2026-03-17

احقر الناس

 


دكتور محمد العوادي 

ليس أقسى على النفس من أذى يقع عليها ظلمًا، بل الأشد مرارة أن يتحوّل المؤذي — في لحظة مراوغة — إلى مدّعٍ للبراءة، بل إلى ضحيةٍ مزعومة، كأنما انقلبت الموازين، واختلطت الحدود بين الجاني والمجني عليه. هناك، في تلك اللحظة الفارقة، لا يُجرح الإنسان من الفعل وحده، بل من هذا التزييف الوقح للواقع، حيث يُراد للحق أن يصمت، وللباطل أن يتكلم بلسانٍ واثق.

إن أحقر الناس حقًّا هو ذاك الذي لا يكتفي بإيذائك، بل يسلبك حقك في الشكوى، ويصوّرك — أمام نفسك أو أمام الآخرين — كأنك المعتدي. يمارس اعتداءه أولًا، ثم يلبس قناع المظلومية، فيستدرّ التعاطف، ويُحمّل غيره وزر ما اقترفت يداه. وهذه صورة من صور الخسة المركبة؛ إذ يجتمع فيها الظلم والكذب، ويُضاف إليهما استخفافٌ بعقول الناس ومشاعرهم.

وليس هذا المسلك وليد ضعفٍ عابر، بل هو خلل في الضمير، وفساد في إدراك الحقيقة. فصاحب هذا الطبع لا يرى في الاعتراف شجاعة، ولا في الاعتذار كرامة، بل يراهما تهديدًا لصورته التي يحرص على تلميعها ولو على حساب الحق. لذلك يلوذ بالإنكار، ويستعين بالتشويه، ويقلب الروايات حتى يبدو بريئًا، أو — في أسوأ الأحوال — مظلومًا.

وهنا يقف الإنسان النزيه أمام اختبارٍ عسير: أيدخل في دوامة الجدل، فيستهلك طاقته دفاعًا عن بداهةٍ لا تحتاج إلى برهان؟ أم يلوذ بصمتٍ يليق بوضوح الحق في داخله؟ إن صمت الحقيقة في مثل هذه المواقف ليس عجزًا، بل هو أحيانًا موقفٌ واعٍ، يترفّع عن الانحدار إلى مستوى التزييف. فالحقيقة، وإن سكتت، لا تموت، وإن غابت، لا تُمحى.

غير أن هذا الصمت لا يعني الاستسلام، بل هو ثقةٌ عميقة بأن ما حدث ثابتٌ في ميزان الواقع، لا تغيّره رواية مغلوطة، ولا تمحوه دعوى كاذبة. فالأذى لا يُمحى بإنكاره، والحق لا يُبدَّل بتزيينه، وما يُبنى على الوهم ينهار، ولو بعد حين.

وهكذا، يبقى المؤذي أسيرَ تناقضه، يحمل عبء كذبته فوق أذاه، بينما يمضي صاحب الحق — وإن أثقله الألم — ثابتًا، مستندًا إلى يقينٍ لا يتزعزع. فليس من العدل أن تُقاس الحقيقة بعلوّ الصوت، ولا أن يُحكم عليها بمهارة التمثيل؛ بل تُقاس بصفائها، وبقدرتها على البقاء.

وفي النهاية، قد تصمت الحقيقة، لكن صمتها ليس فراغًا… بل امتلاءٌ بكرامةٍ ترفض أن تنحدر، ويقينٌ ينتظر لحظته ليظهر، فيسقط القناع، وتنكشف الوجوه، ويعود لكلّ ذي حقٍ حقّه.

ليست هناك تعليقات: