دكتور محمد الشافعي
لا يُقاس الإنسان بما يملك من مال، ولا بما يتزين به من مظهر، ولا بما يدّعيه من مكانة، وإنما يُعرف قدره الحقيقي من خلال أخلاقه وسلوكه وكلماته. فالكلمة مرآة العقل، والحديث ترجمان الشخصية، وما يخرج من اللسان يكشف في كثير من الأحيان ما تخفيه النفوس.
ومن الأمور التي تُنقص من قيمة المرء بين الناس كثرة الكلام بغير فائدة، فالإنسان الحكيم يزن كلماته قبل أن ينطق بها، ويعلم أن الصمت في مواضع كثيرة أبلغ من الحديث. أما الإغراق في الكلام، والخوض في كل شأن، والتعليق على كل أمر، فإنه يفقد صاحبه هيبته ويجعل حديثه قليل الأثر مهما كان صوابه.
وكذلك كثرة الضحك على غير مقتضى، فإن الاعتدال زينة في كل شيء. فالابتسامة الصادقة خلق جميل، والروح المرحة محبوبة، لكن الإفراط في الضحك قد يُذهب الوقار ويجعل الآخرين لا يأخذون صاحبها مأخذ الجدية والاحترام. وقد قيل قديماً إن لكل مقام مقالاً، ولكل موقف ما يناسبه من الجد أو المزاح.
أما الكذب، فهو من أكثر الصفات التي تهدم مكانة الإنسان مهما ارتفعت منزلته. فالناس قد يغفرون الخطأ، وقد يتجاوزون عن التقصير، لكنهم نادراً ما يثقون مرة أخرى بمن اعتاد الكذب. والثقة تُبنى على مدى سنوات طويلة، وقد ينهار بنيانها بكذبة واحدة.
وتأتي النميمة لتكمل هذا المسار المؤسف، فهي لا تفسد العلاقات فحسب، بل تكشف عن ضيق الأفق وضعف المروءة. فالذي ينقل الكلام بين الناس ليفسد بينهم يظن أنه يكسب القرب من هذا أو ذاك، بينما هو في الحقيقة يفقد احترام الجميع. فالناس قد يستمعون إلى النمام، لكنهم لا يأتمنونه.
إن قيمة الإنسان الحقيقية ترتفع حين يكون قليل الكلام إلا فيما ينفع، معتدلاً في مزاحه وضحكه، صادقاً في حديثه، حافظاً لألسنة الناس وكراماتهم. فهذه الصفات ليست مجرد أخلاق حسنة، بل هي رأس مال اجتماعي ومعنوي يجعل لصاحبها مكانة راسخة في القلوب قبل العقول.
وفي النهاية، يبقى الإنسان رهين ما يصدر عنه، فاللسان بابٌ إلى الرفعة كما أنه طريق إلى السقوط. ومن أراد أن يحفظ قدره بين الناس، فليحفظ كلماته، وليجعل الصدق شعاره، وحسن الخلق دثاره، فبذلك تُبنى المكانة الحقيقية التي لا تشتريها الأموال ولا تصنعها المظاهر.
