دكتور محمد الشافعي
تمر السنوات مسرعة، وتتعاقب على الإنسان محطات العمر كما تتعاقب الفصول على الأرض؛ لكل مرحلة لونها الخاص، ونكهتها التي لا تتكرر، وأشخاصها الذين يتركون في النفس أثرًا قد يبهت مع الزمن لكنه لا يزول أبدًا.
ومع تقدّم العمر وكثرة التجارب، يجد المرء نفسه أحيانًا واقفًا على شاطئ الذكريات، يتأمل ما مضى من أيامه، ويستعيد مشاهد بعيدة تبدو وكأنها حدثت بالأمس القريب. وفي مثل هذه اللحظات يغمرني حنين عظيم إلى مراحل بعينها من حياتي؛ إلى سنوات الصبا الجميلة منذ الصف الرابع الابتدائي وحتى نهاية المرحلة الإعدادية، تلك السنوات التي كانت تتشكل فيها الملامح الأولى للشخصية، وتتفتح فيها نوافذ المعرفة والأحلام.
ثم تأتي المرحلة الثانوية، تلك المرحلة ذات الطابع الخاص جدًا، بما حملته من طموحات وتطلعات وأسئلة كبرى عن المستقبل. كانت سنوات مليئة بالحيوية، تمتزج فيها براءة الشباب بجدية الاستعداد للحياة القادمة، فتترك في الوجدان أثرًا لا يمحوه الزمن.
أما المرحلة الجامعية، فقد كانت الأصعب والأكثر ثراءً في الوقت نفسه. شهدت خلالها تحولات وانتقالات متعددة بين اهتمامات وتخصصات مختلفة، حتى استقر بي المطاف في تخصص علم المصريات؛ ذلك التخصص الذي لم يكن اختيارًا عابرًا، بل كان عشقًا قديمًا بدأ هواية وشغفًا في سنوات البناء الأولى، ثم تحول إلى طريق حياة ورسالة علمية استقر عليها القلب والعقل معًا.
وحين أسترجع تلك الرحلة الطويلة، أتذكر عشرات المواقف والوجوه والقصص التي عشتها خلال مراحل متعددة وهوايات متنوعة؛ من الكشافة بما حملته من قيم الانضباط والاعتماد على النفس، إلى المسرح الذي فتح آفاق الخيال والتعبير، إلى كرة السلة التي علمت روح الفريق والمنافسة الشريفة، وإلى تجارب أخرى كثيرة أسهمت جميعها في تشكيل ملامح الشخصية وصناعة الخبرة الإنسانية.
وخلال تلك الرحلة التقيت بأصناف شتى من البشر. بعضهم عبر حياتي مرورًا عابرًا، وبعضهم ترك أثرًا عميقًا، وبعضهم غاب عن الدنيا ورحل إلى رحمة الله، وآخرون مضوا في طرق مختلفة فرقت بينها ظروف الحياة ومساراتها المتباينة. ومع ذلك تبقى الذكريات حية، نابضة في القلب والعقل، لا يغيب حضورها مهما تباعدت المسافات أو امتدت السنوات.
ولعل أجمل ما في الذكريات أنها لا تستعيد الأحداث وحدها، بل تستعيد المشاعر أيضًا؛ فرحة نجاح، أو رهبة امتحان، أو ضحكة صديق، أو موقفًا صغيرًا ظنناه عابرًا فإذا به يتحول إلى جزء من تاريخنا الشخصي الذي لا يُنسى.
ورغم ما حملته المرحلة الجامعية من صعوبات وتحديات، فإن لها مذاقًا خاصًا لا يشبه سواه. فقد كانت سنوات بناء حقيقية، تُوِّجت بشرف عظيم سيظل مصدر اعتزاز وفخر ما حييت، حين منّ الله عليّ بأن أكون الأول على أول دفعة من قسم الآثار. وكان ذلك الإنجاز ثمرة سنوات من الاجتهاد والمثابرة والإيمان بالهدف، فغدا محطة مضيئة في سجل العمر.
إن الذكريات ليست هروبًا إلى الماضي، وإنما هي وفاء للأيام التي صنعتنا، وللأشخاص الذين مروا في حياتنا، وللمراحل التي شكّلت وجداننا ووعينا. وحين يشتد الحنين إليها، ندرك أن العمر مهما امتد، فإن أجمل ما يبقى منه ليس عدد السنوات، بل ما تحمله تلك السنوات من معانٍ وتجارب ووجوه لا تزال تسكن القلب حتى اليوم.

