2026-04-20

وجع



 

مهندس عاصم شاكر 

...........

حين يأتي الأذى من حيث أُحسن الظن وحين ينقلب الإحسان وجعًا

..........

ليست كل الجراح سواء؛ فثمة جراح تمرّ على القلب مرور العابر، لا تترك إلا أثرًا عابرًا، وثمة أخرى تغوص في الأعماق حتى تُوجِع الروح قبل الجسد. ومن أشدّها وقعًا وأقساها أثرًا، تلك التي تأتي من قريبٍ أُعطي الثقة، ومن يدٍ امتدّت يومًا بالعطاء فامتدّت اليوم بالأذى. وكأن الحكمة الشعبية حين قالت: “الرفسة مبتجيش إلا من العجل اللي دلعته”، لم تكن مجرد عبارة دارجة، بل خلاصة تجربة إنسانية تتكرر في صور شتى.

إن الإنسان بطبعه يميل إلى الإحسان لمن حوله، ويغدق من وقته ومشاعره وجهده على من يراهم أهلًا للقرب. يفتح لهم أبواب قلبه دون حذر، ويمنحهم من صدقه ما لا يمنحه للغريب. لكنه، في لحظة غير متوقعة، قد يكتشف أن هذا القرب نفسه هو موطن الخطر، وأن الأذى لا يحتاج إلى مسافة ليبلغ غايته، بل يكفيه أن يكون صادرًا ممن عرف الطريق إلى الداخل.

والطعنة التي تأتي من بعيد يمكن احتمالها؛ لأنها متوقعة في عالم تتنازع فيه المصالح وتختلف فيه الطبائع. أما الطعنة التي تأتي من قريب، فهي خيانة للثقة قبل أن تكون أذى للفعل، وهي انكسار لصورةٍ رسمها الإنسان في داخله عن الوفاء والود. لذلك يكون ألمها مضاعفًا؛ لأنها تهدم ما بُني على مهل، وتبدد ما استقر في النفس من يقين.

غير أن الحكمة لا تدعونا إلى القسوة أو الانغلاق، بل إلى التوازن. فليس الحل أن نغلق أبوابنا في وجه الجميع، ولا أن نمنحها بلا ضابط لكل أحد. إنما الرشد كل الرشد في أن نُحسن دون إفراط، ونثق دون سذاجة، ونُدرك أن القرب مسؤولية مشتركة، لا امتيازًا مطلقًا.

وفي نهاية الأمر، تبقى هذه التجارب، على قسوتها، معلمًا صامتًا يعيد ترتيب الأشياء في داخلنا. تعلّمنا أن نُبقي مساحة آمنة لأنفسنا، وأن نمنح القرب بوعي، وأن نُدرك أن بعض الخيبات، وإن آلمت، فإنها تُنضج الروح وتُبصرها بما لم تكن تراه من قبل.

2026-04-19

نهيق في ساحة العلم


 

دكتور محمد العوادي 

حين يعلو الصوت… ويخفت المعنى

حدث يوم الخميس الموافق 16/4/2026

...........

ليست كل مواجهةٍ تستحق أن تُسمّى خصومة، ولا كل صوتٍ مرتفعٍ دليلَ قوة؛ فبعض الضجيج لا يعدو أن يكون ستارًا يُسدل على خواءٍ داخلي، وعجزٍ عن إدارة الموقف بقدرٍ من الاتزان والرشد.

لقد وقعت واقعةٌ كان الأولى بها أن تُعالج في إطارها الطبيعي: مسألة إدارية تخصّ طلابًا لم تُدرج أسماؤهم في كشف مقرر اختياري، وهي مشكلة لا تحمل من التعقيد ما يستدعي صخبًا ولا افتعالًا. وقد قمتُ بما يمليه عليّ واجبي، فسعيتُ إلى حلها، وأُنجز الأمر بهدوءٍ واحترام، مراعيًا مصلحة الطلاب قبل كل شيء.

غير أنّ أحد الزملاء اختار طريقًا آخر؛ طريقًا لا يمتُّ إلى المهنية بصلة، فأساء في حضرة الطلاب بأسلوبٍ لا يليق بمقام العلم ولا بمن يُفترض فيه أن يكون قدوة. وكان ردي عليه مواجهةً صريحة، لكن بلغةٍ راقية، ونبرةٍ هادئة، إذ إنني أومن أن الهيبة لا تُستمد من ارتفاع الصوت، بل من ثبات الموقف ونُبل العبارة.

وما إن انفضّ الجمع وغادرتُ المكان، حتى انكشف ما كان مستترًا؛ فإذا به يُطلق العنان لصوتٍ أجشّ، يملأ الأرجاء صياحًا وسبابًا، ويحثّ الطلاب على الشكوى، في مشهدٍ أقرب إلى الفوضى منه إلى أي سلوكٍ مهنيٍّ مسؤول. وهنا، لا يسع المرء إلا أن يتساءل: أهذه شجاعةٌ أم استقواءٌ بغياب المواجهة؟ أهو دفاعٌ عن حق، أم محاولةٌ يائسة لتغطية عجزٍ لم يحتمل لحظة صدق؟

إنّ من يملك الحجة لا يحتاج إلى ضجيج، ومن يقف على أرضٍ صلبة لا يتكئ على إثارة الطلاب ولا على تأليبهم. أما من اعتاد الصياح، فليس غريبًا أن يتحول صوته—مهما علا—إلى ما يشبه النهيق، لا يُسمع فيه معنى، ولا يُرتجى منه أثر.

ولقد آثرتُ أن أطلق على صاحب هذا المشهد لقب “الجحشان”، لا سُخريةً مجردة، بل توصيفًا لحالٍ اختار فيها أن يستبدل الحكمة بالاندفاع، والوقار بالابتذال، والحجة بالضجيج. فليس كل من نطق أفصح، ولا كل من صرخ أقنع.

إن المؤسسات العلمية لا تُبنى بالصوت العالي، بل بالعقل الراجح، ولا تُدار بالانفعال، بل بالحكمة والتروّي. ومن أراد أن يكون أهلًا لمقام التعليم، فعليه أن يدرك أن الطلاب لا يتعلمون من الكلمات فحسب، بل من السلوك قبل القول، ومن الاتزان قبل المعرفة.

ويبقى في النهاية أن الهدوء الذي واجهتُ به الموقف، ليس ضعفًا، بل قوةٌ تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترك الضجيج يفضح نفسه بنفسه.