دكتور محمد الشافعي
في مسيرة الحياة يلتقي الإنسان بوجوه كثيرة، ويظن في بعض اللحظات أن بينها من يستحق أن يُسمّى صديقًا. غير أن التجربة، بكل ما تحمله من اختبارات خفية، تكشف مع الزمن أن كثيرًا مما نطلق عليه اسم الصداقة ليس إلا صحبة عابرة فرضتها الظروف، أو جمعها طريق واحد في مرحلة من مراحل العمر.
الصداقة في معناها الحقيقي قيمة نادرة، تقوم على الإحساس الصادق بالآخر، وعلى قدرة الإنسان أن يرى ما وراء الكلمات. فالصديق الحق لا يحتاج إلى تصريح بالألم، ولا ينتظر شكوى تُقال صراحة؛ بل يدرك التغيّر في النبرة، ويقرأ ما يخفيه الصمت، ويشعر بالانكسار قبل أن يُعلن. أما من يمرّ بجانب وجعك دون أن يلتفت، أو يرى انطفاءك ولا يسأل، فذلك ليس صديقًا بالمعنى العميق للكلمة، مهما طالت العشرة أو كثرت اللقاءات.
ولعل أقسى ما يكتشفه الإنسان مع مرور الأيام أن كثيرًا من العلاقات التي ظنها راسخة لم تكن سوى صحبة مرحلة. يجمع الناس فيها مكان واحد، أو عمل مشترك، أو ظرف مؤقت؛ فإذا تغيّرت الظروف تلاشت تلك الروابط كما يتلاشى الضباب عند أول شعاع للشمس. وحينها يدرك المرء أن ما كان يظنه صداقة لم يكن في الحقيقة إلا توافقًا عابرًا صنعته اللحظة.
من هنا تنشأ خيبة الأمل؛ لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق المعاني الجميلة، ويريد أن يرى فيمن حوله صدق المودة وعمق الوفاء. لكنه حين يواجه حقيقة البرود الإنساني، أو غياب الإحساس، يكتشف أن الاسم الذي كان يمنحه للعلاقة أكبر بكثير من حقيقتها.
ليس في ذلك دعوة إلى القسوة أو الانعزال، بل إلى قدر من الوعي. فالعلاقات الإنسانية ليست كلها على درجة واحدة من العمق. بعضها مجرد صحبة طريق، وبعضها معرفة عابرة، والقليل جدًا هو الذي يرتقي إلى مرتبة الصداقة الحقيقية.
لذلك ربما يكون من الحكمة أن يخفف الإنسان من توقعاته، وأن يتعامل مع الناس بقدر ما يظهرون من صدق. فإذا لم يشعر أحد بوجعك، ولم يلتفت إلى غيابك أو ضيقك، فالأجدر ألا تمنحه في قلبك مكانًا أكبر مما يستحق. فالقيمة الحقيقية لأي علاقة لا تقاس بعدد السنوات، بل بعمق الإحساس وصدق الحضور.
وهكذا يظل الإنسان يمضي في حياته بين وجوه كثيرة، يتعلم مع كل تجربة أن الصداقة ليست كلمة سهلة تُقال، بل معنى نادر لا يظهر إلا في القلوب التي تعرف كيف تشعر، وكيف تبقى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق