دكتور محمد الشافعي
ثمة لحظات في حياة الإنسان تعجز اللغة عن الإحاطة بها، لأن المشاعر فيها أوسع من الكلمات، وأعمق من أن تختزلها العبارات. ويأتي يوم زفاف الابنة في مقدمة تلك اللحظات؛ فهو ليس مجرد مناسبة اجتماعية، بل محطة إنسانية مهيبة تتجلى فيها أسمى معاني الأبوة، وتفيض فيها القلوب بمشاعر متناقضة يجمعها الحب الصادق. ففي هذا اليوم يقف الأب بين فرحة الاكتمال ولوعة الفراق، وبين الاعتزاز بما أنجز والحنين إلى سنوات لن تعود.
فالابنة في قلب أبيها ليست مجرد ابنة، بل هي نبض البيت وروحه، وزهرته التي أينعت بين يديه، وقطعة من قلبه تمشي على الأرض. هي ضحكته التي تبدد عناء الأيام، وطمأنينته التي تمنحه معنى الحياة. يكبر عمرها عامًا بعد عام، بينما تبقى في وجدانه تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تتعلق بيده، وتستمد من حضوره الأمان، حتى وإن أصبحت اليوم امرأة ناضجة تستعد لبدء رحلة جديدة.
وحين يراها ترتدي ثوب الزفاف الأبيض، يتوقف الزمن في داخله، وتستيقظ الذكريات دفعة واحدة. تمر أمام عينيه سنوات التربية والرعاية، وليالي السهر، ومواقف الخوف، ولحظات الفخر، وكأن العمر كله ينضغط في لحظات معدودة. يرى خطواتها الأولى، ويسمع ضحكات طفولتها، ويتذكر أحلامه التي كان يرسمها لها، ثم يدرك أن تلك الطفلة قد أصبحت سيدةً تبني بيتًا جديدًا، وأن الغرس الذي سقاه حبًا وصبرًا قد أثمر أجمل الثمار.
عندها تفيض عيناه بالدموع، لكنها ليست دموع ضعف، ولا دموع حزن مجرد، وإنما دموع الفخر والامتنان والوفاء. إنها دموع رجل أدى رسالته كما ينبغي، وحمل الأمانة حتى بلغت غايتها، ورأى ابنته تعبر إلى مرحلة جديدة وهي مكللة بالعفة والكرامة وحسن التربية. وهي كذلك دموع الشوق المبكر إلى تفاصيل ستغيب؛ إلى صوتها في أرجاء المنزل، وإلى حضورها الذي كان يمنح المكان حياةً خاصة لا يعوضها شيء.
ويبقى المشهد الأكثر مهابة وتأثيرًا حين يمسك الأب بيد ابنته، ويسير بها نحو زوجها، ثم يضع يدها في يده. إنها لحظة تختصر عمرًا كاملًا من التضحية والعطاء، وتلخص رسالة الأبوة في أسمى معانيها. وفي صمته البليغ كلمات لا تُقال، لكنها تُقرأ في العيون: لقد سلمتك أعز ما أملك، فاحفظها كما حفظتها، وأكرمها كما أكرمتها، واجعل المودة والرحمة عنوان حياتكما، فإن القلوب الكريمة لا يليق بها إلا الوفاء.
ثم ترتفع أكف الأب إلى السماء، فيدعو دعاءً لا يعرف التكلف، بل يخرج صافيًا من أعماق القلب، أن يبارك الله لابنته في حياتها الجديدة، وأن يجعل بيتها عامرًا بالسكن والمودة والرحمة، وأن يرزقها السعادة والطمأنينة، ويجنبها كل سوء، وأن يجعل أيامها كلها خيرًا وبركة. فما من أمنية يحملها الأب في تلك اللحظة أعظم من أن يرى ابنته عزيزة النفس، مصونة الكرامة، سعيدة القلب.
إن زفاف الابنة ليس خسارةً للأب، ولا انقطاعًا للرابطة التي جمعته بها، بل هو اكتمالٌ لرسالةٍ بدأت منذ ميلادها، وانتقالٌ كريم إلى مرحلة جديدة من الحياة، تتسع فيها دائرة المحبة، ويزهر فيها غرس السنين. وستظل الابنة، مهما تقدمت بها الأعوام، طفلةً في قلب أبيها، وستبقى دموعه يوم زفافها أصدق شاهدٍ على أن الحب الصادق لا يضعف بالفراق، بل يسمو بالدعاء، ويخلد بالوفاء.أرى أن هذه الخاتمة أكثر قوة وأدبية، وتمنح المقال نهاية هادئة وعميقة تظل عالقة في ذهن القارئ.
