2026-05-29

الفراغ

 

مهندس عاصم شاكر 

في زمنٍ صار فيه الإنسان يفتش عن أي وسيلة يقتل بها الملل، خرج علينا بعض الناس بمواهب جديدة لم تخطر على بال أحد!

فهذا يعدُّ حبات الأرز في الكيس، وذاك يراقب عدد عيدان المكرونة، وآخر ربما يجلس يومًا كاملًا ليتأكد إن كانت حبات الفول في العلبة متساوية أم أن هناك مؤامرة غذائية تُحاك في الخفاء!

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الأمر لا يقف عند حدود المزاح العابر، بل يتحول إلى تحقيق اقتصادي بالغ الخطورة، وكأن صاحبه خبير في هيئة الرقابة التموينية الدولية!

يفتح الكيس بعين المحقق، ويبدأ العدَّ بمنتهى الجدية، ثم يخرج علينا بنتيجة صادمة:

“الكيس الأول فيه 2990 حبة أرز، أما الثاني ففيه 2850 فقط!”

ثم يتنهد بحرقة وكأن الأمة تعرضت لكارثة قومية، ويقول:

“الناس ما بقاش عندها ضمير!”

وما بين الأرز والمكرونة، يدخل الإنسان في معركة فلسفية عميقة مع تفاصيل الحياة الصغيرة، ناسياً أن المصانع لا تعبئ الحبوب بالعدِّ الفردي، وإنما بالوزن والكيل، وأن اختلاف عدد الحبات أمر طبيعي لأن الأحجام نفسها تختلف من كيس إلى آخر.

فقد تجد ألفي حبة صغيرة تعادل وزن ألف وثمانمائة حبة أكبر حجمًا، لكن العقل حين يستسلم للفراغ يبدأ في اختراع معارك جانبية لا نهاية لها.

والحق أن هذه المواقف الطريفة تكشف جانبًا إنسانيًا لطيفًا؛ فحين يطول الجلوس في البيت يبحث الإنسان عن أي شيء يشغله، ولو كان عدَّ حبات الأرز أو مراقبة المكرونة واحدةً واحدة.

وهكذا تتحول أبسط الأشياء إلى مادة للضحك والسخرية وإطلاق التعليقات الساخرة التي تخفف عن الناس ثقل الأيام ورتابة الحياة.

ولعل أجمل ما في الأمر أن روح الدعابة ما زالت حاضرة رغم ضغوط الحياة، فما دام الإنسان قادرًا على الضحك من هذه التفاصيل الصغيرة، فذلك يعني أن بداخله مساحة نقية لم تمت بعد، وأنه ما زال قادرًا على تحويل الملل إلى ابتسامة، والروتين إلى حكاية طريفة تُروى بين الأصدقاء.

أما المكرونة… فالأفضل ألا تبدأ في عدِّها بالفعل، لأنك قد تكتشف بعدها أن الشعيرية أيضًا تحتاج إلى لجنة تقصي حقائق!