2026-04-15

هدوء الروح

 


دكتور محمد الشافعي 

 حين تُنقّى الروح بالابتعاد

...............................

ليس صفاء النفس هبةً تُمنح بلا ثمن، ولا حالةً عابرة تهبط على القلب صدفة؛ بل هو ثمرة وعيٍ وتجربة، وخلاصة مسارٍ طويل من الإدراك والاختيار. وقد يظن المرء أن راحته تكمن في الاقتراب الدائم، وفي كثرة القول، وفي الانشغال بما لا يعنيه، لكنه لا يلبث أن يكتشف أن الضجيج يرهق، وأن القرب المفرط يستهلك، وأن التشتت يبدد صفاء الروح. ومن هنا، كان العلاج الأصدق: مسافة، وصمت، وانشغال.

أما المسافة، فليست قطيعةً باردة ولا هروبًا من الواقع، بل هي فنّ وضع الحدود، وإعادة ترتيب العلاقات وفق ما تحتمله النفس وما يليق بها. المسافة تمنحك قدرة النظر من علٍ، حيث تتضح الأحجام الحقيقية للأمور، وتنكشف المبالغات التي كانت تثقل صدرك. بها تستعيد نفسك من بين أيدي الآخرين، وتتحرر من استنزافٍ خفيٍّ كان يسرق منك طاقتك دون أن تشعر.

وأما الصمت، فهو ليس عجزًا عن الكلام، بل اختيارٌ واعٍ لعدم إهدار المعنى. في الصمت تنضج الفكرة، ويهدأ الانفعال، وتستعيد الكلمات وزنها بعد أن كادت تُستهلك في جدلٍ لا طائل منه. الصمت مساحةٌ داخلية يُعاد فيها ترتيب الفوضى، وتُصفّى فيها المشاعر من شوائبها، حتى يصبح القول – إن قيل – أصدق وأبقى أثرًا.

وأما الانشغال، فليس مجرد ملءٍ للوقت، بل توجيهٌ للجهد نحو ما يُبنى ولا يُهدر. حين ينشغل الإنسان بما ينفعه، يقلّ التفاته إلى ما يؤذيه، وتضيق المساحات التي كانت تتسلل منها الهموم. الانشغال الواعي يخلق توازنًا بين الداخل والخارج، ويمنح الحياة إيقاعًا منتظمًا يبدد الفراغ القاتل الذي كثيرًا ما يكون مأوى للأفكار السلبية.

هكذا، ليست هذه الثلاثية دعوةً للعزلة التامة، ولا للانقطاع عن الناس، بل هي دعوة لإدارة العلاقة مع العالم بقدرٍ من الحكمة والاعتدال. أن تعرف متى تقترب، ومتى تبتعد؛ متى تتكلم، ومتى تصمت؛ ومتى تنشغل، ومتى تترك الأمور تمضي دون تدخل.

فإذا أحسن الإنسان هذا التوازن، صفَت نفسه، وخفّ حمله، وأصبح أكثر قدرة على العطاء دون أن يستنزف ذاته. وحينها فقط، يدرك أن السلام الداخلي ليس شيئًا يُبحث عنه خارجًا، بل حالة تُبنى من الداخل، قرارًا بعد قرار، واختيارًا بعد اختيار.

2026-04-14

الغث والسمين


 

دكتور محمد الشافعي 

 معادن الناس تُعرف في الضيق

......................................

ليس الناس سواءً حين تضيق الصدور وتثقل القلوب؛ ففي لحظات الانكسار تنكشف الحقائق، وتسقط الأقنعة، ويظهر الجوهر خالصًا لا يشوبه ادّعاء. هناك من يربّت على روحك بكلمة صادقة، أو حضور دافئ، أو صمتٍ يواسيك أكثر من ألف حديث؛ هؤلاء لا يُقاس فضلهم بميزانٍ عابر، بل يُكتب في سجلّ القلب عرفانًا لا يُمحى.

إن الذي يمدّ لك يدًا في عتمة الحزن، لا يفعل ذلك ترفًا، بل يهبك جزءًا من روحه، يشاركك وجعك كأنما هو وجعه، ويخفف عنك ثقل الأيام دون انتظار مقابل. فذلك إنسانٌ نادر، يستحق أن يُصان، وأن يُقابل وفاؤه بوفاء، وأن يُجبر خاطره كما جبر خاطرك، وأن يُذكر في غيبته كما يُشكر في حضوره.

وعلى النقيض، هناك من يختفي حين تحتاجه، ويغيب حين تضيق بك السبل، كأنما لم تجمعك به مودة، ولا شدّتكما لحظة صدق. هؤلاء لا ينبغي أن يُثقلوا الذاكرة ولا أن يُستدعى حضورهم في القلب؛ فغيابهم ليس خسارة، بل كشفٌ مبكر، ورحمةٌ خفية تُنقذك من وهم العلاقة. إن نسيانهم ليس قسوة، بل عدلٌ للنفس، وصيانةٌ للروح من التعلق بما لا يستحق.

لا تحزن على من تخلّى، فالحياة لا تُقاس بكثرة من حولك، بل بصدق من يبقى معك. بل احمد الله أن أراك حقيقة الناس في وقتٍ مبكر، قبل أن تُغرس جذورهم عميقًا في أرض قلبك. فالخسارة الحقيقية ليست في رحيلهم، بل في بقائهم زيفًا حتى يستفحل الضرر.

وفي النهاية، يبقى الصفاء عملة نادرة، لا يحملها إلا من صفا معدنه. فاحفظ هؤلاء القلائل، وكن لهم كما كانوا لك، وامضِ في طريقك خفيفًا من أثقال الزيف، ثابتًا على يقينٍ أن الله لا يُريك الحقائق إلا ليحفظك، ولا يُسقط الأقنعة إلا ليقرّبك من الصادقين.