2026-03-18

فخ الأفضل

 


دكتور محمد العوادي 

في زمنٍ تتسارع فيه المقارنات، وتُفتح فيه أبواب الاختيار على مصاريعها، يقع الإنسان في فخٍّ خفيٍّ اسمه “وهم الأفضل”. يظنّ أن السعادة كامنة هناك، في ذلك الخيار الذي يبدو أكثر بريقًا، أو أكثر كمالًا، أو أكثر جذبًا للأنظار. فيركض، ويُجهد نفسه، ويبدّد طاقته، ظنًّا منه أنه إن بلغ “الأحسن” فقد أدرك الغاية وانتهى السعي.

غير أن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، أن “الأحسن” مفهومٌ زئبقيّ لا يستقرّ على حال؛ فما تراه اليوم قمّةً، قد يبدو غدًا عاديًّا، وما تظنّه نهاية المطاف، قد يظهر بعده ما هو أرفع وأكمل. وهكذا يدخل الإنسان في دوّامة لا تنتهي من المقارنة والقلق، فيفقد لذّة الحاضر، ويُضيّع فرصة الطمأنينة.

إن السعي الدائم وراء “الأحسن” لا يصنع بالضرورة حياةً أفضل، بل قد يزرع في النفس قلقًا دائمًا، وشعورًا خفيًّا بالنقص، وكأن ما بين يديك لا يكفي، أو لا يرقى لما تستحق. وهنا تكمن المفارقة: كلما اقتربت من “الأفضل”، ازداد شعورك بأن هناك ما هو أفضل منه، فتظلّ أسير هذا السباق الذي لا خطّ نهاية له.

أما “الأنسب”، فهو اختيار مختلف في جوهره. ليس هو الأكثر لمعانًا، ولا الأعلى شأنًا في أعين الناس، بل هو ما يوافقك، ويشبهك، وينسجم مع طبيعتك وظروفك. هو ما يمنحك سكينة داخلية لا تُقاس بالمقاييس الظاهرة، بل تُدركها النفس في هدوءها واطمئنانها.

الأنسب هو ما تشعر معه أنك لست مضطرًا للتكلّف أو التزيّف، ما يتيح لك أن تكون على سجيتك دون خوف أو ضغط. هو الذي يوفّر لك بيئة من الراحة النفسية، ويمنحك إحساسًا بالأمان، ذلك الأمان الذي لا يُشترى، ولا يُقارن، ولا يُعوّض.

وفي العلاقات، كما في العمل، كما في اختيارات الحياة الكبرى، قد يكون “الأحسن” أكثر إثارة في البداية، لكنه ليس بالضرورة أكثر ثباتًا أو عمقًا. بينما “الأنسب” قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره استقرارًا طويل الأمد، وراحة لا تعادلها مكاسب ظاهرية.

إن الحكمة ليست في أن نصل إلى أعلى ما يمكن، بل في أن نصل إلى ما يناسبنا حقًا. فالحياة ليست سباقًا نحو القمم بقدر ما هي رحلة بحث عن التوازن. والتوازن لا يتحقق إلا حين نختار ما يوافق أرواحنا، لا ما يُبهر أعين الآخرين.

فلا تُرهق نفسك بمطاردة سراب “الأحسن”، ولا تجعل المقارنة تحجب عنك نعمة الرضا. اختر “الأنسب”، لأن فيه غالبًا ما تبحث عنه حقًا: راحة لا تُكلّفك، واستقرار لا يُقلقك، وأمان يُشعرك أنك وصلت، لا أنك ما زلت في الطريق.

ليست هناك تعليقات: