دكتور محمد الشافعي
من أغرب ما يعتري النفس الإنسانية أن تشتاق أحيانًا إلى أيامٍ لم تكن من عمرها، وأن يفيض الحنين في القلب نحو أزمنةٍ لم تطأها القدم، ولم تشهدها العين، ولم يعاصرها الإنسان إلا عبر السطور والصور والروايات.
ولعل هذا هو حالي كلما جال بخاطري ذلك الزمن الأنيق الممتد من عشرينيات القرن الماضي إلى أواخر الأربعينيات؛ ذلك العصر الذي يبدو لي وكأنه قطعة من الجمال الخالص، أو صفحة مذهبة من كتاب الحياة.
أحن إلى شوارع القاهرة القديمة وهي تتهادى في وقار، وإلى الكلمات التي كانت تُنتقى كما تُنتقى الأزهار، وإلى الأحاديث التي كانت تحمل من الرقة والذوق ما يجعلها أقرب إلى الفن منها إلى الكلام العابر. أحن إلى زمن كانت فيه البساطة عنوانًا للأناقة، وكانت الهيبة قرينة التواضع، وكانت الموهبة وحدها كفيلة بأن تصنع المجد.
ولست أدري لماذا تلامس تلك الحقبة قلبي بكل هذا العمق، رغم أنني لم أعشها يومًا. ربما لأن الأرواح لها أوطان لا تخضع لقوانين الزمن، وربما لأن بعض النفوس تجد نفسها في عصورٍ أخرى أكثر مما تجدها في عصرها.
وقد خطر ببالي اليوم خاطر لطيف أضفى على نفسي شيئًا من البهجة والسرور. تخيلت أن الأقدار أعادتني إلى القاهرة في أربعينيات القرن الماضي، وأن الظروف شاءت أن تجمعني بالهرم الموسيقي الشامخ، الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب.
تخيلت أننا أصبحنا من أهل المودة والصفاء، نلتقي بين الحين والآخر في مكتبي، نتبادل أطراف الحديث في الأدب والفن والحياة. ثم نخرج سويًا نسير في شوارع القاهرة العامرة، نستمع إلى ضجيجها الجميل، ونراقب وجوه المارة وهي تمضي في هدوء ذلك الزمن الوقور.
ثم تمتد بنا الخطى حتى نبلغ كورنيش النيل، فنقف هناك نتأمل صفحة الماء وهي تعكس أضواء المساء. وأتصور عبد الوهاب، بصوته الهادئ وحديثه الرصين، يحكي عن الموسيقى وأسرارها، وعن الفن الذي لا يموت، وعن الجمال الذي يظل خالدًا مهما تغيرت الأزمنة.
وما أعجب الإنسان! فقد شعرت بسعادة حقيقية لمجرد عبور هذه الخاطرة على قلبي. كأنني عشتها بالفعل، وكأنني سرت في تلك الشوارع، وجلست إلى ذلك العملاق، واستنشقت عبير تلك الأيام.
إنني أحب فن محمد عبد الوهاب حبًا صادقًا، وأرى فيه صورة ناصعة لعصرٍ كانت فيه الموسيقى رسالة، وكانت الكلمة مسؤولية، وكان الإبداع ثمرة ثقافةٍ وموهبةٍ واجتهاد.
ولعل السر في كل ذلك أن قلبي ما زال مأخوذًا بسحر تلك الفترة الراقية؛ فترةٍ كانت تمتلك ذوقًا خاصًا في كل شيء: في الفن، وفي اللغة، وفي العلاقات الإنسانية، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة.
إنها ليست مجرد سنوات مضت، بل عالم كامل من الرقي والجمال. عالم ربما لم أعشه بجسدي، لكنه عاش في وجداني طويلًا، وما زال يسكن ذاكرتي وخيالي، ويمنحني كلما مر بخاطري جرعة من البهجة والدفء والسكينة.
وإذا كان للإنسان أن يختار زمانًا آخر يحيا فيه، فلا أخفي أن قلبي كثيرًا ما يرحل إلى هناك... إلى القاهرة القديمة، وإلى زمن عبد الوهاب، وإلى تلك الأيام التي ما عشتها قط، ومع ذلك أشعر أنها كانت يومًا وطني الجميل.



