2026-03-09

لوحة مرنبتاح

 


كتب الاثري عمر صلاح 

يروّج هذا المنشور أن لوحة مرنبتاح تمثل أول توثيق تاريخي لوجود إسرائيل خارج النصوص التوراتية، وأن ذلك حقيقة منقوشة على الحجر.

هذا الطرح، رغم شيوعه، فهو لا يعكس القراءة العلمية الدقيقة للنص المصري القديم، بل يعتمد على تعميمٍ يتجاوز ما يذكره نص اللوحة نفسها، والتي هي نصب تذكاري من الجرانيت يعود وجهها Recto Side أصلاً إلى عهد الملك أمنحتب الثالث، وأُعيد إستخدام ظهرها Verso Side في عهد الملك مرنبتاح (الأسرة 19)، وتوثّق انتصاراته العسكرية، خاصة ضد الليبيين وحلفائهم، وفي منتصف السطر 27، يَرِد ذكر حملة في كنعان، التي كانت آنذاك ضمن نطاق نفوذ الدولة المصرية.

يَرِد في هذا السطر من اللوحة اسم يُقرأ في المصرية القديمة يسـ.ريار ysrỉꜣr، وهو ما نُقِل في الدراسات الحديثة على أنه إسرائيل، وذكر الاسم وحده لا يكفي لتحديد طبيعة الكيان المقصود، وهنا تظهر أهمية القراءة اللغوية الدقيقة.

الاسم المذكور كُتب بعلامة تصويرية (مخصص الرجل والسيدة أسفلهما ثلاث شرط رأسية)، والتي تُستخدم في النصوص المصرية للدلالة على جماعة بشرية أو قوم،

ولم يُكتب بعلامة تصويرية تمثل الأرض أو المدينة أو الدولة، كما هو الحال مع كيانات جغرافية أخرى مذكورة في النص نفسه مثل كنعان وعسقلان وجازر.

وهذا يعني، علمياً وبلا تأويل افتراضي، أن اللوحة لا تتحدث عن دولة، ولا عن مملكة، ولا عن كيان سياسي ذي إقليم،

بل عن جماعة سكانية غير مستقرة.

الخلل المنهجي عند من ذكروا أنهم شعب اسرائيل يكمن في القفز من ذكر جماعة بشرية إلى توثيق وجود دولة أو كيان سياسي باسم إسرائيل، وهذا قفز غير علمي؛ لأن مجرد تشابه الأسماء لا يصنع تاريخاً سياسياً، ولأن التاريخ الأثري يُقرأ بالسياق والدلالة، لا بالأسماء المجردة.

أول من ضخّم دلالة هذا الاسم وربطه مباشرة بالسردية التوراتية كان عالم الآثار ويليام ماتيو فلندرز بتري، وهو باحث له وزنه، لكنه كان متأثراً بالقراءات الدينية السائدة في عصره، وتفسيره هذا كان اجتهاداً شخصياً، وليس نص اللوحة ذاته، وقد تجاوزه كثير من الباحثين اللاحقين بقراءات لغوية أكثر حياداً.

الدراسات الأثرية المعاصرة تتفق على أن لوحة الملك مرنبتاح

لا تُثبت وجود دولة باسم إسرائيل، ولا تشير إلى أرض ذات حدود، ولا عاصمة، ولا نظام حكم، ولا ملك، ولكنها تقدّم فقط ذكراً لجماعة بشرية ضمن سياق حملة عسكرية مصرية.

وبالتالي، فإن توظيف اللوحة كـ دليل تاريخي على وجود دولة بعينها هو استخدام أيديولوجي للنص، لا قراءة علمية له.

الأمانة العلمية تقتضي أن نقرأ الحجر كما هو… لا كما نرغب أن يكون.

ليست هناك تعليقات: