2026-02-04

الأستاذ أبُو العِلم

 

دكتور محمد الشافعي 

أستاذك هو الذي تربطك به أبوَّة العلم والتعليم، وهو الذي يأخذ من نفسه ليُعطيك، قد لا يكون أعطاك كل ما تتمناه، لكن تأكد أنَّه أعطاك كل ما يملك"

الأستاذ هو الأب الثاني، غير أن بنوّته ليست لحماً ولا دماً، بل روحاً وعقلاً وعلماً. هو ذاك الذي يزرع في أرضك الجرداء بذور المعرفة، ويرويها من عرق جبينه وصبره، ثم ينتظر بصمت أن يراك شجرة باسقة مثمرة، ولو كان هو قد جفّت أغصانه من التعب.

الأستاذ لا يعطيك ما تشتهي نفسك دائمًا، لكنه يمنحك ما في جعبته بأمانة المعلّم وحرص الأب. قد تظنّ أن عطاياه قليلة، غير أنك إن فتّشت في عمقها وجدت أنها أثمن مما تبتغيه؛ فهو لا يزرع فيك معلومة وحسب، بل يورثك طريق التفكير، ويهديك البوصلة التي تعينك على السير في صحراء الحياة.

وما أعظم من يُفني من عمره ليضيء عقول الآخرين! إن الأستاذ يشبه الشمعة؛ تذوب في صمت لتضيء لك دربك، لا تشكو ذوبانها، ولا تطلب ثمناً، إلا أن ترى في عينيك بريق الفهم، وعلى وجهك ملامح النجاح. هو المرآة التي تعكس لك ذاتك، واليد التي تنتشلك إذا تعثرت، واللسان الذي يذكّرك بقيمة نفسك حين تكاد تنساها.

فليُدرك كل طالب أن أستاذه قد لا يملك عصاً سحرية يهب بها ما يشتهي، لكنه يملك كنزاً من الخبرة والتجربة يهديه بكل صدق. وإن قصُرت يده عن بلوغ ما تبتغي، فذلك لأن حدود الإنسان محدودة، أما إخلاصه فبلا حدود.

الأستاذ أبٌ من نوع آخر؛ أبوة العلم أرسخ من أبوة الدم، لأنها تنحت الروح والعقل، وتصوغ الهوية والفكر. فطوبى لمن أدرك هذه الحقيقة، وطوبى لمن حمل لأستاذه في قلبه عرفاناً ووفاءً، فإن الوفاء للمعلم وفاء للعلم ذاته، والاعتراف بفضله اعتراف بإنسانيتنا التي ما كانت لتسمو لولا أياديهم البيضاء.

هدوء وسط العاصفة

 


دكتور محمد الشافعي 

المطر ينزل، والناس تتحدث، والقدر يدور في فلكه، فلا يد لك في إيقاف المطر، ولا سلطان لك على ألسنة البشر، ولا قوة لك لتطويع القدر كما تشاء. إن في الكون سننًا تجري بغير استئذانك، وأقدارًا تُساق دون أن تُستشار فيها، فلو قضيت عمرك كلَّه تحاول السيطرة عليها، لعشت في صراع لا ينتهي، وهزيمة لا تُداوى.

لكن عظمة الإنسان لا تكمن في أن يُمسك بزمام كل ما حوله، بل في أن يُحسن الإمساك بزمام نفسه. هنا الفارق بين من يغرق في العاصفة، ومن يحوِّلها إلى ريح تدفعه نحو المرفأ. المطر قد يكون وحلًا يثقل الخطى، وقد يكون ماءً يغسل الأرواح ويحيي الأرض بعد موتها. والناس قد يكون كلامهم سيفًا مسمومًا، وقد يكون صدىً فارغًا لا يستحق أن يُعطى انتباهًا. والحظ قد يبتسم أو يعبس، لكن العقل الواعي لا يعلّق مصيره على ابتسامة عابرة، بل يصنع مساره بالجهد والمثابرة.

ليست القوة في السيطرة على الخارج، بل في إحكام الرد على الداخل. رد الفعل هو مرآة النضج، وهو الفاصل بين الضعف والحكمة. من امتلك نفسه ساعة الغضب، ومن اختار الصبر ساعة البلاء، ومن فضّل الرضا ساعة الحرمان، فقد ملك ما لم يملكه سلطان ولا ثري.

فالطريق إلى السكينة لا يُعبّد بمنع المطر ولا بإسكات الناس ولا بترويض الحظ، بل يُفتح حين نتعلم أن نكون أسياد ردود أفعالنا. وحينئذٍ، يصبح المطر موسيقى، وكلام الناس هواءً عابرًا، والحظ تفصيلًا صغيرًا في كتاب الإرادة.