2026-04-12

عن التحزب والتعصب


 

المستشار سعيد البمباوي

في زمنٍ تتكاثر فيه الرايات وتتعالى فيه الأصوات، تصبح فكرة التحزّب واحدةً من أخطر ما يهدد صفاء العقول واستقامة القلوب. فالإنسان بطبعه يميل إلى الانتماء؛ ينتمي إلى وطنٍ يحبه، أو دينٍ يعتز به، أو فريقٍ يشجعه، أو فكرةٍ يؤمن بها. وهذا الميل في ذاته ليس عيبًا، بل هو جزءٌ من تكوين النفس البشرية، غير أن الخطر كل الخطر يكمن حين يتحول هذا الانتماء إلى تعصّب أعمى، يُغلق أبواب العدل، ويُطفئ نور الحقيقة.

إن التعصّب لا يبدأ صاخبًا، بل يتسلل هادئًا إلى النفس، حتى يُقنع صاحبَه أن الحق لا يكون إلا فيما ينتمي إليه، وأن الباطل لا يسكن إلا عند غيره. وهنا تضيع المعايير، وتختلط الموازين، فيُدافع المرء عن الخطأ لمجرد أنه صدر عن فريقه، ويهاجم الصواب لأنه جاء من خصمه. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يكون الإنسان قد انتصر لفكرته، بل خسرها، وخسر معها احترامه لنفسه.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن كثيرين يدركون هذه الحقيقة، ويشاهدون مظاهر التعصّب من حولهم، لكنهم يتعامون عنها حين تمسّهم هم، وكأن العدل مطلوبٌ من الآخرين فقط، أما حين يتعلق الأمر بما نحب، فإننا نلتمس الأعذار، ونبرر الأخطاء، ونلوّن الحقائق بما يتوافق مع أهوائنا.

إن العدالة ليست موقفًا يُتخذ حين يكون سهلًا، بل هي اختبارٌ حقيقي حين تتعارض مع ميولنا. أن تُنصف خصمك، وأن تعترف بخطأ من تحب، فهذه هي القمة الأخلاقية التي لا يبلغها إلا من ارتقى بنفسه فوق نوازع التعصّب. وليس المقصود أن يتخلى الإنسان عن حبه أو انتمائه، بل أن يُهذّبه، وأن يضعه في إطاره الصحيح؛ حبٌ لا يُعمي، وانتماءٌ لا يُفسد البصيرة.

وقد جاء التوجيه الإلهي واضحًا حاسمًا، لا يترك مجالًا للالتباس:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

فهو نداءٌ يتجاوز العاطفة، ويضع ميزانًا دقيقًا: لا تجعل كرهك يدفعك إلى الظلم، ولا حبك يقودك إلى الانحياز.

إن العدل ليس خسارة كما يظن البعض، بل هو أعظم المكاسب. فمن يعدل، يكسب احترامه لنفسه أولًا، ثم احترام الآخرين، ويحتفظ في الوقت ذاته بصدق انتمائه. أما من يتعصّب، فإنه وإن بدا منتصرًا في لحظة، فإنه في الحقيقة يخسر ميزان الحق داخله، وهو أخطر ما يمكن أن يخسره إنسان.

نعم، الطريق ليس سهلًا، لأن النفس تميل إلى ما تهوى، ولكنّه ليس مستحيلًا. وكل محاولةٍ للإنصاف، مهما بدت صغيرة، هي خطوة نحو نقاءٍ أكبر، ووعيٍ أعمق، وإنسانيةٍ أرقى.

فالكن عادلًا… لا لأن العدل مطلوب فحسب، بل لأنه الطريق الوحيد الذي يجعلك صادقًا مع نفسك قبل أي أحدٍ آخر.

الي أميرة


 

دكتور محمد الشافعي 

إلى أميرة… التي سكنت مكانة الابنة في القلب


يا أميرة…

ليس كل ما يُقال يُقصد به أن يُفهم على ظاهره، وليس كل ما يُكتب يكون موجَّهًا لشخص بعينه، فبعض الكلمات لا تكون إلا صدىً لما يعتمل في الصدر، وتنفسًا مشروعًا عن ضيقٍ لا يُرى، وثقلٍ لا يُحكى.

لقد أدركتُ—بما لا يدع مجالًا للشك—أن شيئًا من الصمت قد تسلل بيننا، وأن مسافةً خفيةً قد نشأت دون أن تُرى، لكنها تُحَس، وتُثقِل القلب. وهذا ما آلمني… لا لأنك ابتعدتِ، بل لأنني خشيت أن أكون أنا سبب هذا الابتعاد، دون قصد، ودون أن أملك حتى فرصة التوضيح.


يا صغيرتي…

ما كتبته لم يكن إلا حديث نفسٍ إلى نفسها، محاولة لفهم ما يدور في الداخل، فمجرد إدراك الإنسان لما يؤلمه هو خطوة أولى في طريق التعافي، وليس إعلانًا عن موقف، ولا حكمًا على أحد، ولا رسالة خفية تستهدف قلبًا بعينه.

أنتِ تعلمين—وأرجو أن يظل هذا العلم يقينًا لا يتزعزع—أن مكانتك عندي ليست عابرة، ولا طارئة، بل هي مكانة ابنةٍ أعتز بها، أطمئن لوجودها، وأجد في قربها راحةً صادقة.

أقدّر فيكِ أدبك، وصدقك، وذكاءك، وأقدّر أكثر ذلك الصفاء الذي يجعلك تفهمين دون أن أتكلم.

فلا تدعي كلمة عابرة، أو نصًا كُتب في لحظة انفعال، يُحدث شرخًا في علاقة بُنيت على الثقة والمودة والاحترام.


يا أميرة…

أريدك كما عهدتك: قريبة، صادقة، هادئة، تلك التي أرتاح إليها دون تكلف، وأثق بها دون تردد.

لا أريد بيننا تفسيرًا خاطئًا، ولا صمتًا يطول، ولا مسافةً تُرهق القلوب.

فإن كان في نفسي شيء، فمكانه أن يُفهم، لا أن يُساء تأويله.

وإن كان في قلبك شيء، فمكانه أن يُقال، لا أن يُترك ليكبر في صمت.


ابقَي كما بدأنا…

الابنة الغالية، التي لا يُقاس قدرها بكلمات، ولا يُحدّ وصفها بعبارات.