2026-03-03

حين لا يكون الصمت بطولة

 


مهندس عاصم شاكر 

كثيرًا ما نظن أن الصمت قوة، وأن احتمال الأذى رفعة، وأن كتمان الألم نُبلٌ يليق بأصحاب الكبرياء. نُقنع أنفسنا بأننا نصمد لأننا أصلب من الانكسار، وأوسع من الضيق، وأقدر على تجاوز ما يعجز عنه غيرنا. لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا، أن كل صمتٍ غير مبرَّر يترك في الروح شقًّا خفيًّا، وأن كل تحمّلٍ بلا حدود يراكم في الداخل ما لا يُحتمل.

ليست المشكلة في الصبر، فالصبر خُلُق الأنبياء والعظماء، ولكن في الخلط بين الصبر والرضوخ. الصبر اختيار واعٍ يُبقي الكرامة محفوظة، أما الرضوخ فاستسلامٌ يُفرّط في النفس شيئًا فشيئًا. الصبر يُقوّي، والرضوخ يُنهك. وبينهما خيطٌ دقيق لا يدركه إلا من جرّب أن يدفع ثمن سكوته غاليًا.

كم من مرةٍ سكتنا تجنبًا للصدام، فكان الصدام مؤجلًا في صدورنا!

وكم من مرةٍ احتملنا إساءةً بدعوى الحكمة، فإذا بالحكمة تتحول إلى جرحٍ صامت!

نحسب أن التغاضي فضيلة مطلقة، وننسى أن للفضائل حدودًا إذا تجاوزتها انقلبت إلى ضدها.

لقد تعلّمنا، وربما بعد طول عناء، أن التحمل ليس بطولة دائمة. البطولة الحقيقية أن نعرف متى نقول: كفى. أن نضع حدودًا واضحة لما نقبل وما نرفض، لا بدافع القسوة، بل بدافع احترام الذات. فالنفس التي لا نحميها لن يحميها أحد، والكرامة التي لا نصونها تضيع بين المجاملات الثقيلة والخوف من فقدان الآخرين.

أما الراحة، فليست ترفًا يُؤجَّل إلى حين فراغ الأيام، بل ضرورة تُشبه الماء والهواء. لا يستطيع إنسان أن يظل قويًا وهو محروم من الطمأنينة. الراحة ليست هروبًا من المسؤولية، بل استعادةٌ للتوازن. هي المساحة التي نلتقط فيها أنفاسنا لنعود أكثر صفاءً وقدرةً على العطاء.

أن تختار نفسك لا يعني أن تُقصي العالم، بل أن تُعيد ترتيب الأولويات. أن تُدرك أن حبك للآخرين لا ينبغي أن يكون على حساب سلامك الداخلي. قد نحب أشياء تُرهقنا، وأشخاصًا يُتعبوننا، وأماكن تُضيّق علينا. غير أن النضج يُعلّمنا أن الحب وحده لا يكفي مبررًا للاستمرار فيما يؤذينا.

الابتعاد أحيانًا فعل شجاعة، لا فعل ضعف. هو قرار يُتخذ بهدوء، لا باندفاع. قرار يُعيد للنفس حقها في السكينة، ويُذكّرها بأنها جديرة بحياةٍ لا تُدار كلها على حافة الاحتمال.

في نهاية الأمر، لا يُقاس الإنسان بقدر ما احتمل من الألم، بل بقدر ما حفظ من نفسه وسط العواصف. والقوة الحقيقية ليست في أن نصمد إلى ما لا نهاية، بل في أن نعرف متى نتوقف، ومتى نُصلح، ومتى نغادر.

فليس كل صمتٍ حكمة، ولا كل احتمالٍ فضيلة. أحيانًا تكون النجاة في كلمةٍ تُقال، وحدٍّ يُرسم، وخطوةٍ تُتخذ نحو حياةٍ أكثر اتزانًا… وأكثر رحمةً بالنفس.

ليست هناك تعليقات: