مهندس عاصم شاكر
كرة القدم في مصر: تضخيم المشهد وفقر المحتوى
.............
من عجائب هذا الزمان أن تحتل لعبة كرة القدم في مصر مساحة من الاهتمام تفوق حجمها الحقيقي، حتى ليخال المرء أنها السلعة الاستراتيجية الأولى في البلاد، أو أنها أحد أعمدة الدخل القومي، أو أننا بلغنا بها مصاف الدول المتقدمة كرويًا، ننافس في أعلى المستويات العالمية، ونقدم نموذجًا راقيًا للعبة قائمًا على العلم والتخطيط والتقنية.
غير أن الواقع، إذا ما وُضع تحت مجهر العقل، يكشف عن مفارقة صارخة. فلا نحن نمتلك قاعدة واسعة من اللاعبين المتقنين لأساسيات اللعبة، ولا لدينا منظومة تدريب قادرة على التطوير الحقيقي، ولا مسابقات محلية تُفرز الجودة وتكافئ الموهبة، ولا ملاعب مؤهلة بمعايير حديثة، ولا نقل تلفزيوني محترف، ولا تعليق رياضي يحترم عقل المشاهد وذائقته وثقافته. ما نشهده في أغلب الأحيان ليس أكثر من جري عشوائي وتشتيت للكرة، تُضفى عليه هالة زائفة من البطولة والإنجاز.
إنها سلعة عابرة في جوهرها، لكنها تُقدَّم وكأنها من الفئة الأولى، بل تُفرض على الوعي الجمعي فرضًا، لتتصدر المشهد العام، بل تكاد تتصدر الحياة اليومية في مصر، وكأن هذا الشعب لا شاغل له ولا اهتمام سوى كرة القدم. ويقف خلف هذا الحضور الطاغي جهاز إعلامي ضخم، لا يكلّ ولا يمل، يضخ أخبار الكرة ليل نهار، مباريات ولاعبين وانتقالات وتصريحات، حتى يكاد الهواء الذي نتنفسه أن يكون مشبعًا بالكلام عن الكرة.
تُنقل المباريات كافة، ويُسبق اللقاء بساعتين من الاستوديو التحليلي لحدث لم يقع بعد، ثم يُلحق بالمباراة استوديو آخر لا يقل زمنه عن ساعة أو يزيد، لتحليل ما حدث، أو ما يُظن أنه حدث. ثم لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل تتوالى البرامج التي تُسمى “رياضية” على مختلف القنوات، يعاد فيها تدوير المباريات ذاتها، وتحليلها مرة بعد مرة، مع إضافة جرعات من أخبار الانتقالات والشائعات، من قبيل: لاعب راحل، وآخر قادم، وثالث غاضب، ورابع غير راضٍ.
وهكذا تدور العجلة بلا توقف، ليلًا ونهارًا، وعلى جميع الشاشات، في مشهد أقرب إلى الضجيج منه إلى المعرفة، وإلى الاستهلاك منه إلى البناء. وليس من الضروري تعداد أسماء البرامج أو مقدميها أو محلليها، فالكثرة هنا لا تعني التنوع، وإنما تعني التكرار والإغراق.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: إذا كان هذا الحجم الهائل من الاهتمام، وهذه المساحة الإعلامية الطاغية، يقابلها هذا المستوى المتواضع من الأداء والمعرفة والاحتراف، فكيف يكون الحال لو كنا فعلًا نُحسن لعب كرة القدم؟ ولو كانت لدينا منظومة حقيقية، وتعليم رياضي سليم، ورؤية طويلة المدى؟
إن المشكلة ليست في كرة القدم ذاتها، بل في تضخيمها إلى حد التشويه، وفي تقديم الوهم على أنه إنجاز، والضجيج على أنه قيمة. وما لم يُعاد ترتيب الأولويات، وتُوضع الأمور في أحجامها الطبيعية، فسيظل المشهد صاخبًا، بينما المضمون فقير، وستظل الكرة تملأ الشاشات، دون أن تملأ فراغ الواقع.


