2026-07-13

كن كبيرًا في عين نفسك

 

دكتور محمد الشافعي 

ليس المقصود من هذه العبارة أن يتضخم الإنسان غرورًا، أو أن يرى نفسه فوق الآخرين، وإنما أن يعرف قدرها، وأن يحفظ لها كرامتها، وألا يسمح لأحد أن يصادر إرادته أو يختطف قراره. فالإنسان الذي يستخف بنفسه، ويعيش أسيرًا لنظرة الناس، يسهل أن يقع تحت هيمنة كل من يجيد التلاعب بالعقول أو استغلال المشاعر. أما من عرف قيمته، واستند إلى مبادئه، فإنه يظل عصيًّا على الانقياد الأعمى مهما اشتدت الضغوط.

وليس أخطر على الإنسان من أن يسلم عقله لغيره. فكم من شخص فقد استقلاله لأنه اعتاد أن يطلب من الآخرين أن يفكروا نيابة عنه، وأن يحددوا له ما يحب وما يكره، وما يصدق وما يكذب. وحينئذٍ يصبح تابعًا لا قائدًا، ومنقادًا لا صاحب قرار. والعقول الحرة لا تُشترى، ولا تُستأجر، ولا تُقاد بالسياط، لأنها تؤمن أن التفكير مسؤولية شخصية لا يجوز التنازل عنها.

إن السيطرة الحقيقية لا تبدأ بالقيود، وإنما تبدأ بإضعاف الثقة بالنفس. فإذا أقنعك أحد أنك عاجز، أو قليل الشأن، أو أنك لا تستطيع اتخاذ قرار دون وصايته، فقد وضع أول لبنة في بناء سيطرته عليك. ولهذا كان احترام الذات حصنًا منيعًا، لأنه يمنح صاحبه القدرة على قول "لا" حين يجب أن تُقال، وعلى الثبات حين يتزعزع الآخرون.

والكبير في عين نفسه ليس من يرفع صوته، ولا من يتباهى بمنصبه أو ماله، وإنما هو من يملك نفسه عند الفتن، ويحفظ كرامته عند الحاجة، ولا يبيع مبادئه بثمن، ولا يسمح لأحد أن يبتز ضعفه أو يستغل حاجته. فهو يدرك أن القيمة الحقيقية تنبع من الأخلاق، ومن سلامة الضمير، ومن الاستقامة على الحق.

إن احترام الذات لا يتعارض مع التواضع، بل إنهما وجهان لعملة واحدة. فالمتواضع حقًّا لا يحتقر نفسه، كما أن الواثق بنفسه لا يحتقر الآخرين. إنه يعرف قدره دون مبالغة، ويعرف قدر الناس دون انتقاص، فيعيش كريم النفس، عزيز الروح، لا متكبرًا ولا ذليلًا.

فكن كبيرًا في عين نفسك، لا لأنك أفضل من الناس، بل لأن الله كرّم الإنسان، وجعل له عقلًا يميز به، وضميرًا يهتدي به، وإرادةً يختار بها طريقه. وإذا حفظت لنفسك هذا المقام، فلن يستطيع أحد أن يفرض عليك فكرًا لا تؤمن به، أو يسوقك إلى طريق لم تختره، لأن من امتلك نفسه، امتلك حريته، ومن امتلك حريته، استعصى على كل أشكال السيطرة والاستعباد.