كتب دكتور محمد الشافعي
إذا أردت أن تعيش سعيدًا، فابدأ من نقطة جوهرية: لا تجعل حياتك مرآةً لغيرك. فالمقارنة المستمرة تُفسد صفاء القلب، وتُحوِّل نعمة الحاضر إلى شعور بالنقص، وتزرع في النفس قلقًا لا ينتهي. إن لكل إنسان طريقه الذي خُطَّ له، وتجربته التي صاغته، وملامحه التي لا تتكرر في غيره.
ليست حياتك نسخةً من حياة أحد، ولا ظروفك صورةً مطابقة لظروف سواك. أنت ابن بيئتك، ونتاج تجاربك، وصاحب فكرٍ تشكّل عبر محطات الفرح والألم، والنجاح والتعثر. شخصيتك لم تُصنع في فراغ، بل نحتتها الأيام بما فيها من دروس وعِبر. فكيف تقيس مسارك بمسار غيرك، وأنتما لم تنطلقا من الأرض نفسها، ولم تسلكا الطريق ذاته؟
المقارنة تُغفل الفروق الخفية؛ ترى الثمرة ولا ترى جذور الشجرة، ترى الواجهة ولا ترى ما وراءها من كفاحٍ وصبر. كثيرًا ما ننظر إلى ما في أيدي الناس، فنظنه نعيمًا خالصًا، بينما لكل إنسان ابتلاؤه الذي لا يظهر للعيون. ولو كُشفت الأستار، لعلمنا أن الأقدار تتفاوت كما تتفاوت الوجوه.
إن نصيبك ليس تأخرًا إذا تأخر، ولا قلةً إذا قلّ؛ بل هو ترتيب إلهيٌّ دقيق، يأتيك في وقته الذي كُتب له. وما فاتك لم يكن لك، وما هو لك سيأتيك ولو بعد حين. فاطمئن إلى أن قدرك لا يُشبه قدر غيرك، وأن الخير قد يُؤجَّل ليأتي في صورةٍ أجمل وأكمل.
السعادة الحقيقية لا تنبع من سباقٍ مع الآخرين، بل من مصالحةٍ صادقة مع الذات. أن تعرف قيمتك، وأن تعمل على تطوير نفسك دون أن تُثقل روحك بحسابات المقارنة. أن ترى في نجاح غيرك دافعًا لا تهديدًا، وفي اختلافه عنك تنوعًا لا نقصًا.
وحين تضيق بك اللحظة، أو يتسلل إلى قلبك شيءٌ من الضيق، فقل: الحمد لله. ليست كلمةً تُقال فحسب، بل منهج حياة. بها يستقر القلب، وتصفو النفس، ويهدأ الاضطراب. الحمد لله على ما كان، وعلى ما هو كائن، وعلى ما سيكون. ففي الشكر اتساع، وفي الرضا طمأنينة، وفي التسليم راحةٌ لا تُقدَّر بثمن.
عِش حياتك كما خُلقت لك، لا كما يتوقعها الناس. ازرع في أرضك، واسعَ في طريقك، وتيقّن أن ما عند الله لك لا يضيع. فإذا امتلأ قلبك بالرضا، استغنيت عن المقارنة، وعرفت أن السعادة ليست في أن تكون مثل غيرك، بل في أن تكون أنت.


