دكتور محمد الشافعي
حين نحاكم الناس في غيابهم
يبدأ سوء الظن غالبًا بملاحظة صغيرة: رسالة تأخر الرد عليها، أو جملة قيلت بنبرة لم نعتدها، أو غياب عن مناسبة كنا ننتظر حضوره. ثم يتولى العقل، بدافع من حرصه على حمايتنا، إكمال الصورة. يملأ الفراغ بأسوأ الاحتمالات، ويسمّي ذلك فطنة.
وهنا مكمن الخلل. فنحن لا نرى من الناس إلا أفعالهم، أما دوافعهم فمستورة عنا، ولا سبيل إليها إلا بالتخمين. وحين نخمّن، لا نختار الاحتمال الأرجح، بل الاحتمال الأقرب إلى مخاوفنا. فمن جُرح مرة في علاقة، قرأ كل صمت على أنه جفاء. ومن خذله شريك في عمل، رأى في كل اقتراح مصلحة خفية. وهكذا يصبح الظن السيئ سيرةً ذاتيةً لصاحبه أكثر منه وصفًا لمن يظنّ بهم.
ولهذا الظن قدرة عجيبة على تأكيد نفسه. فمن اقتنع بأن صديقه يتجاهله، راقبه بعين متربصة، فلم يجد في سلوكه إلا ما يؤيد اقتناعه، وتجاهل ما يناقضه. وإذا عامله بجفاء ردًّا على جفاء متوهَّم، ردّ الآخر بجفاء حقيقي، فيقول صاحبنا: ألم أقل لكم؟ وقد صنع بيده الدليل الذي كان يبحث عنه.
وأثقل ما في سوء الظن أنه يُضعف الثقة، والثقة رأس مال كل علاقة. فالبيت الذي يحاسب أهله فيه بعضهم بعضًا على النوايا يتحول إلى قاعة تحقيق، والفريق الذي يفسر أعضاؤه كل قرار على أنه مناورة يفقد قدرته على العمل المشترك. أما الكلفة الأخفى فيدفعها سيئ الظن نفسه: ذهن مشغول بالتأويل، وقلب لا يطمئن، وعلاقات تنتهي قبل أن تُختبر.
ولا يعني هذا أن يتخلى المرء عن حذره، فالسذاجة ليست فضيلة. لكن بين السذاجة والارتياب مساحة واسعة اسمها التثبت. والفرق بين الحذر وسوء الظن أن الأول يطلب الدليل قبل أن يحكم، والثاني يحكم أولًا ثم يبحث عن الدليل. ومن وسائل التثبت أن نسأل بدل أن نفترض، وأن نمنح الناس ما نحب أن يمنحونا إياه: فرصة لشرح ما التبس. وأن نتذكر أننا نعرف نوايانا جيدًا، فنحكم على أنفسنا بها، بينما نحكم على الآخرين بأفعالهم وحدها.
وفي النهاية، حسن الظن ليس حكمًا بأن الناس ملائكة، بل هو قرار بألا نُدين أحدًا بلا بيّنة.
إنه موقف أخلاقي يحفظ كرامة الآخر، وموقف عملي يحفظ سلامة صاحبه. ومن اختاره عاش أخفّ همًّا، وكان أقدر على أن يمنح الناس فرصة ليكونوا أفضل مما توقع.
