دكتور محمد الشافعي
كثيرٌ من الناس يظنون أن الرد على الإساءة لا يكون إلا بإساءةٍ مثلها، وأن مواجهة أصحاب الطباع الرديئة لا تتم إلا بالصدام المباشر والخصومات العلنية. غير أن التجارب علمتنا أن بعض الرسائل غير المباشرة تكون أشد أثرًا وأبقى وقعًا من آلاف الكلمات الصريحة.
فالإنسان الواثق من نفسه لا يشغل وقته بتتبع الصغائر، ولا ينحدر إلى مستويات لا تليق به. يكفيه أحيانًا أن يكتب فكرة عامة، أو ينشر خاطرة عن بعض الصفات المذمومة، فيجد أصحاب تلك الصفات أنفسهم أول من يتوتر وأول من يظن أن الحديث موجه إليه. وهنا تكمن المفارقة؛ فالكلمات لم تذكر اسمًا، ولم تُشر إلى شخص بعينه، لكن الضمير الحي أو النفس القلقة تعرف موضعها من الكلام.
إن من يحمل في داخله قدرًا من الاستقامة يمر على مثل هذه المنشورات مرور الكرام، أما من اعتاد السلوكيات السيئة فإنه يتوقف عندها طويلًا، ويبحث بين السطور عن نفسه، لأنه يعلم في أعماقه أن الوصف يلامس جانبًا من حقيقته.
ولذلك فإن أفضل رد على بعض الأشخاص ليس الجدال ولا المشاحنات، وإنما الارتقاء عنهم. اكتب ما تؤمن به من قيم، وانشر ما تراه من مبادئ، ودع الكلمات تؤدي رسالتها. فمن كان صاحب خلق حسن سيأخذ منها العبرة، ومن كان صاحب خلق سيئ فغالبًا سيعتبرها اتهامًا شخصيًا، حتى وإن لم يكن المقصود بها أحد.
وفي النهاية، تبقى الكلمة الهادئة أبلغ من الصراخ، ويبقى التلميح الحكيم أحيانًا أقوى من المواجهة المباشرة. فليس كل سهم يُرى وهو ينطلق، لكن بعض السهام يصيب هدفه بدقةٍ بالغة دون أن يراه أحد.عنوان مقترح:
