2026-09-20

أثر الكلمة.. وحقيقة القلوب

 


دكتور محمد الشافعي 

ليس عندي نصائح كثيرة لأحد، فكل إنسان أعرفه يحمل من الحياة ما يكفيه، وله طريقه الذي يمشيه، وأخطاؤه التي يتعلم منها، لكنني كلما تأملت ما آلت إليه علاقات الناس، وجدتني أتمنى أمنية واحدة: كونوا صادقين جدًا.

فالحياة لا تؤلمنا دائمًا بما يحدث فيها، وإنما بما يجعلنا نشك بعد ذلك فيما حدث. وقد تكون الكذبة لحظة عابرة بالنسبة إلى صاحبها، لكنها ليست كذلك لمن صدقها؛ إذ تترك في داخله شيئًا يشبه الشرخ الدقيق في الزجاج، قد لا تراه العين، لكنه يظل يغيّر شكل الأشياء من خلفه.

وحين تتكرر الخيبات، لا يعود الإنسان قادرًا على استقبال الأشياء ببساطتها الأولى. كلمة الحب تحتاج إلى ما يثبتها، والوعد الجميل يظل معلقًا بين التصديق والانتظار، والاعتذار الصادق قد يجد أمامه بابًا أغلقه كاذبون سبقوه. حتى المودة نفسها، تلك التي كان القلب يأخذها ببراءة، أصبحت أحيانًا تحتاج إلى وقت طويل كي يُطمئن إليها.

وهنا تكمن الخسارة الحقيقية؛ فالكذب لا يسلبنا حقيقة واحدة، بل يسلبنا شيئًا من قدرتنا على تصديق الحقائق الجميلة. يجعل القلب أكثر حذرًا مما ينبغي، والعين أكثر تفتيشًا عما وراء الكلمات، والذاكرة تعيد فتح الأدراج القديمة لتسأل: ترى، كم كان مما عشناه صادقًا؟

ولذلك لا أرى الصدق مجرد قول للحقيقة، وإنما أراه رحمة بالآخرين. حين تكون صادقًا، فأنت لا تمنحهم كلمات صحيحة فحسب؛ أنت تمنحهم راحة ألا يفتشوا خلفك، وأمانًا ألا يراجعوا كل موقف، وطمأنينة أن ما سمعوه منك يشبه ما في قلبك.

ولا يعني ذلك أن نقول كل ما يخطر لنا، فالحقيقة بلا حكمة قد تتحول إلى أذى، وإنما أن نكون واضحين في المواضع التي يتعلق فيها قلب إنسان بكلمة منا، أو ينتظر منا وعدًا، أو يبني على موقفنا شيئًا من حياته. هناك يصبح الصدق أكثر من فضيلة؛ يصبح مسؤولية.

كم من إنسان لم يكن يريد الكثير، وإنما كان يريد أن يطمئن إلى أن الكلمة التي قيلت له لم تكن عابرة، وأن اليد التي امتدت إليه لم تكن تؤدي دورًا، وأن الحضور الذي أسعده لم يكن مجاملة مؤقتة.

لهذا، إذا كان لا بد من نصيحة، فهي هذه وحدها: لا تجعلوا من يحبكم يتعلم الحذر بسببكم، ولا تجعلوا إنسانًا كان يرى فيكم مأمنًا، يخرج منكم وهو يحمل شكًا جديدًا في الناس.

كونوا صادقين جدًا؛ فالعمر أقصر من أن نقضيه في الشك، والقلوب أرق من أن تحتمل كل هذا الالتباس.

لقد أفسد الكذب أشياء كثيرة، وربما آن لنا أن نعيد إلى بعضها شيئًا من نقائها... بكلمة صادقة، وموقف صادق، وقلب لا يقول إلا ما يستطيع أن يظل وفيًا له.