دكتور محمد العوادي
لم يكن التلفزيون حين ظهر في بيوت الناس مجرد جهاز للترفيه، بل كان نافذة على العالم. ولم يكن الإنترنت في بداياته إلا أداة للمعرفة والتواصل. لكن ما بدأ وسيلة نافعة تحوّل، مع مرور الوقت، إلى قوةٍ خفية تسحب الإنسان من واقعه رويدًا رويدًا، حتى باتت تلك الشاشات الصغيرة تتحكم في تفاصيل يومه ومزاجه وعلاقاته.
في المجتمع المصري، الذي كان يقوم في الأصل على دفء العلاقات العائلية والتواصل المباشر، حدث تحول عميق. جلس الأب يومًا أمام الهاتف، وغرق الابن في جهازه، وانشغلت الأم في متابعة شاشة أخرى، فصار البيت الواحد يجمع الأجساد ويُفرّق الأرواح. كل فرد يعيش في عالمه الرقمي الخاص، بينما الصمت يملأ المكان الذي كان يومًا يضج بالحكايات والضحكات.
المفارقة المؤلمة أن الهاتف والإنترنت أصبحا، عند كثيرين، أهم من العلاقات الإنسانية نفسها. يدفع البعض فاتورة الإنترنت بانتظام ودقة، وربما يضيق حاله في نفقات بيته، لكنه لا يحتمل أن تنقطع عنه الشبكة ساعة واحدة. وكأن الاتصال بالعالم الافتراضي صار ضرورة تفوق الاتصال بالأب أو الأم أو الزوجة أو الأبناء.
والأخطر من ذلك أن هذه الحالة لا تقف عند الكبار وحدهم. فحين ينشغل الآباء بالشاشات، يترك الأطفال ليقلدوهم دون توجيه أو رقابة. ينمو جيل كامل وهو يتعلم الحياة من هاتف صغير، لا من خبرة أبٍ حكيم ولا من حنان أمٍ يقظة. وهكذا تتحول التربية إلى مهمة مؤجلة، ثم إلى مهمة منسية.
ليست المشكلة في الإنترنت ولا في التلفزيون أنفسهما، فهما أدوات كبقية الأدوات. لكن الخطر الحقيقي يكمن في الاستسلام الكامل لهما حتى يسرقا وقت الإنسان وعلاقاته ووعيه. فالتكنولوجيا التي كان يفترض أن تخدم الإنسان، أصبحت في كثير من الأحيان تستعبده دون أن يشعر.
ربما لم تبدأ النهاية بعد، لكنها قد تبدأ حين ينسى الإنسان أن الحياة الحقيقية ليست خلف الشاشة، بل حوله: في حديثٍ مع أبٍ مسن، أو ضحكة طفل، أو جلسة عائلية بسيطة. هناك فقط تستعيد العلاقات معناها، ويستعيد الإنسان إنسانيته التي كادت تضيع في ضوء شاشة باردة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق