2026-03-18

النسيان الواجب

 


دكتور محمد الشافعي 

اللي غيابه مقصود نسيانه واجب

ليست كل الغيابات سواء؛ فهناك غياب تفرضه الظروف، وآخر تمليه الأقدار، وثالثٌ يختاره الإنسان عن وعيٍ وإرادة. وهذا الأخير هو أخطرها وأوضحها دلالة، لأنه لا يأتي صدفة ولا يقع سهوًا، بل يُرتَّب له في صمت، ويُمارَس بإصرار. ومن هنا كانت العبارة: "اللي غيابه مقصود نسيانه واجب" تعبيرًا مكثفًا عن موقفٍ نفسي وأخلاقي، لا عن مجرد رد فعل عابر.

فالإنسان الذي يختار أن يغيب، إنما يختار في الحقيقة أن يُقصي نفسه من حياتك. لا ينسحب ليلتقط أنفاسه، ولا يبتعد ليعيد ترتيب أوراقه، بل ينسحب ليُعلن – دون كلمات – أنه لم يعد يرى في القرب قيمة، ولا في التواصل ضرورة. وهذا النوع من الغياب لا يحتاج إلى تفسير، لأن تكراره كفيل بأن يكون تفسيرًا بحد ذاته.

والمشكلة ليست في الغياب ذاته، بل في إصرار البعض على تأويله حسنًا، والتماس الأعذار له، والتمسك بخيوطٍ واهية من الذكريات. هنا يتحول الإنسان من طرفٍ متأذٍ إلى شريكٍ في إيذاء نفسه، حين يُصر على انتظار من قرر أن لا يأتي، وعلى التعلق بمن حسم أمره بالرحيل.

إن النسيان في هذه الحالة ليس خيانة للذكريات، بل وفاء للنفس. هو فعل مقاومة ضد الاستنزاف العاطفي، وقرار واعٍ بقطع طريقٍ لا يؤدي إلا إلى الخيبة. فكما أن للحضور قيمة، فإن للغياب رسالة، ومن لم يفهم الرسالة، سيظل أسيرًا لوهمٍ لا ينتهي.

والحقيقة أن الكرامة الإنسانية لا تحتمل هذا النوع من العلاقات المختلة؛ حيث يبذل طرفٌ كل شيء، بينما يختار الآخر الغياب ببرود. لذا، فإن النسيان هنا ليس خيارًا عاطفيًا فقط، بل ضرورة أخلاقية تحفظ للإنسان توازنه، وتعيد إليه اعتباره.

في النهاية، ليس كل من غاب يُنسى، ولكن من تعمد الغياب، وأسرف فيه، وأغلق أبواب الوصل بإرادته، فقد كتب بنفسه نهاية حضوره. وعندها، يصبح النسيان ليس قسوة، بل عدلًا.

ليست هناك تعليقات: