2026-07-29

باركوا وهنوا



 

د. محمد الشافعي

ما إن أُعلنت نتيجة الثانوية العامة حتى انقسمت البيوت بين فرحةٍ غامرة ودموعٍ حائرة، وبين زغاريد تعلو في بعض المنازل وصمتٍ ثقيلٍ يخيّم على منازل أخرى. غير أن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا هي أن النتيجة ليست سوى محطة في رحلة طويلة، وليست الرحلة كلها.

فالثانوية العامة ليست مجرد مجموع يُكتب في شهادة، وإنما هي عام كامل من الكفاح المتواصل، والسهر الطويل، والضغوط النفسية المتراكمة، والمذاكرة التي تمتد لساعات لا تنتهي، والدروس التي تملأ الأيام، والامتحانات التي تأتي غالبًا في أشد أيام الصيف حرارة، فيجتمع على الطالب عبء العقل والجسد معًا.

إنها رحلة يسير فيها الطالب عبر طرق متعددة؛ منها السهل ومنها الوعر، ومنها ما يوافق ميوله وقدراته، ومنها ما يفرض عليه أن يجاهد نفسه في مواد قد لا تنسجم مع مواهبه أو ملكاته. ومع ذلك يواصل السير، ويحاول، ويجتهد، ويقاوم التعب والقلق والخوف، حتى يصل إلى خط النهاية.

ولهذا، فإن أول ما يستحقه أبناؤنا بعد إعلان النتيجة هو الاحتضان قبل السؤال، والتهنئة قبل المقارنة، والكلمة الطيبة قبل أي حديث عن الدرجات. فهم قد أدوا ما استطاعوا، وبذلوا من الجهد ما تسمح به طاقتهم، وواجهوا عامًا من الضغوط التي لا يشعر بثقلها إلا من عاشها.

أيها الآباء والأمهات... باركوا لأبنائكم، أياً كانت النتيجة. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس برقمٍ مجرد، وإنما يُقاس بما اكتسبه الإنسان من صبر، وما تعلمه من انضباط، وما امتلكه من قدرة على مواجهة التحديات. فالدرجات قد تفتح بابًا، لكنها لا تصنع إنسانًا، ولا تضمن مستقبلًا.

كم من طالب حصل على مجموعٍ يقترب من الكمال، ثم لم يجد في التخصص الذي التحق به شغفه الحقيقي، فلم يحقق فيه ما كان يُنتظر منه. وفي المقابل، كم من طالب التحق بكليةٍ لم تكن ضمن أحلام المجتمع، ثم أبدع فيها، وأصبح أستاذًا جامعيًا، أو باحثًا مرموقًا، أو قائدًا ناجحًا في مجاله. فالتاريخ مليء بالشواهد التي تؤكد أن التميز لا يرتبط باسم الكلية، وإنما يرتبط بإخلاص الإنسان في عمله، واستمراره في التعلم، وإيمانه بقدراته.

ولا ينبغي كذلك أن نغفل حقيقة علمية يعرفها المختصون، وهي أن الخوف والقلق والتوتر قد يحجب جزءًا من المعرفة التي اختزنها الطالب، وقد يضعف تركيزه في لحظات الامتحان، فيخرج أداؤه أقل من مستواه الحقيقي. لذلك فإن المجموع ليس دائمًا مرآةً دقيقة لقدرات الإنسان، بل هو نتيجة تتأثر بعوامل متعددة، منها الحالة النفسية والقدرة على التعامل مع ضغوط الامتحان.

إن أبناءنا في هذه اللحظة لا يحتاجون إلى محاكمات، ولا إلى مقارنات مؤلمة مع غيرهم، ولا إلى كلمات تزيد ما في صدورهم من قلق. إنهم يحتاجون إلى من يربت على أكتافهم، ويخبرهم أن قيمة الإنسان أكبر من رقم، وأن المستقبل لا يُبنى بنتيجة يوم واحد، بل بسنوات من الاجتهاد والإصرار والعمل.

فلتكن بيوتنا اليوم بيوت امتنان لا بيوت عتاب، وبيوت احتضان لا بيوت لوم. ولنجعل من إعلان النتيجة بداية أمل جديد، لا نهاية حلم. فالحياة أوسع من شهادة، والنجاح أرحب من مجموع، والمستقبل يفتح أبوابه لمن يواصل السير، مهما كانت نقطة البداية.

لا تجعلوا أبناءكم يظنون أن أحلامهم انتهت عند رقم كُتب في شهادة؛ فكم من شهادةٍ علّقت على الجدران، وكم من إنسانٍ علّق اسمه في صفحات التاريخ. وما يصنع المستقبل حقًّا ليس مجموع الدرجات، بل مجموع الإرادة، والإيمان، والعمل.

صفقوا لأبنائكم اليوم؛ فقد اجتازوا امتحانًا عسيرًا في العلم والصبر معًا، أما امتحان الحياة فما زالت صفحاته مفتوحة، ولا ينجح فيه إلا أصحاب العزيمة.

مبارك لكل طالبٍ اجتهد، ومبارك لكل أسرة وقفت إلى جوار أبنائها، ومبارك لكل من أدرك أن أعظم ما يمكن أن نهديه لأبنائنا بعد رحلةٍ شاقة كهذه هو الحب، والثقة، والدعاء، والإيمان بأن القادم بإذن الله أجمل.