2026-03-10

جعران الكرنك

 


كتب الأستاذ الدكتور أحمد عيسي 

استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

.............

تصحيح معلومة:

"الجعل" (الجعران) الجميل والرائع من الجرانيت الذي يرجع إلى عهد الملك أمنحوتب الثالث والمتواجد منذ فترة طويلة في رحاب معابد الكرنك بجوار البحيرة المقدسة التي تنتمي إلى فترة حكم الملك تحوتمس الثالث لم يكن في الأصل من منشآت الكرنك، وإنما نقل إلى هذا المكان للحفاظ عليه، فهو ينتمي في الأصل إلى معبد الملك أمنحوتب الثالث الجنائزي غربي طيبة حيث يوجد تمثالا الملك الضخمين (المعروفين شهرة بإسم تمثالي ممنون) واللوحة الضخمة عند نهاية إمتداد محور المعبد، وحيث تجري حاليا في الموقع منذ سنوات حفائر حديثة تم فيها الكشف عن عدة تماثيل وآثار أخرى رائعة من عهد نفس الملك.

ننتظر خطة إعادة بناء لهذا المعبد وإعادة تثبيت ما عثر عليه فيه من آثار لتوضع في سياقها المعماري الصحيح، وبما يتضمن إعادة توطين "الجعران الشهير" في موضعه الأصلي ونقله من معابد الكرنك إلى حيث ينتمي.

ا.د.احمد عيسي

 


كتب الأستاذ الدكتور أحمد عيسي

 استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

.........................

تجول ببالي منذ أيام أفكار وخواطر أود تسجيلها في منشور عن وصول المعبود آمون إلى طيبة ومحاولة اللاهوتيين هناك إرساء اسس معتقدات خاصة به ولكنني أتردد واؤجل، وأتساءل هل هذا وقته؟ هل تتسع هذه الأيام العشر المباركة للحديث عن معتقدات أناس يراهم أغلب الناس وثنيين كفارا في أغلب أحوالهم؟ وهنا نتساءل مرة أخرى: هل علم الآثار من "العلم النافع" الذي يثاب عليه الإنسان إذا ما ضيع جل عمره في دراسته؟ وهنا أتذكر ذلك الخطاب بدون توقيع الذي وصلني في بداية عملي في قسم الآثار والمتاحف (كلية السياحة والآثار الآن) بجامعة الملك سعود بالرياض عام ٢٠٠١م، كنت قادما من مصر أحمل my slides التي أدرس بها عادة مقررات آثار الحضارة المصرية بخاصة وحضارات الشرق القديم وبلاد الإغريق بعامة واستعرت projector من مكتبة القسم وشرعت في مباشرة محاضراتي كالمعتاد.

كانت فحوى ذلك الخطاب الغفل من التوقيع تشملها بعض عباراته، مثل: "انت اكلك حرام وعيشتك حرام وبتأكل ولادك حرام"، "انت جاي بلاد الحرمين تدرس لنا الأصنام" وعبارات أخرى في مثل نفس السياق، عشت ليلة كاملة مع الخطاب أسأل نفسي: هل العلم الذي دفعت جل ما فات من عمري وفكري وتفكري "علم نافع" أثاب عليه ؟ أم أنه من قبيل نفل العلوم التي لا تسمن ولا تغني من الله شيئا، وقلت لنفسي لو صح هذا، فإنني من الغد سأبحث لنفسي عن عمل آخر لأطعم من حلال وأطعم أولادي بالحلال، حتى لو عملت أجيرا بذراعي كعمال اليومية، ولكنني سريعا ما عدت لصوابي وتذكرت الآية الكريمة: "قيل سيروا في الأرض وأنظروا....."، وهذا هو "جوهر" عمل الآثاري الحق، تذكرت كذلك موقفا لي مع أحد من الكبار إسما (وأعذروني لا أعتبره أستاذا لي)، وكنت قد حصلت على الدكتوراة ربما قبلها بأسابيع، حين سألني عن خطتي المستقبلية فيما يتعلق بأبحاثي العلمية، فأجبته إنني أفكر في البحث حول "العلاقة بين بينات رب السماء وتأثيرها في المعتقدات المصرية القديمة، وفوجئت برده الصادم: "انت كده حمار، ده حاجة وده حاجة تانية خالص، ابقى شوف مين حيرقيك ؟"، تذكرت كذلك موقفي مع ذلك الطالب السعودي ضخم الجسم الملتحي الذي وقف يناقشني في واحدة من أول محاضراتي هناك عن "فن النحت" لدي المصريين القدماء ويسمعني كلاما شديدا حول "الأصنام" !، تذكرت الخطاب إياه وخمنت أن هذا الطالب هو مرسله، فسألته هل تحفظ شيئا من القرآن، قال نعم، وتابعت هل تحفظ سورة سبأ؟ قال نعم، قلت اتلو علينا الآية رقم ١٣، فتلى: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات"، سألته عن معنى الآية الكريمة، فقال بأن الجن كان يسخرهم سيدنا سليمان عليه السلام ليعملون له هذه الاشياء، فسألته: من هو سليمان، فأجابني باندهاش- وكأنني لا أعلم ذلك هو "نبي" !، فقلت له هو "نبي" و هو كذلك "ملك"، وتابعت أسأله لو قابلت "الملك فهد" (وكان لا يزال حيا يرحمه الله) وأمرك شيئا اتنفذه ؟ قال نعم، قلت لماذا؟ قال هو سيدي ومولاي، وقلت ومم تعرف أنه هو الملك فهد بنفسه، هل أنت قريبه؟, فاستغرب. وقال الدنيا كلها تعرفه وترى صورته في المجلات والتليفزيون والصحف ؟، فقلت له قديما لم تكن هناك مجلات أو صحف أو تليفزيون، ولأن سيدنا سليمان عليه السلام كان "نبيا" فإنه كان يأمر الجن بأن يصنعوا له محاريب ليصلي فيها ويتعبد ربه (بالقياس: "كلما دخل عليها زكريا المحراب")، ولأنه "ملك" كان يأمر الجن بأن يصنعوا له "تماثيل"، باعتبارها "الصور الفوتوغرافية" الخاصة بالعصور القديمة، وحيث كان دأب الشعوب قديما اقامة التماثيل لملوكهم ونصبها في كافة ربوع مناطق حكمهم ليتعرف الناس عليهم من بين حاشيتهم ويطيعوا أوامرهم، هكذا كانت اهم أهداف صناعة التماثيل للملوك والحكام قديما، وكما يقولون بأن: "لكل مقام مقال"، كذلك كان لكل عصر مقوماته ومفاهيمه التي يقاس عليها.

وهكذا فإنني أحتسب على الله راجيا ومتوسلا في هذه الأيام المباركة أن يحتسب الجهد المقل لعبده الضعيف في سبيل فهم ومحاولة استقصاء تأثير بينات رب السماء على معتقدات الناس بعامة والمصريين القدماء بخاصة في ميزان أعمالي، وظني أنه بإذن الله من "العلم النافع"، وألا أكون- بفضله وكرمه ورحمته- من "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"، اللهم اميين يا أكرم الأكرمين يارب، وموعدنا بعد العيد- إن شاء الله- مع المنشور الثالث من سلسلة "آمون في طيبة".