2026-05-23

الحب احترام


دكتور محمد الشافعي 

في حياة كل إنسان، يمرّ طيفٌ يسمّى الحبّ الأوّل، يترك في القلب أثراً لا يُمحى مهما توالت السنون وتبدّلت الوجوه. يظنّ كثيرون أنه ذروة المشاعر وغاية الوجود، لكنّ الحقيقة أبعد وأعمق من تلك الصورة التي رسمتها الأغاني، وزيّنتها الأفلام، وجعلتها كأنها الفردوس المفقود أو الخلاص المنتظر. أنا لا أؤمن بذلك الحبّ الذي يُقدَّم في قالب من الوجد والهيام، ولا بتلك المشاعر المتقلّبة التي تتبدّد مع أول اختبار حقيقي للحياة.

 فالحبّ عندي ليس دمعة في أغنية، ولا وعداً عند الغروب، بل هو معنى متين، قوامه الاحترام ثم الاحترام ثم الثقة وجبر الخاطر. الاحترام هو حجر الأساس، فمن دونه يصبح القرب عبئاً لا يُطاق، وتتحوّل الكلمات إلى جراح. والثقة هي الهواء الذي تتنفّسه العلاقة، من غاب عنه اختنق، ومن فقده ضلّ طريقه في متاهات الشكّ والظنون. أما جبر الخاطر فهو تاج المشاعر النبيلة، لأن من يجبرك لا يملك قلباً عادياً، بل روحاً تُدرك قيمة الألم وتقدّر وجع الإنسان. 

ذلك هو الحبّ الذي أفهمه وأؤمن به؛ حبّ لا يضيع مع تغيّر الملامح، ولا يتلاشى مع خفوت اللهفة، لأنه يقوم على جوهرٍ لا يشيخ، ومعانٍ لا يغيّرها الزمن. 

فكم من حبٍّ أولٍ كان سراباً، وكم من علاقةٍ متأخرةٍ كانت أصدق وأنبل، لأنها بُنيت على أساسٍ من الوعي والنُبل والكرامة. 

إن الحبّ في جوهره ليس حكايةً تُروى، بل سلوكٌ يُعاش، وطمأنينةٌ تُمنح، وكلمةُ طيبة تُعيد للقلب توازنه. ومن فهم هذا المعنى، أدرك أن أسمى درجات الحبّ ليست في اللهفة، بل في الأمان.