغينة وسوء النية. هؤلاء يبتسمون في حضورك، ويهدمون صورتك في غيابك، ويمنحونك كلمات المودة بألسنتهم، بينما تخفي صدورهم ما يناقضها. ولذلك كان ابتعادهم، مهما بدا مؤلمًا في البداية، نعمة تستحق الحمد أكثر من الرثاء.
إن سلام الإنسان النفسي لا يُشترى بالمال، ولا يُقاس بكثرة من يحيطون به، وإنما يُبنى على صدق العلاقات ونقاء القلوب. فليست الكثرة دليلًا على الثراء الاجتماعي، بل قد تكون بابًا للاضطراب إذا خلت من الإخلاص. أما القلة الصادقة، فهي الثروة التي تمنح العمر قيمته، وتمنح الأيام سكينتها، وتزرع في النفس شعورًا بالأمان لا تصنعه المجاملات ولا الكلمات المنمقة.
وحين يغادر المنافقون حياتك، فلا تتعامل مع رحيلهم بوصفه خسارة، بل انظر إليه على أنه عملية تطهير للروح. فقد خرج من حياتك من كان يستنزف طاقتك، ويشوش صفاءك، ويثقل قلبك بحضوره الزائف. وما أجمل أن يسترد الإنسان نفسه بعد أن كان يستهلكها في إرضاء من لا يستحق، أو في محاولة كسب ود من لم يعرف للوفاء معنى.
إن النصر الحقيقي ليس دائمًا ذلك الذي يُصفق له الناس، بل قد يكون نصرًا صامتًا لا يراه إلا صاحبه. إنه ذلك اليوم الذي تستيقظ فيه وقد تحررت من علاقة مؤذية، أو من صحبة منافقة، أو من وجود كان يسرق منك راحة بالك دون أن تشعر. عندها تدرك أن بعض الخسائر كانت أرباحًا مؤجلة، وأن بعض الوداع كان أعظم هدية منحتها لك الحياة.
ولهذا، لا تجعل قلبك ساحة مفتوحة لكل عابر، ولا تمنح ثقتك لمن لم يثبت صدقه بالفعل قبل القول. فالحياة أقصر من أن تُهدر في ملاحقة العلاقات المزيفة، وأثمن من أن تُثقل بأصحاب الأقنعة. اختر من يضيف إلى روحك نورًا، لا من يطفئ فيها الأمل، وتمسك بمن يصدقك الود، لا بمن يجيد تمثيله.
وفي النهاية، تبدأ الحياة الحقيقية حين يسقط ثقل النفاق عن الكتفين، وحين يستعيد القلب فطرته النقية، ويوقن أن ما بقي من العلاقات الصادقة خير مما رحل من العلاقات الزائفة. فليس كل غياب خسارة، بل إن بعض الرحيل هو النصر الصامت، والمكسب الأثمن، والبداية التي يستحقها كل قلب يبحث عن الطمأنينة.

