دكتور محمد الشافعي
حين تُنقّى الروح بالابتعاد
...............................
ليس صفاء النفس هبةً تُمنح بلا ثمن، ولا حالةً عابرة تهبط على القلب صدفة؛ بل هو ثمرة وعيٍ وتجربة، وخلاصة مسارٍ طويل من الإدراك والاختيار. وقد يظن المرء أن راحته تكمن في الاقتراب الدائم، وفي كثرة القول، وفي الانشغال بما لا يعنيه، لكنه لا يلبث أن يكتشف أن الضجيج يرهق، وأن القرب المفرط يستهلك، وأن التشتت يبدد صفاء الروح. ومن هنا، كان العلاج الأصدق: مسافة، وصمت، وانشغال.
أما المسافة، فليست قطيعةً باردة ولا هروبًا من الواقع، بل هي فنّ وضع الحدود، وإعادة ترتيب العلاقات وفق ما تحتمله النفس وما يليق بها. المسافة تمنحك قدرة النظر من علٍ، حيث تتضح الأحجام الحقيقية للأمور، وتنكشف المبالغات التي كانت تثقل صدرك. بها تستعيد نفسك من بين أيدي الآخرين، وتتحرر من استنزافٍ خفيٍّ كان يسرق منك طاقتك دون أن تشعر.
وأما الصمت، فهو ليس عجزًا عن الكلام، بل اختيارٌ واعٍ لعدم إهدار المعنى. في الصمت تنضج الفكرة، ويهدأ الانفعال، وتستعيد الكلمات وزنها بعد أن كادت تُستهلك في جدلٍ لا طائل منه. الصمت مساحةٌ داخلية يُعاد فيها ترتيب الفوضى، وتُصفّى فيها المشاعر من شوائبها، حتى يصبح القول – إن قيل – أصدق وأبقى أثرًا.
وأما الانشغال، فليس مجرد ملءٍ للوقت، بل توجيهٌ للجهد نحو ما يُبنى ولا يُهدر. حين ينشغل الإنسان بما ينفعه، يقلّ التفاته إلى ما يؤذيه، وتضيق المساحات التي كانت تتسلل منها الهموم. الانشغال الواعي يخلق توازنًا بين الداخل والخارج، ويمنح الحياة إيقاعًا منتظمًا يبدد الفراغ القاتل الذي كثيرًا ما يكون مأوى للأفكار السلبية.
هكذا، ليست هذه الثلاثية دعوةً للعزلة التامة، ولا للانقطاع عن الناس، بل هي دعوة لإدارة العلاقة مع العالم بقدرٍ من الحكمة والاعتدال. أن تعرف متى تقترب، ومتى تبتعد؛ متى تتكلم، ومتى تصمت؛ ومتى تنشغل، ومتى تترك الأمور تمضي دون تدخل.
فإذا أحسن الإنسان هذا التوازن، صفَت نفسه، وخفّ حمله، وأصبح أكثر قدرة على العطاء دون أن يستنزف ذاته. وحينها فقط، يدرك أن السلام الداخلي ليس شيئًا يُبحث عنه خارجًا، بل حالة تُبنى من الداخل، قرارًا بعد قرار، واختيارًا بعد اختيار.

