دكتور محمد الشافعي
ثمة مواقف في الحياة لا تأتي لتكسرنا، وإنما لتعيد ترتيب الأشياء من حولنا.
فحين تضيق الأيام، وتتغير الظروف، وتصبح في حاجة إلى من يساندك لا إلى من يكتفي بمراقبتك، يبدأ غربال المواقف في العمل؛ فتسقط منه الوجوه التي كانت تستمد قربها منك من سهولة الأيام، وتبقى الوجوه التي لم يكن حضورها مشروطًا بالراحة ولا بالمصلحة.
في الأيام الهادئة، يصعب أن تميز بين من يحبك ومن يجيد التظاهر بمحبتك؛ فالكلمات متاحة للجميع، والابتسامات لا تكلف كثيرًا، والوقوف إلى جوارك لا يحتاج شجاعة ما دمت واقفًا على قدميك.
لكن حين تتغير المعادلة، وتأتي لحظة تحتاج فيها إلى موقف حقيقي، لا إلى عبارة جميلة، تتبدل الصورة.
هناك من يختفي دون تفسير، ومن يبتعد في هدوء، ومن يكتشف فجأة أن لديه ما يشغله. وهناك آخرون لا يقولون شيئًا كثيرًا، لكنك تجدهم حاضرِين في اللحظة التي يصبح فيها الحضور هو كل شيء.
عندها تفهم أن بعض الناس كانوا جزءًا من حياتك، لا جزءًا منك؛ وأن بعض العلاقات كانت قائمة على اعتياد القرب، لا على صدق المشاعر.
وليس في اكتشاف الحقيقة ما يدعو إلى الندم. فالإنسان لا يخسر حين يعرف الناس على حقيقتهم، بل يخسر حين يظل متمسكًا بصورةٍ صنعها لهم في خياله، رغم أن الواقع ظل يقدم له الأدلة.
ولعل أجمل ما تمنحه لنا المواقف الصعبة أنها تختصر علينا سنوات من الوهم؛ فتُسقط من حولنا من لا يستحق، وتُبقي لنا من يستحق.
وبعد كل غربال، تصبح دائرتك أضيق، لكنها أصدق؛ أقل ازدحامًا، وأكثر أمانًا.
فليس المهم كم شخصًا بقي في حياتك، وإنما من بقي حين لم يكن في بقائه مكسب، وحين كان الرحيل أسهل من البقاء.
هناك فقط تعرف أن بعض الناس لم يكونوا مجرد عابرين في حياتك، بل كانوا الحقيقة التي أخفتها عنك الأيام المريحة.

