2026-06-14

أخلاق النقاش

 

دكتور محمد الشافعي 

من أجمل ما يتحلّى به الإنسان في حياته الأدبُ في الحديث، والرقيُّ في النقاش، واحترامُ الآخرين مهما اختلفت الآراء وتباينت المواقف. فالحوار الراقي ليس ساحةً للانتصار على الخصوم، وإنما هو وسيلةٌ لتبادل الأفكار، وتقارب العقول، والوصول إلى الحقيقة أو الاقتراب منها.

وليس من الضروري أن نتفق جميعًا في الرأي حتى يسود بيننا الاحترام. فالاختلاف سنةٌ من سنن الحياة، وطبيعةٌ بشرية لا يمكن إلغاؤها. ولو تشابهت العقول والاتجاهات والأفكار لفقدت الحياة كثيرًا من ثرائها وتنوعها. لذلك فإن الإنسان الواعي هو الذي يدرك أن مخالفة الآخرين له لا تعني بالضرورة خطأهم، كما أن موافقتهم له لا تعني دائمًا صواب رأيه.

ومن المؤسف أن يتحول بعض النقاش إلى ساحة للتجريح أو السخرية أو تسفيه آراء الآخرين. فضعف الحجة يدفع بعض الناس إلى رفع الصوت، بينما قوة المنطق تجعل صاحبها أكثر هدوءًا واتزانًا. إن احترام الرأي المخالف لا يعني القناعة به، وإنما يعني احترام حق صاحبه في التعبير عنه بأدب وحرية.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للتربية والأخلاق؛ فالتربية السليمة تُعلِّم الإنسان كيف يستمع قبل أن يتحدث، وكيف يردُّ بالحجة لا بالإهانة، وكيف يحافظ على كرامة الآخرين حتى وهو يختلف معهم أشد الاختلاف. أما الأخلاق الرفيعة فهي التي تجعل الإنسان يزن كلماته قبل أن ينطق بها، ويُدرك أن الكلمة الجارحة قد تترك أثرًا لا تمحوه الأيام.

إن المجتمعات الراقية لا تُقاس بمدى اتفاق أفرادها، وإنما بقدرتهم على إدارة اختلافاتهم باحترام وتحضر. فالأدب في النقاش ليس مجرد أسلوبٍ جميل، بل هو انعكاسٌ لشخصيةٍ متزنة، وعقلٍ ناضج، وخلقٍ كريم. 

وما أحوجنا اليوم إلى نشر ثقافة الحوار الراقي، وإلى أن نتذكر دائمًا أن الرأي يُناقش، أما الأشخاص فيجب أن يبقوا موضع احترام وتقدير.

فالتربية ليست كلمات تُقال، والأخلاق ليست شعارات تُرفع، بل هما سلوكٌ يظهر في طريقة حديثنا، وأسلوب اختلافنا، وقدرتنا على احترام الآخرين مهما تباينت آراؤهم معنا.

الإنسانية... أرقى ما يُوصف به الإنسان

 


دكتور محمد الشافعي 

ليست كل الأوصاف سواء، فهناك أوصافٌ تمر على السمع مرورًا عابرًا، وهناك أوصافٌ تتوقف عندها النفوس طويلًا لما تحمله من عمقٍ وجلال. ومن أسمى هذه الأوصاف وأرقاها أن يُقال عن شخصٍ ما: "إنه إنسان".

وما أعظمها من كلمة، وما أوسعها من معنى. فهي ليست مجرد وصفٍ لكائنٍ ينتمي إلى الجنس البشري، بل شهادة أخلاقية وإنسانية رفيعة، تختزل في حروفها منظومة كاملة من القيم النبيلة والمشاعر الراقية والمواقف المشرّفة. إنها كلمة تحتاج إلى شروحٍ وشروح، لأنها تشير إلى إنسانٍ تجسدت فيه معاني الرحمة والصدق والضمير والوفاء، حتى غدا حضوره مصدر راحةٍ لمن حوله، وأصبحت أفعاله ترجمة حقيقية لمعنى الإنسانية.

فالإنسان بحق هو ذلك الشخص الذي يملك من الرقي ما يجعله حافظًا للغير، حريصًا على مصالحهم، ساعيًا إلى خيرهم، لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا. يساعد بقدر ما يستطيع، فإن عجز عن المساعدة بالفعل لم يبخل بالكلمة الطيبة أو بالنصيحة الصادقة أو بالمواساة التي تخفف وطأة الألم عن القلوب.

والإنسانية في جوهرها تعاطف ورحمة. هي القدرة على الشعور بآلام الآخرين وكأنها جزء من آلامنا، والقدرة على مشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم بصدقٍ وإخلاص. فالقلوب الرحيمة لا تنظر إلى معاناة الآخرين بوصفها شأنًا يخصهم وحدهم، بل تراها مسؤولية أخلاقية تستدعي المساندة والعون والاحتواء.

ومن معاني الإنسانية كذلك الوعي الحي والضمير اليقظ. فالإنسان النبيل هو من يميز بين الخير والشر، ويملك الشجاعة الكافية لمراجعة نفسه والاعتراف بأخطائه وتصحيحها. إنه لا يبحث عن المبررات بقدر ما يبحث عن الحقيقة، ولا يرى في الاعتذار انتقاصًا من قدره، بل دليلًا على نبل أخلاقه وسمو نفسه.

كما تتجلى الإنسانية في التسامح وقبول الآخر، إذ يدرك الإنسان الحقيقي أن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن التنوع الفكري والثقافي والإنساني لا ينبغي أن يكون سببًا للتنافر أو الكراهية، بل بابًا للفهم والتعايش والاحترام المتبادل. فهو يتعامل مع الناس جميعًا من منطلق الكرامة الإنسانية المشتركة، لا من منطلق الأحكام المسبقة أو التصنيفات الضيقة.

وحين يقال في مجتمعاتنا: "هذا إنسان بروح نقية"، أو "هذا موقف ينبض بالإنسانية"، فإن المقصود بذلك شخص انتصر للقيمة البشرية فوق كل اعتبار آخر. شخص قدّم الإنسان على المصلحة، والرحمة على المنفعة، والواجب الأخلاقي على المكاسب العابرة. إنه الإنسان الذي يسمو فوق الأنانية والجشع، ويجعل مشاعر الآخرين وحقوقهم في مقدمة أولوياته.

والإنسانية الحقة لا تنفصل عن الأصالة والصدق. فهي تظهر في نقاء المشاعر، وفي اللطف الذي لا تصنع فيه، وفي الصدق الذي يخلو من الزيف، وفي المعاملة التي تقوم على الاحترام والتقدير بعيدًا عن القسوة أو التعالي أو الخداع. فالنفوس النبيلة لا تحتاج إلى أقنعة، لأن جمالها الحقيقي ينبع من داخلها.

كما أن الإنسانية تحمل في طياتها شعورًا عميقًا بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع. فالإنسان الحق لا يقف متفرجًا أمام الظلم أو المعاناة، بل يشعر بواجبٍ يدفعه إلى نصرة الضعيف، وإغاثة الملهوف، ومساندة المحتاج، والدفاع عن الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

غير أن الإنسانية ليست شعارات تُرفع في المناسبات، ولا كلماتٍ جميلة تُقال في المجالس، وإنما هي ممارسة يومية تتجلى في أبسط التفاصيل وأدق المواقف. تظهر في كلمة طيبة تجبر خاطرًا منكسرًا، وفي ابتسامة صادقة تمنح الأمل لقلبٍ مثقل، وفي احترام كرامة عامل بسيط، وفي مراعاة مشاعر شخص يمر بظرفٍ قاسٍ، وفي تقديم المصلحة العامة والعدالة على الرغبات الشخصية المؤقتة.

إن الإنسانية هي ذلك النور الذي يضيء الروح، وذلك السمو الذي يجعل الإنسان يرتفع فوق نزعات القسوة والأنانية، ليصبح مصدرًا للأمان والسكينة لمن حوله. وهي المقياس الحقيقي لقيمة الإنسان، فليس أعظم من علمٍ أو مالٍ أو منصبٍ إذا خلا من الإنسانية، وليس أجمل من قلبٍ امتلأ رحمةً وصدقًا وعطاءً.

وفي النهاية، يبقى الوصف الأجمل والأكثر نبلاً أن يُقال عن المرء بعد رحلة عمره الطويلة: كان إنسانًا بحق، فترك في القلوب أثرًا طيبًا، وفي النفوس ذكرى جميلة، وفي الحياة معاني لا تموت.

2026-06-13

ملامح القلوب

 


دكتور محمد الشافعي 

ليس الجمال الحقيقي ما تصنعه المساحيق، ولا ما ترسمه الأزياء، ولا ما تمنحه المظاهر العابرة من بريق مؤقت. فهناك جمال أعمق وأصدق، لا تلتقطه العدسات بسهولة، ولا يمكن اقتناؤه بالمال أو اكتسابه بالتكلف، إنه الجمال الذي ينبع من الداخل، من القلب حين يكون نقيًّا عامرًا بالمحبة والخير والصدق.

ولعل من أصدق العبارات التي قيلت في هذا المعنى: "كلُّ إنسانٍ له طلّةٌ تشبه قلبهُ، مَن طابَ قلبهُ، طابَت ملامِحهُ دون أن يتجمّل." فالقلب ليس مجرد عضو يضخ الدم في الجسد، بل هو مصدر المشاعر والأخلاق والانفعالات، وما يختزنه من صفاء أو كدر ينعكس على الوجه والهيئة والسلوك.

إن الإنسان الطيب قد لا يكون صاحب ملامح مثالية وفق مقاييس الجمال المتغيرة، لكنه يمتلك حضورًا خاصًّا يبعث الراحة في نفوس من حوله. ترى في عينيه صدقًا، وفي ابتسامته دفئًا، وفي حديثه لطفًا، فتشعر تجاهه بالألفة حتى قبل أن تعرفه. وكأن القلب الطيب يرسل رسائله الصامتة إلى الآخرين عبر تفاصيل الوجه ونبرات الصوت وحركات الجسد.

وعلى النقيض من ذلك، قد يمتلك بعض الناس قدرًا كبيرًا من الوسامة أو الجمال الظاهري، لكن القسوة والحسد وسوء النية تترك آثارها مع مرور الزمن على ملامحهم. فالنفوس المظلمة تسرق من أصحابها إشراقة الوجه، مهما حاولوا إخفاء ذلك خلف الأقنعة المختلفة. إذ لا يستطيع الإنسان أن يخفي حقيقة قلبه إلى الأبد، لأن الطباع تتسرب دائمًا إلى الملامح، وتفضحها التصرفات والمواقف.

ومن يتأمل وجوه الكبار الذين أفنوا أعمارهم في الخير والعطاء، يجد فيها سكينة عجيبة وجمالًا هادئًا لا علاقة له بالعمر أو الشكل. إنها آثار سنوات من التسامح والرحمة والرضا. فالقلوب المطمئنة تمنح أصحابها نورًا معنويًّا يجعلهم أكثر قبولًا ومحبة في أعين الناس.

لذلك فإن أجمل ما يمكن أن يعتني به الإنسان ليس مظهره الخارجي فحسب، بل قلبه قبل كل شيء. فتهذيب النفس، وحسن الظن بالناس، والابتعاد عن الأحقاد، وممارسة الرحمة والصدق، كلها أمور تصنع جمالًا لا يذبل مع الزمن. بل إن هذا الجمال يزداد رسوخًا كلما تقدمت السنوات وتبدلت الملامح.

إن الوجوه مرايا للقلوب، وما يستقر في الداخل يجد طريقه حتمًا إلى الخارج. ومن أراد طلّةً جميلةً حقًّا، فليجعل قلبه جميلًا أولًا؛ لأن القلب الطيب لا يكتفي بأن يجمّل صاحبه، بل يجمّل العالم من حوله أيضًا.

2026-06-12

الإعلام بين الحضور والاحتراف

 


دكتور محمد العوادي 

أتعجب دومًا من أداء بعض الإعلاميين، ويزداد عجبي من آليات اختيارهم للظهور على الشاشات وتصدُّر المشهد الإعلامي. فالإعلام ليس مجرد وجه مألوف أو صوت يصل إلى المتلقي، بل هو رسالة ومسؤولية وثقافة وقدرة على التأثير في الرأي العام وصياغة الوعي الجمعي. ولهذا فإن أي خلل في اختيار القائمين على هذه المهمة ينعكس بصورة مباشرة على جودة المحتوى واحترام عقل المشاهد.

المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن بعض مقدمي البرامج يفتقرون إلى أبسط مقومات المهنة؛ فمنهم من لا يمتلك أدوات الحوار، ومنهم من يعاني ضعفًا واضحًا في الإلقاء، ومنهم من يتحدث بسرعة مفرطة تجعل المتابعة مرهقة، ومنهم من يبدو وكأنه مجرد ناقل لما يُملى عليه عبر سماعة الأذن دون أن يضيف رؤية أو تحليلًا أو شخصية مهنية مستقلة.

والأكثر إزعاجًا أن بعض المحاورين لا يدركون أن الحوار فن قائم بذاته. فبدلًا من طرح سؤال واضح ومختصر يتيح للضيف التعبير عن أفكاره، نجد المذيع أو المذيعة يستغرق في شرح السؤال وتفسيره والتعليق عليه، وربما الإجابة عنه أيضًا، ثم لا يترك للضيف إلا دقائق معدودة أو كلمات مقتضبة. وهنا يفقد الحوار قيمته ويتحول إلى استعراض من طرف واحد، بينما يكون المشاهد هو الخاسر الأكبر.

إن الإعلام الحقيقي لا يقوم على الصخب ولا على كثرة الحركة والكلمات، بل على المعرفة والاتزان والقدرة على إدارة النقاش بذكاء واحترام. فالمذيع الناجح هو من يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يسأل ومتى يترك المجال للإجابة، وهو الذي يحترم ضيفه كما يحترم مشاهديه، فلا يستخف بعقولهم ولا يظن أن الإثارة المصطنعة يمكن أن تكون بديلًا عن المحتوى الجاد.

لقد كانت البرامج الجادة في الماضي ساحات للنقاش الراقي وتبادل الأفكار، وكان المذيع المثقف جزءًا من قيمة البرنامج وسببًا رئيسيًا في نجاحه. أما اليوم، ففي كثير من الأحيان أصبح الشكل يتقدم على الجوهر، وأصبحت معايير الظهور الإعلامي لا تعكس دائمًا الكفاءة أو الثقافة أو المهنية.

ويبقى السؤال مطروحًا: أين الإعلامي الذي يقرأ قبل أن يتحدث؟ وأين المحاور الذي يحترم عقل المشاهد ويخاطبه باعتباره شريكًا في المعرفة لا مجرد متلقٍ سلبي؟ وأين البرامج التي تناقش قضايا المجتمع بعمق وموضوعية ورقي؟

إن نهضة الإعلام لا تبدأ من الاستوديوهات الفاخرة ولا من التقنيات الحديثة، بل تبدأ من الإنسان القادر على حمل الرسالة الإعلامية بأمانة وكفاءة واحترام. فالإعلام الذي لا يحترم عقل جمهوره يفقد قيمته، مهما كثرت شاشاته واتسعت مساحاته.

شاي فتله

 


مهندس عاصم شاكر 

عاوزك كل مرة تشرب شاي فتلة تفتكر المعلومة دي وتحكيها للي قاعدين معاك:

سنة ١٩٠٨ واحد من اكبر تجار الشاي في مدينة نيويورك الأمريكية اسمه " توماس سيليفان” كان عاوز يبعث عينات للموريدن من الشاي علشان يجربوها قبل ما يشحنها ليهم..

فحط عينات الشاي في اكياس حريرية صغيرة من باب التجديد على اساس انهم هياخدوا العينات من داخل الكيس ويجربوها، لكن اللي حصل هو انهم مفهموش وافتكروا ان اكياس الحرير دي بتعمل عمل مصفاة الشاي فراحوت حاطينها زي ماهي وصبوا عليها الماء الساخن والعجيب ان الطعم والنكهة كانت افضل..

وارسلوا ليه بعدها ان فكرة اكياس الحرير دي كانت رائعة وان نكهة الشاي كانت اوضح واقوى، وهنا جاءت للعم " توماس" الفكرة وبدأ اختراعه اللي هيبقى في العالم كله، وهو انه بدأ تصنيع الشاي وبيعه داخل اكياس الحرير واللي احنا عارفينه دلوقت بالشاي الفتلة..


هامش عالسريع:

-في البداية كان الشاي بيوضع في اكياس حرير بس ده كان مُكلف وزوّد سعر الشاي، ومكنش بيشتريه غير نخبة المجتمع، وبعدين تطور لانهم يستبدلوه بالشاش، ومع مرور الوقت اصبح كيس الشاي ورقي وهو المستخدم لحد الآن..

-الشاي اصلًا تم اكتشافه عن طريق الصدفة في الصين سنة 2737 ق.م واللي حصل ان احد المزارعين كان بيغلي مياه وسقطت فيها ورقة شاي، ولما ذاق الخليط عجب المزارع وانتشر بعدها في الصين كلها ومنه لبقية العالم..

صدق المحاولة



 

دكتور محمد العوادي 

ليس الجمال دائمًا في الملامح، ولا في الكلمات المنمقة، ولا في الصورة التي يراك الناس من خلالها. ثمة جمال أعمق وأبقى، جمال يسكن الروح ويظهر في تفاصيل السلوك اليومي، في تلك المحاولات الصادقة التي يبذلها الإنسان ليكون أفضل مما كان عليه بالأمس.

كم من إنسان يستيقظ كل صباح وهو يحمل همومه وتحدياته، ثم يقرر رغم ذلك أن يواصل السعي، وأن يقاوم أخطاءه، وأن يصلح ما استطاع من شأنه. 

قد ينجح أحيانًا، وقد يتعثر كثيرًا، لكن قيمة الأمر لا تكمن في عدد النجاحات بقدر ما تكمن في صدق الإرادة ونبل المقصد.

إن الإنسان الذي يجاهد نفسه ليحل مشكلاته بدلًا من الهروب منها، والذي يحاول أن يخفف الأذى عن الآخرين بدلًا من أن يكون مصدرًا له، والذي يراجع أخطاءه ويعترف بتقصيره ويسعى إلى الإصلاح، هو إنسان يمتلك قدرًا كبيرًا من الجمال الإنساني، حتى وإن لم يلتفت أحد إلى ذلك، وحتى وإن لم ينل كلمات الثناء والتقدير.

ولعل من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يربط المرء قيمته بنظرة الآخرين إليه. فينتظر منهم شهادة تؤكد له أنه جيد، أو كلمة تطمئنه بأنه يسير في الطريق الصحيح. والحقيقة أن أعين الناس متقلبة، وأحكامهم تختلف باختلاف مصالحهم وطبائعهم وظروفهم، فلا يجوز أن تكون مرآتهم هي المقياس الوحيد الذي نزن به أنفسنا.

إن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان هو أن يعرف قيمة جهده الصادق، وأن يدرك أن المحاولة الشريفة في حد ذاتها فضيلة. فالنجاح ليس دائمًا في الوصول، بل قد يكون أحيانًا في الإصرار على السير رغم مشقة الطريق. وقد تكون أعظم الانتصارات تلك التي لا يراها أحد سوى صاحبها وربه.

لذلك، لا تجعل تقديرك لنفسك رهينًا بإعجاب الآخرين أو اعترافهم. انظر إلى قلبك، وتأمل نواياك، وراجع محاولاتك الصادقة في الإصلاح والبناء والخير. فإذا وجدت أنك تسعى لأن تكون إنسانًا أفضل، وتحاول أن تنفع من حولك، وتجتهد ألا تؤذي أحدًا، فاعلم أن فيك جمالًا حقيقيًا يستحق الاحترام.

ابقَ مؤمنًا بقيمة هذا الجمال، وتمسك بصدق المحاولة، ولا تنتظر أن تراه في عيون الآخرين قبل أن تراه في نفسك. فبعض أجمل الأشياء في الحياة لا تحتاج إلى شهادة من أحد كي تكون جميلة.

حنين إلى خشبة المسرح

 



دكتور محمد الشافعي 

ثمة أماكن لا تغادر القلب مهما ابتعدنا عنها، وثمة تجارب تظل تسكن الوجدان وإن حالت بيننا وبينها السنون والظروف. ومن بين تلك الأماكن تبقى خشبة المسرح عالمًا فريدًا لا يشبه سواه، عالمًا يملك قدرة عجيبة على أسر الروح وإشعال الخيال واستنطاق أعماق الإنسان.

وما يفتقده المرء أحيانًا ليس مجرد الوقوف أمام جمهور أو سماع التصفيق في نهاية العرض، بل تلك الحالة الإنسانية النادرة التي يمنحها المسرح لمن يعشقه حقًا. فالمسرح الحقيقي ليس ذلك الذي يقوم على الضحك العابر أو النكات السريعة التي تُستهلك في لحظتها ثم تُنسى، وإنما هو الفن الذي يغوص في النفس البشرية، ويكشف تناقضاتها، ويطرح أسئلتها الكبرى، ويجسد صراعاتها وآمالها وانكساراتها.

إن متعة أداء الأدوار المركبة والعميقة لا تضاهيها متعة أخرى. فالممثل لا يكتفي بحفظ الكلمات أو ترديد الجمل، بل يعيش حياة أخرى كاملة. يخرج مؤقتًا من ذاته ليسكن ذاتًا مختلفة، فيرى العالم بعينيها، ويفكر بعقلها، ويتحدث بلسانها، ويشعر بمشاعرها. يصبح شخصًا آخر دون أن يفقد شخصيته الأصلية، وكأن المسرح يمنحه فرصة استثنائية ليعيش أعمارًا متعددة داخل عمر واحد.

ولعل هذا هو سر سحر المسرح؛ أنه يفتح أبوابًا لا تفتحها الحياة اليومية. فهناك على الخشبة يستطيع الإنسان أن يكون الحكيم والمجنون، البطل والخائن، الضحية والجلاد، الملك والمتسول، وأن يكتشف في كل شخصية جانبًا جديدًا من النفس الإنسانية.

ولهذا يظل الحنين إلى المسرح حنينًا مختلفًا. إنه ليس اشتياقًا إلى مكان فحسب، بل إلى حالة كاملة من الشغف والإبداع والحياة. إلى تلك اللحظة التي تنطفئ فيها الأنوار، ويسود الصمت، ثم يبدأ السحر. إلى رهبة الستار قبل أن يرتفع، وإلى النبض المتسارع الذي يسبق ظهور الممثل أمام الجمهور، وإلى ذلك الشعور الفريد بأنك جزء من عمل فني يولد أمام أعين الناس في تلك اللحظة نفسها.

وأحيانًا أتساءل: هل سأعود يومًا إلى حبي الأول؟ هل سأقف مرة أخرى على خشبة المسرح؟ هل سيصدح صوتي من جديد بين جنباته كما كان من قبل؟

لا أحد يملك الإجابة اليقينية. فالحياة كثيرًا ما تأخذنا إلى طرق لم نخطط لها، وتدفعنا إلى محطات لم نتوقعها. وربما كان المسرح قطارًا كنت أحد ركابه بالفعل، ثم غادرته قبل أن يبلغ محطته الأولى. لا لأن الرغبة كانت قد خمدت، ولا لأن الحلم فقد بريقه، بل لأن الأقدار شاءت مسارًا آخر في تلك المرحلة من العمر.

ومع ذلك فإن الأحلام الصادقة لا تموت بسهولة. قد تبتعد، وقد تخفت أضواؤها لبعض الوقت، لكنها تظل كامنة في مكان ما من الروح، تنتظر لحظة مناسبة لتعود. وربما يكون أجمل ما في الحنين أنه يبقي الأبواب مواربة، فلا يغلقها اليأس تمامًا، ولا يصادر حق الإنسان في الأمل.

ولذلك يبقى المسرح بالنسبة لبعضنا أكثر من مجرد فن؛ إنه جزء من الهوية، وذكرى جميلة من الماضي، وحلم مؤجل ربما يأتي يوم يعود فيه الستار ليرتفع من جديد، ويعود الممثل إلى مكانه الطبيعي فوق الخشبة، وكأن سنوات الغياب لم تكن سوى استراحة قصيرة بين فصلين من العرض.

معادلة التردي

 


مهندس عاصم شاكر 

تُختزل أحيانًا أزمات المجتمعات في معادلات بسيطة، لكنها تحمل في طياتها معاني عميقة ودلالات خطيرة. ومن هذه المعادلات ما يشير إلى أن اجتماع الفن الهابط، والإعلام غير المسؤول، والتعليم الضعيف، مع انتشار الفقر والابتعاد عن منظومة القيم والأخلاق، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى حالة عامة من الفساد والتردي في مختلف مناحي الحياة.

إن الفن في جوهره رسالة سامية تهذب الوجدان وترتقي بالذوق العام، لكنه حين يتحول إلى أداة لنشر التفاهة وتسطيح الوعي، فإنه يفقد دوره الحضاري ويصبح عاملًا من عوامل الانحدار الثقافي. وكذلك الإعلام، الذي يفترض أن يكون منبرًا للحقيقة والتنوير، فإذا انجرف وراء الإثارة الرخيصة أو التزييف أو صناعة الوهم، فإنه يسهم في تشويه الإدراك العام وإضعاف قدرة المجتمع على التمييز بين الصواب والخطأ.

أما التعليم، فهو الركيزة الأساسية لبناء الأمم. وحين يتراجع مستواه أو يتحول إلى مجرد شهادات وأوراق لا تصنع معرفة حقيقية ولا تبني عقلًا ناقدًا، فإن المجتمع يفقد أهم أدوات تقدمه. فالأمم لا تنهض بالموارد وحدها، بل بالعقول القادرة على التفكير والإبداع والإنتاج.

ويأتي الفقر ليزيد المشهد تعقيدًا؛ إذ يفرض على كثير من الناس الانشغال بتأمين ضروريات الحياة على حساب الثقافة والمعرفة والتنمية الذاتية. وليس الفقر المادي وحده هو المشكلة، بل ما قد يصاحبه أحيانًا من شعور بالعجز أو فقدان الأمل إذا غابت فرص التغيير والارتقاء.


ثم تظل القيم والأخلاق الحصن الأخير الذي يحفظ تماسك المجتمعات. فإذا ضعفت منظومة القيم أو تراجع تأثيرها في السلوك العام، انتشرت الأنانية، وتراجعت المسؤولية، وضعفت الثقة بين الأفراد، وأصبح تحقيق المصلحة الخاصة مقدمًا على المصلحة العامة.

غير أن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن هذه العوامل ليست قدرًا محتومًا، كما أن وجود أحدها لا يعني بالضرورة انهيار المجتمع. فالتاريخ يخبرنا أن الشعوب القادرة على مراجعة نفسها، والتمسك بقيمها، والاستثمار في التعليم الجاد، ودعم الفن الراقي والإعلام المسؤول، تستطيع أن تتجاوز أزماتها وتعيد بناء حاضرها ومستقبلها.

إن نهضة المجتمعات لا تُصنع بقرار واحد ولا بمؤسسة واحدة، وإنما هي ثمرة تكامل بين الوعي والثقافة والتعليم والقيم والعمل الجاد. وكلما ارتفعت هذه العناصر واشتد ترابطها، ارتفع معها الإنسان، وارتقت الأمة، واستعادت قدرتها على البناء والتقدم.

2026-06-10

أشباه البشر



 

دكتور محمد الشافعي 

حين نتأمل البشر من حولنا نكتشف أن اختلاف الأسماء والوجوه لا يمنع وجود تشابهات مدهشة في الطباع والسمات والأنماط الإنسانية. صحيح أن لكل إنسان شخصيته المستقلة التي تشكلت عبر تجاربه وخبراته وظروف حياته، لكن الملاحظة الدقيقة تكشف أن بعض الشخصيات تبدو وكأنها نسخ متقاربة من بعضها بعضًا، حتى ليخيل إلينا أحيانًا أننا أمام شخص واحد يرتدي وجوهًا متعددة.

ففي محيط العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية نصادف أشخاصًا تتشابه ردود أفعالهم، وطريقة حديثهم، وأسلوب تعاملهم مع الآخرين، بل وحتى نظرتهم إلى الحياة. وقد يصل هذا التشابه إلى درجة تجعلنا نستحضر فورًا شخصية عامة أو معروفة كلما تعاملنا مع أحدهم.

فنجد ذلك الإنسان الهادئ الرزين الذي يزن كلماته قبل أن ينطق بها، فيذكرنا بشخصية اشتهرت بالحكمة والاتزان. ونجد آخر يمتلك خفة الظل والقدرة على إضفاء البهجة في أي مجلس، فيستحضر إلى أذهاننا نمطًا إنسانيًا مألوفًا عرفناه في شخصية عامة أو فنية أو أدبية. كما نصادف المتكبر الذي لا يرى إلا نفسه، والمتواضع الذي يسبق احترامه كلامه، والمجتهد الذي لا يعرف الراحة، والحالم الذي يعيش في عوالمه الخاصة.

ولعل الطريف في الأمر أن الإنسان مع مرور الوقت يبدأ في تكوين أرشيف ذهني للشخصيات التي يقابلها. فيصبح كل شخص جديد أشبه بقطعة أحجية يبحث لها العقل عن موضع مناسب بين الصور المخزنة في الذاكرة. فيقول في نفسه: هذا يشبه فلانًا في هدوئه، وذاك يشبه آخر في طموحه، وثالث يذكرني بشخص عرفته منذ سنوات طويلة.

غير أن التشابه هنا لا يعني التطابق الكامل، فلكل إنسان بصمته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد. قد تتشابه الملامح النفسية أو السلوكيات أو طريقة التفكير، لكن يبقى لكل فرد عالمه الداخلي وتجاربه الفريدة التي تمنحه خصوصيته وتميزه عن غيره.

إن البشر، في النهاية، يشبهون الكتب؛ قد تتشابه الأغلفة والعناوين أحيانًا، وقد تتقارب بعض الصفحات، لكن القراءة المتأنية تكشف دائمًا أن لكل كتاب حكايته الخاصة، ولكل إنسان فصلًا لا يشبه سواه مهما بدت أوجه الشبه كثيرة ومتعددة.

النفاق الاداري

 


دكتور محمد العوادي 

النفاق الأكاديمي... حين تتحول القيم إلى سُلَّم للمصالح

من أكثر المشاهد إيلامًا داخل أي مؤسسة أكاديمية أن ترى النفاق وقد تمدد بين بعض أفراد المجتمع الأكاديمي حتى صار سلوكًا مألوفًا لا يثير الدهشة بقدر ما يثير الاشمئزاز. فالأصل في البيئة الجامعية أن تقوم على العلم والكفاءة والموضوعية واحترام العقول، لا على التملق وصناعة الولاءات الشخصية وتوزيع عبارات المديح وفقًا لموازين القوة والنفوذ.

إن النفاق في الحقل الأكاديمي ليس مجرد مجاملة زائدة أو كلمات عابرة، بل هو حالة من التلون المستمر يفقد فيها الإنسان ثباته الأخلاقي واحترامه لذاته. ترى أحدهم يبالغ في الثناء على مسؤول ما، ويحيطه بهالة من الإعجاب المفرط، حتى يخيل للناظر أنه لا يرى في المؤسسة كلها غير ذلك الشخص. ثم لا تلبث أن تراه بعد ساعات قليلة ينتقل إلى مسؤول آخر بالقدر نفسه من الحماس والانبهار والتمجيد، وكأن القناعات قد أصبحت ثوبًا يُبدَّل وفق مقتضيات المصلحة.

والمؤسف أن هذا النفاق يكون في كثير من الأحيان مكشوفًا للجميع. فلا يحتاج المرء إلى كثير من الفطنة ليكتشف أن الهدف ليس الاحترام الحقيقي ولا التقدير الصادق، وإنما البحث عن موقع أعلى أو مكسب شخصي أو منصب مرتقب. وحين يصبح المنصب هو الغاية المطلقة، تتحول المبادئ إلى أوراق قابلة للمساومة، ويتحول بعض الأشخاص إلى ما يشبه الحرباء التي تتغير ألوانها تبعًا للمكان الذي تقف فيه.

والكارثة الأكبر أن هذا السلوك لا يضر صاحبه وحده، بل يضر المؤسسة بأكملها. فحين يتقدم المتملقون على أصحاب الكفاءة، ويعلو صوت المادحين على صوت المخلصين، تتعرض العدالة للاهتزاز، وتفقد بيئة العمل جزءًا من نقائها، ويشعر أصحاب الجهد الحقيقي بأن ميزان التقدير لم يعد قائمًا على الإنجاز بل على مهارة التودد وصناعة العلاقات.

إن المؤسسات الأكاديمية العريقة لا تنهض بالنفاق ولا تُبنى بالمجاملات الفارغة، وإنما تقوم على الصدق والكفاءة والاستقلالية الفكرية واحترام القيم المهنية. فالمناصب زائلة، والأشخاص راحلون، أما السمعة الأخلاقية فتبقى شاهدة على صاحبها ما بقي أثره بين الناس.

ولذلك يبقى الإنسان الكريم هو الذي يحافظ على ثبات مواقفه وصدق كلماته، فلا يبيع احترامه لنفسه من أجل مكسب مؤقت، ولا يجعل لسانه أداة للتملق طلبًا لدرجة أعلى أو كرسي أقرب. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يناله من مناصب، وإنما فيما يحتفظ به من كرامة ومصداقية واحترام.

2026-06-09

بين الرضا عن الذات وخيبة التوقع

 


دكتور محمد الشافعي 

من أصعب ما يمر به الإنسان أن يكتشف فجأة أن الصورة التي رسمها في ذهنه عن مكانته لدى الآخرين لم تكن مطابقة للواقع. فليس الألم في بذل الجهد، ولا في العطاء ذاته، وإنما في أن يظن المرء أن ما قدمه من خير وإحسان وتقدير قد وجد صداه في النفوس، ثم يفاجأ بأن الميزان قد مال في اتجاه آخر لم يكن يتوقعه.

لقد اعتدت أن أتعامل مع طلابي بمنتهى الاحترام، وأن أبذل ما أستطيع من جهد في شرح المقرر وتبسيطه، وأن أقدم لهم العون كلما سنحت الفرصة. ولم أكن أرى ذلك منّةً ولا تفضّلًا، بل واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا أؤمن به وأحرص عليه. ومع ذلك، جاءت نتائج التقييم لتطرح تساؤلات كثيرة حول طبيعة هذه العملية ومدى قدرتها على عكس الحقيقة كاملة.

فالطالب في كثير من الأحيان لا يقيم الأستاذ من خلال المعايير الأكاديمية وحدها، ولا ينظر دائمًا إلى حجم الجهد المبذول أو مقدار الإخلاص في العمل. بل قد تتداخل عوامل أخرى كثيرة في تشكيل حكمه؛ فقد يميل إلى الأستاذ المرح كثير المزاح، أو إلى من يقترب من تفاصيل حياته الشخصية، أو إلى من يجيد صناعة الألفة السريعة، وربما تحكمه أحيانًا اعتبارات الهوى والانطباعات العابرة أكثر مما تحكمه الموضوعية والإنصاف.

ولذلك فإن الاعتماد المطلق على تقييم الطلاب للحكم على الأستاذ أو على جودة المقرر والمحاضرات يظل أمرًا يحتاج إلى مراجعة وتأمل. فالتعليم عملية معقدة تتجاوز حدود الانطباعات الشخصية، ولا يمكن اختزالها في استبيان أو مجموعة من الأسئلة التي قد لا تعكس الصورة كاملة.

ولست وحدي من فوجئ بنتائج لا تتناسب - في ظني - مع ما بُذل من جهد، بل إن هناك زملاء آخرين تعرضوا للأمر نفسه، وهو ما يدفع إلى إعادة النظر في آليات التقييم ومعاييرها، حتى تكون أكثر قدرة على التمييز بين الأداء الحقيقي والانطباعات العابرة.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يبعث على الطمأنينة هو شعور الإنسان بالرضا عن نفسه. فأنا أعلم مقدار ما قدمته من دعم ومساندة وتيسير للطلاب، وأعلم أن درجات الأعمال الفصلية التي أُعلنت اليوم ستكشف جانبًا من هذا الدعم لمن أراد أن يتأمل وينصف. فقد حرصت على تخفيف المقرر قدر المستطاع، وعلى أن تكون الأسئلة واضحة ومباشرة بعيدة عن التعقيد والتكلف، إيمانًا مني بأن الغاية هي التعلم لا التعجيز.

لقد كنت أحلم بالحصول على تقييم كامل، وربما بالغت في الاعتقاد بأن ذلك قريب المنال. لكن الحياة كثيرًا ما توقظنا من بعض الأحلام لنرى الأمور على حقيقتها. ولعل في هذه التجربة درسًا مهمًا مفاده أن الإنسان ينبغي أن يجعل معيار رضاه الأول هو ضميره وما قدمه بإخلاص، لا ما ينتظره من تقدير الآخرين.

وفي النهاية أحمد الله على كل حال، فالتقييم مهما كانت نتائجه لا يغير من حقيقة الجهد المبذول، ولا ينتقص من قيمة العمل الصادق. أما اختلاف الآراء وتباين الانطباعات فهو أمر ملازم لكل عمل بشري. ويبقى الأهم أن يظل الإنسان وفيًا لمبادئه، مخلصًا في رسالته، مؤمنًا بأن ما يزرعه من خير لن يضيع، وإن تأخر الاعتراف به أو غاب عن بعض العيون.

كلمة "ثاتي - ṯꜢty"

 


كتب الاثري عمر صلاح 

كلمة "ثاتي - ṯꜢty" في مصر القديمة مش معناها “وزير” بالمعنى اللي إحنا فاهمينه النهاردة. الترجمة دي تقريبة… ومضلِّلة لو اتاخدت حرفياً.


الـ "ثاتي - ṯꜢty" ماكانش عضو في مجلس وزراء، ولا صاحب حقيبة محددة، ولا مجرد مستشار سياسي، ولكنه كان قمة الهرم الإداري للدولة بعد الملك مباشرة.


يعني كان هو رئيس الجهاز الإداري كله، والمشرف الأعلى على القضاء، والمسؤول عن الضرائب والخزانة، حلقة الوصل بين الملك وكل أقاليم الدولة، وهو اللي بيراقب تنفيذ القوانين على أرض الواقع


يعني ببساطة الملك بيحكم والـ "ثاتي - ṯꜢty" بيدير الدولة من خلال الملك، ولو حبّينا نقرّب الصورة للعقل الحديث من غير مبالغة وزي ما قصدها المصري القديم... الـ "ثاتي - ṯꜢty" في مصر القديمة بيوازي حالياً رئيس الحكومة... يعني مش “وزير” بالمفهوم الحالي، والفرق هنا مهم جداً


الوزير النهارده هو جزء من منظومة، وله ملف محدد شغال عليه، وصلاحياته موزّعة، ولكن الـ "ثاتي - ṯꜢty" زمان كان فوق المنظومة، وصلاحياته شاملة، ومسؤوليته مباشرة قدّام الملك والنظام الكوني نفسه


والسلطة دي ما كانتش فوضى، لأن الـ "ثاتي - ṯꜢty" كان خاضع لفكرة النظام «ماعت» اللي معناها : الحق، العدل، النظام، الاتزان.


وفي نص تنصيب الوزير رخ مي رع مذكور صراحة أن المنصب مش امتياز،

ولكن المنصب أمانة، والخروج عن العدل هو خروج عن النظام.


علشان كدة ترجمة كلمة «ثاتي» على إنها “وزير” وخلاص هو ظلم للمنصب… وبعد عن اللي قصده المصري القديم تماماً، واختزال لمجهودات اللي بنوا الحضارة العظيمة دي اللي ابتكرت مفهوم الدولة قبل ما العالم يعرف يعني إيه إدارة أصلاً.


علشان كدة لازم دايماً نقول بأعلى صوت أن مصر القديمة ما كانتش دولة حجر… ولكن كانت دولة عقل وتجارب وتعلم من التجارب وتراكم خبرات على مدار السنين.

مسافة آمان

 


دكتور محمد الشافعي 

في مسيرة العمل الطويلة يلتقي الإنسان بأصناف شتى من البشر؛ فمنهم أصحاب النفوس النبيلة الذين يسعون إلى البناء والعطاء، ومنهم من جعلوا من المكر والخصومة منهجًا، ومن إثارة المشكلات هواية، ومن تتبع العثرات غاية لا تنتهي. وهؤلاء لا تشغلهم النجاحات بقدر ما تشغلهم محاولات التعطيل، ولا تستوقفهم الإنجازات بقدر ما تستفزهم رؤية الآخرين يحققون التقدم والاحترام.

وفي بعض البيئات المهنية قد يجد المرء نفسه محاطًا بأشخاص يمتلكون قدرًا كبيرًا من الذكاء، لكنه ذكاء لم يُسخَّر للخير أو للإبداع أو لخدمة المؤسسة، بل انحرف إلى مسارات أخرى قوامها الكيد والمناورة وإشعال الخلافات. فهم لا يستهلكون وقتهم في تطوير أنفسهم أو الارتقاء بأعمالهم، وإنما يستنزفون أعمارهم في تدبير المكائد ونسج الروايات وتأويل المواقف بما يخدم أغراضهم الضيقة.

ومع مرور الزمن يدرك الإنسان أن أفضل وسيلة للتعامل مع هذه النماذج ليست الدخول في صراعات لا تنتهي، ولا الانشغال بالرد على كل قول أو فعل، وإنما المحافظة على المسافة الآمنة. فالعاقل لا يضع نفسه طوعًا في دوائر التوتر، ولا يفتح أبواب حياته لمن اعتادوا نشر السلبية وإفساد الأجواء. إن تجنب الاحتكاك المباشر بمثل هؤلاء ليس ضعفًا ولا هروبًا، بل هو صورة من صور الحكمة وحسن إدارة النفس.

ولقد منَّ الله على بعض الناس ببصيرة تجعلهم يميزون بين من يستحق القرب ومن ينبغي الاكتفاء معه بالحدود الرسمية. فليس كل زميل يصلح أن يكون صديقًا، وليس كل من يشاركنا مكان العمل يستحق أن يشاركنا مساحات الثقة والاطمئنان. ومن الحكمة أن تُمنح القلوب لمن يحفظون الود، وأن تُحفظ المسافات مع من اعتادوا الإضرار بالآخرين.

إن الشر يظل عبئًا على صاحبه قبل أن يكون أذى لغيره، لأن النفوس التي تعيش على الكراهية والمؤامرات لا تعرف السكينة، أما أصحاب القلوب المطمئنة فينصرفون إلى أعمالهم ورسالتهم وأهدافهم، غير ملتفتين إلى الضجيج من حولهم. ولهذا يبقى النجاح الحقيقي أن يحافظ الإنسان على نقاء قلبه واتزانه، وأن يمضي في طريقه مستقيمًا، فلا تجره الأحقاد إلى مستنقعاتها، ولا تستدرجه العقول المظلمة إلى معاركها الصغيرة.

ففي النهاية، لا يُقاس الإنسان بعدد من خاصمهم أو انتصر عليهم، وإنما يُقاس بقدر ما أنجز، وبما تركه من أثر طيب، وبقدرته على أن يظل صاحب رسالة وقيم مهما ازدحمت من حوله نماذج الشر والاضطراب.

2026-06-08

أغلى الدروس

 

دكتور محمد الشافعي 

ليس كل من يدخل حياتنا يأتي ليمنحنا السعادة، فبعض الأشخاص لا يأتون إلا ليتركوا وراءهم درسًا لا يُنسى. والمفارقة العجيبة أن أرخص الناس قدرًا وأقلهم وفاءً قد يكونون سببًا في أغلى درس نتعلمه في العمر كله.

هناك تجارب مؤلمة لا نتمنى عودتها، لكنها تظل من أكثر التجارب أثرًا في تشكيل شخصياتنا وصقل وعينا. فالحياة لا تُعلِّمنا دائمًا على أيدي الحكماء والأوفياء، بل قد تجعل بعض دروسها الكبرى على أيدي الجاحدين والناكرين للجميل.

مررت في حياتي بتجربتين من هذا النوع. الأولى كانت مع رجل ظننته صديق العمر ورفيق الطريق. منحتُه من الثقة ما لا يُمنح إلا للقليل، وفتحت له أبواب حياتي قبل أبواب بيتي، حتى إن مفتاح شقتي كان في يده عندما كنت أقيم بمفردي قبل الزواج. كنت أتعامل معه بصدقٍ كامل وعطاءٍ لا يعرف الحسابات، معتقدًا أن الوفاء يولد الوفاء، وأن المواقف النبيلة لا تضيع بين الأصدقاء. لكن الأيام كشفت لي أن بعض الناس يجيدون استقبال المعروف أكثر مما يجيدون رده أو حفظه.

أما التجربة الثانية فكانت أكثر قسوة وأشد وقعًا على النفس. فقد ارتبطت بإنسانة أوليتها من الرعاية والاهتمام والدعم ما جعلني أتابع خطواتها منذ سنوات الدراسة الأولى حتى أصبحت معيدة بالقسم. كنت أرى في نجاحها نجاحًا يستحق أن يُسانَد، وفي تقدمها أمرًا يبعث على السعادة. غير أن النهاية جاءت على نحو لم أتوقعه، نهاية تركت في النفس دهشة أكبر من الألم، وصدمة أكبر من الخسارة.

والعجيب أن صاحب التجربة الأولى كان سببًا مباشرًا في التجربة الثانية، وكأن الأقدار أرادت أن تربط بين الدرسين في سلسلة واحدة من الاختبارات الإنسانية.

ومع مرور الزمن أدركت أن قيمة هذه التجارب لا تكمن فيما أخذته منا، بل فيما أضافته إلينا. فقد علمتنا أن الثقة لا تُمنح بلا حدود، وأن العطاء يحتاج إلى حكمة كما يحتاج إلى قلب، وأن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي دائمًا لحماية الإنسان من الخذلان.

لقد كانت تجارب مؤلمة بلا شك، لكنها كانت أيضًا معلمة. جعلتني أكثر وعيًا بطبيعة البشر، وأكثر قدرة على قراءة المواقف، وأكثر حرصًا على ألا أخلط بين حسن الظن والسذاجة، وبين الكرم وإهدار الذات.

وهكذا تبقى بعض الجراح، لا لأنها ما زالت تؤلم، بل لأنها تحولت إلى علامات طريق تذكرنا بالدروس التي دفعت الحياة ثمنها مقدمًا، حتى لا نكرر الأخطاء نفسها مرة أخرى.

قسوة مفيدة


 

دكتور محمد الشافعي 

أغلى الدروس تأتي من أرخص الناس

من غرائب الحياة أن بعض أعظم الدروس التي تغير الإنسان لا تأتي على يد الحكماء أو المربين أو أصحاب الفضل، وإنما قد تأتي على يد أشخاص لم يكن لهم في حياتنا قدر كبير من القيمة أو المكانة. أشخاص ربما دخلوا حياتنا عابرين، لكنهم تركوا أثرًا لا يُنسى، وفتحوا أعيننا على حقائق لم نكن نراها من قبل.

إن الإنسان في بداياته يتعامل بقلبه أكثر مما يتعامل بعقله، ويمنح ثقته بسخاء، ويظن أن صفاء نيته كافٍ ليجعل الآخرين على شاكلته. لكنه مع مرور الزمن يكتشف أن الحياة ليست دائمًا بهذه البساطة، وأن النفوس تختلف، وأن بعض الناس لا يقابلون الإحسان بالإحسان، ولا يقدرون الوفاء، ولا يعرفون قيمة المشاعر الصادقة.

وهنا تأتي التجارب المؤلمة. قد تجرحنا، وقد تربكنا، وقد تترك في نفوسنا أثرًا من الحزن أو الخيبة، لكنها في الوقت ذاته تؤدي دورًا مهمًا في تشكيل شخصياتنا. فهي تعلمنا متى نعطي، ولمن نعطي، وكيف نوازن بين طيبة القلب وحكمة العقل. وتدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي كنا نؤمن بها.

بعض الأشخاص يدخلون حياتنا ليكونوا درسًا أكثر من كونهم علاقة، وعبرة أكثر من كونهم رفقة. وربما كان وجودهم مؤلمًا في حينه، لكننا بعد سنوات ندرك أنهم ساهموا في بناء جزء مهم من شخصيتنا، وأنهم أجبرونا على اكتشاف جوانب من القوة لم نكن نعلم بوجودها داخلنا.

ولذلك فإن التجارب القاسية، على قسوتها، ليست دائمًا شرًا خالصًا. فهي تصقل الإنسان كما تصقل النار المعادن النفيسة، وتمنحه قدرة أكبر على التمييز والفهم والنضج. وما يبدو اليوم جرحًا مؤلمًا قد يتحول غدًا إلى حكمة ثمينة يستعين بها الإنسان في بقية رحلته.

فليست كل الخسائر خسائر، وليست كل الآلام عبثًا. فبعض الأشخاص يرحلون، لكن الدرس الذي يتركونه يبقى معنا ما بقي العمر، ليذكرنا أن النضج لا يُمنح مجانًا، وإنما يُكتسب عبر التجارب، وأن أغلى دروس الحياة كثيرًا ما تأتي من أكثر الأشخاص بخلًا في المشاعر وأقلهم قيمة في الميزان الإنساني.

بردية جوميلهاك

 


كتب الاثري شريف محمود 

تعد بردية جوميلهاك المعروضة بمتحف اللوفر بباريس والمؤرخة للعصر البطلمي من اهم المصادر اللي امدتنا بمعلومات مصورة عن احداث الاسطورة الاوزيرية 

بنشوف هنا مشهد فريد من نوعه لإلة التحنيط "انوبيس" واقف داخل ورشة التحنيط اللي على شكل علامة المعبد الهيروغليفية 𓉗 مع وجود علامة الذهب 𓋞 تتنطق على بعضها "حوت نبو" بيقوم بتجميع اعضاء جسد "اوزير" بعد تمزيقه وتوزيع أعضاؤه في ارجاء مصر بواسطة المعبود الشرير "ست" 

الاعضاء ظاهرة هنا على الجانب الايمن بينما الجانب الايسر نشاهد "انوبيس" يقوم بتحنيط جسد "اوزير" لاحظوا إن جسد "اوزير" مزين بخطوط تشبه خطوط سنبلة القمح ودا لأن "اوزير" إرتبط بالقمح والمصريين كانوا شايفينه موجود في كل محصول بيطلع من الارض لانهم إعتبروه رمز الخضرة والنماء وخصوبة الارض وتجدد فيضان نهر النيل كل سنة.

2026-06-07

فنّ الاختيار

 

دكتور محمد الشافعي 

اختيارُ الطَّريقِ وأهلُ الوجود

في حياتِ كلِّ إنسانٍ تراكمت آلافُ المفارقاتِ والرُّحى التي لم يختَرها، أمورٌ هبطتْ عليه كعيونِ مطرٍ لا يُسأل عنها، تغييراتٌ فجائيةٌ قلبتْ اتجاهاتِه، أفراحٌ دخلتْ دونَ موعدٍ واستوطَنَت القلب، وأحزانٌ لم يكن يستحقُّها فأضاءت ليلهُ بالأسى. ليس في قدرةِ أحدٍ أن يحجبَ عنه كلَّ ما يطرأُ من الخارج، فالحياةُ مرآةٌ تتكسَّرُ بأصابعِ الزمان، وما يصلُ إليك إنما هو خليطُ ما قُدِّرَ وما وُلدَ من ظروفٍ ومَصادفاتٍ.

ومع ذلك، في وسطِ هذا البحرِ المُتلاطمِ من الوقائعِ، يبقى للإنسانِ فِي نفسهِ اختيارٌ فريدٌ لا يزولُ: كيف يعيش؟ أيُّ أحلامٍ يَحمِل؟ وأيُّ أملٍ يَسكُبُ في رئتيه؟ إنّها الحريةُ الصغيرةُ التي تجعلُ من الضياعِ مسارًا قابِلًا لإعادةِ التوجيه، ومن الجرحِ نصلاً يلتئمُ ويصيرُ أداةً للدِّفاعِ عن الذات، لا وسيلةً للانكسار.

اخترتُ — أو بالأحرى آمنتُ — أن أجعلَ الخياراتِ الداخليةَ هي الحكمَ الفصلَ في أيامي. خَتَمتُ أيامي بأحلامٍ لا تُقهرُ، لأنَّ الحلمَ إن لم يكن ملاذًا للمستحيلِ فلا يُعَدُّ حياةً. وحملتُ الأملَ كساريةٍ ترتفعُ في أفقي، تهدي نظري عندما يحجبُ السحابُ الرؤية. والشجاعةُ كانت رفيقتي في العواصف: ليست شجاعةَ الفرارِ من الخوف، بل جرأةُ المضيِّ رغمِه، وذكاءُ التعلُّمِ من سقوطِ الأمسِ دونَ أن تَسرقكَ منهُ النَّدامةُ.

لا أنكرُ أنَّ مُساراتٍ خسرتُها، ووجوهاً تاهتْ عني، وحظوظًا عابرةً رحلتْ دونَ وداعٍ، لكنّي لم أسمحْ لتلك الخسائرِ أن تُحدِّدَ هويتي. فقد علَّمَتني الحياةُ أنَّ المعنى الحقيقي لا يكمُن في امتلاكِ كلِّ شيءٍ، بل في اختيارِ طريقةِ العيشِ التي تُصنعُ من ضوءٍ داخليّ. من يختارُ أن يرى النورَ في أصغرِ الأشياءِ يظلُّ محصّنًا ضدَّ كآبةِ الأيام.

وهكذا، تصيرُ الحياةُ روايةً تُخطّها يداكَ فصولًا لا تنتظرُ إذنَ العالمِ. فيكمنُ الفضلُ في أن ترفضَ أن تكونَ آلةً تجرُّها الظروفُ، وتختارَ بدلاً من ذلكَ أن تكونَ صانعَ سِيرتكَ: تحلمُ للأجمل، وتحملُ الأملَ كنهجٍ، وتواجهُ المستحيلَ بشجاعةٍ هادئةٍ تُلمِّعُ لكَ الطريق. فالإرادةُ التي تُختارُ كيف يعيشُ المرءُ هي أثمنُ ما في الوجودِ — وبها تصبحُ الهزيمةُ درسًا، والنصرُ عادةً، والحياةُ معنىً أعلى.

رفقاء الطريق

 

دكتور محمد الشافعي 

في رحلة الحياة الطويلة يلتقي الإنسان بوجوه كثيرة، ويعبر في دروبه مع أعداد لا تُحصى من البشر. بعضهم يمر مرور السحاب، وبعضهم يترك أثرًا عابرًا ثم يختفي، وبعضهم يظن المرء أنهم سيبقون إلى الأبد، فإذا بهم يرحلون عند أول منعطف أو أول اختبار.

ولهذا فإن الحكمة الحقيقية ليست في عدد من يحيطون بنا، بل في قيمة من يبقون حين تتغير الظروف وتتبدل الأحوال. فالحياة بطبيعتها كاشفة؛ تكشف المعادن الأصيلة من الزائفة، وتُظهر صدق المودة من زيف المجاملة، وتفرز العلاقات كما يفرز الذهب من بين الصخور.

كثيرون يلتفون حول الإنسان حين يكون قويًا أو ناجحًا أو صاحب مكانة، لكن القلة فقط هي التي تظل حاضرة عندما تتعثر الخطوات أو تثقل الأيام بالأعباء. هناك من يرافقك في أوقات الفرح، وهناك من يرافقك في أوقات الشدة، والفرق بين الاثنين كبير. فالأول قد تدفعه الظروف السهلة، أما الثاني فيدفعه الوفاء والمحبة الصادقة.

ومع مرور السنوات يكتشف الإنسان أن دوائر معارفه تتقلص شيئًا فشيئًا، لا لأن الناس أصبحوا أقل، بل لأن الرؤية أصبحت أوضح. فيتعلم أن يميز بين من يحب حضوره ومن يحتاج إلى وجوده، وبين من يقترب لمصلحة عابرة ومن يقترب بدافع المودة الخالصة. وعندها يدرك أن خسارة بعض العلاقات ليست خسارة في الحقيقة، بل هي عملية تنقية طبيعية تترك حوله الأشخاص الأكثر صدقًا وإخلاصًا.

إن القلة الوفية التي تبقى مع الإنسان حتى آخر العمر هي أثمن من كثرة تحيط به ثم تتبدد مع أول ريح. فالصديق الحقيقي لا يقاس بطول سنوات المعرفة، بل بقدر ما يقدمه من صدق وثبات حين يحتاجه صاحبه. والإنسان النبيل لا يثبت وجوده بكثرة الكلام، وإنما بثبات الموقف وحسن العشرة ودوام الود.

لذلك لا تحزن إذا تناقص العدد حولك مع الأيام، فالحياة لا تقاس بالكثرة، وإنما بالنوعية. وما أجمل أن يصل المرء إلى مرحلة يدرك فيها أن القلوب الصادقة القليلة خير من الجموع الكثيرة المتقلبة. فهؤلاء الذين يبقون رغم تغير الفصول، ويتشبثون بالمودة رغم قسوة الظروف، هم الثروة الإنسانية الحقيقية، وهم الرفقة التي تجعل العمر أكثر دفئًا وطمأنينة ومعنى.

فليس المهم كم شخصًا عرفته في حياتك، بل كم شخصًا بقي وفيًا عندما اختبرته الحياة واختبرته الأيام.

2026-06-06

المعلم شامخا

 


دكتور محمد الشافعي 

في سائر المهن والوظائف ترى الموظف جالسًا في مكانه، والناس من حوله واقفون، يطرقون بابه أو يتقدّمون إليه طلبًا لقضاء حاجة أو إنجاز مصلحة، فهو في موضع الخدمة والآخرون في مقام المستفيد. غير أنّ للتعليم شأنًا آخر وهيئةً أسمى؛ إذ تنقلب المعادلة في محراب العلم، فيجلس الطالب متلقّيًا، ويقف المعلم شامخًا بين تلامذته، حارسًا للقيم، ناقلًا للمعرفة، ملهِمًا للنفوس.

ذلك الموقف ليس مجرّد هيئة جسدية، بل هو رمز بليغ لمكانة المعلم ودوره الرسالي. فالوقوف هنا ليس استعلاءً ولا تكبّرًا، بل هو وقوف مَن نذر عمره لبذل النور، وأوقف نفسه على أداء الأمانة. إنّه وقوف المحبّ الذي يفيض بعطائه، فيمدّ العيون ببصيرة، والعقول بنور، والقلوب بأمل. المعلم في وقوفه يعلن أنّ رسالته أسمى من حدود الراتب أو المنصب، وأنّ كرامة العلم تعلو على مقاييس المهن الأخرى.

ما أشدّ روعة أن يُستحضر في هذا المشهد دعاء المخلصين: اللهم اجعلنا أهلاً لهذه الأمانة، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا. فهي أمانة تهزّ القلوب وتوقظ الضمائر، إذ لا تكفي فيها المهارة ولا تغني عنها الخبرة وحدها، بل لا بد من صدق النية، ونقاء القلب، وسموّ المقصد.

فالمعلم الحقّ ليس ناقلًا للمعارف فحسب، بل هو صانع أجيال، وبانٍ للضمائر، وغارس لقيمٍ تحفظ للأمم وجودها وكرامتها. وكلما وقف المعلم أمام طلابه كان وقوفه شهادةَ حبّ، ورسالةَ إخلاص، وعهدًا بأن يظلّ التعليم منارة تُضيء دروب الإنسانية.

وهكذا يغدو التعليم أقدس مهنة، لأنّها وحدها التي تقوم على معادلة فريدة: يجلس الطالب طلبًا للعلم، ويقف المعلم حبًّا وبذلًا، فتنحني القلوب إجلالًا، وتسمو الأرواح عرفانًا، ويبقى العلم ميراث الأنبياء وسراج الحضارة.

سلامك النفسي

 


دكتور محمد الشافعي 

يظن كثير من الناس أن أخطر ما يمكن أن يفقده الإنسان في حياته هو المال، أو الوقت، أو حتى الأفكار والمشروعات. والحقيقة أن هناك شيئًا أكثر خطورة من ذلك كله، لأنه إذا ضاع ضاع معه كل شيء، وإذا بقي استطاع الإنسان أن يعوض كل خسارة. ذلك الشيء هو الحالة النفسية.

فالمال إذا فُقد يمكن تعويضه، والوقت وإن كان لا يعود فإن الإنسان يستطيع أن يستثمر ما بقي منه، أما الأفكار فدائمًا ما تلد الأفكار أفكارًا جديدة. لكن عندما تُسرق من الإنسان راحته النفسية، ويُستنزف هدوؤه الداخلي، وتُطفأ طاقته الإيجابية، فإنه يفقد السلاح الذي يخوض به معارك الحياة كلها.

إن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس على الآخرين، بل على مشاعره السلبية، وعلى القلق والخوف واليأس والإحباط. فالإنسان الذي يملك زمام حالته النفسية يستطيع أن يواجه العواصف بثبات، وأن يحول العثرات إلى دروس، والهزائم إلى خبرات، والخسائر إلى بدايات جديدة.

ولهذا فإن بعض الناس لا يسرقون منك مالًا ولا متاعًا، وإنما يحاولون سرقة صفائك النفسي، بإثارة غضبك، أو إشغالك بالصغائر، أو دفعك إلى دائرة من التوتر والاستنزاف المستمر. فإذا نجحوا في ذلك فقد انتزعوا منك أهم أدوات القوة دون أن يمدوا أيديهم إلى شيء مادي.

إن السلاح الحقيقي للإنسان هو حالته النفسية المتوازنة، وطاقته الإيجابية التي تمنحه القدرة على الاستمرار، وفهمه العميق لما يدور حوله حتى لا يكون أسير الانفعالات العابرة أو الأحكام المتسرعة. فكلما ازداد وعي الإنسان بما يحدث حوله، قلّت قدرته الظروف على هزيمته، لأن الفهم يولد الطمأنينة، والطمأنينة تولد القوة.

ومن هنا فإن المحافظة على السلام النفسي ليست رفاهية، بل ضرورة من ضرورات الحياة. فلا تسمح لأحد أن يعبث بمزاجك، أو يستهلك طاقتك، أو يسرق منك صفاءك الداخلي. حافظ على توازنك، وتمسك بهدوئك، وأحسن إدارة مشاعرك، لأن من يربح معركة نفسه يستطيع أن يربح كل معارك الحياة.

ففي النهاية، ليست كل خسارة خسارة، ما دامت روحك قوية، ونفسك مستقرة، وقلبك قادرًا على النهوض من جديد.

2026-06-05

حين تنادي الذكريات



 

دكتور محمد الشافعي 

تمر السنوات مسرعة، وتتعاقب على الإنسان محطات العمر كما تتعاقب الفصول على الأرض؛ لكل مرحلة لونها الخاص، ونكهتها التي لا تتكرر، وأشخاصها الذين يتركون في النفس أثرًا قد يبهت مع الزمن لكنه لا يزول أبدًا.

ومع تقدّم العمر وكثرة التجارب، يجد المرء نفسه أحيانًا واقفًا على شاطئ الذكريات، يتأمل ما مضى من أيامه، ويستعيد مشاهد بعيدة تبدو وكأنها حدثت بالأمس القريب. وفي مثل هذه اللحظات يغمرني حنين عظيم إلى مراحل بعينها من حياتي؛ إلى سنوات الصبا الجميلة منذ الصف الرابع الابتدائي وحتى نهاية المرحلة الإعدادية، تلك السنوات التي كانت تتشكل فيها الملامح الأولى للشخصية، وتتفتح فيها نوافذ المعرفة والأحلام.

ثم تأتي المرحلة الثانوية، تلك المرحلة ذات الطابع الخاص جدًا، بما حملته من طموحات وتطلعات وأسئلة كبرى عن المستقبل. كانت سنوات مليئة بالحيوية، تمتزج فيها براءة الشباب بجدية الاستعداد للحياة القادمة، فتترك في الوجدان أثرًا لا يمحوه الزمن.

أما المرحلة الجامعية، فقد كانت الأصعب والأكثر ثراءً في الوقت نفسه. شهدت خلالها تحولات وانتقالات متعددة بين اهتمامات وتخصصات مختلفة، حتى استقر بي المطاف في تخصص علم المصريات؛ ذلك التخصص الذي لم يكن اختيارًا عابرًا، بل كان عشقًا قديمًا بدأ هواية وشغفًا في سنوات البناء الأولى، ثم تحول إلى طريق حياة ورسالة علمية استقر عليها القلب والعقل معًا.

وحين أسترجع تلك الرحلة الطويلة، أتذكر عشرات المواقف والوجوه والقصص التي عشتها خلال مراحل متعددة وهوايات متنوعة؛ من الكشافة بما حملته من قيم الانضباط والاعتماد على النفس، إلى المسرح الذي فتح آفاق الخيال والتعبير، إلى كرة السلة التي علمت روح الفريق والمنافسة الشريفة، وإلى تجارب أخرى كثيرة أسهمت جميعها في تشكيل ملامح الشخصية وصناعة الخبرة الإنسانية.

وخلال تلك الرحلة التقيت بأصناف شتى من البشر. بعضهم عبر حياتي مرورًا عابرًا، وبعضهم ترك أثرًا عميقًا، وبعضهم غاب عن الدنيا ورحل إلى رحمة الله، وآخرون مضوا في طرق مختلفة فرقت بينها ظروف الحياة ومساراتها المتباينة. ومع ذلك تبقى الذكريات حية، نابضة في القلب والعقل، لا يغيب حضورها مهما تباعدت المسافات أو امتدت السنوات.

ولعل أجمل ما في الذكريات أنها لا تستعيد الأحداث وحدها، بل تستعيد المشاعر أيضًا؛ فرحة نجاح، أو رهبة امتحان، أو ضحكة صديق، أو موقفًا صغيرًا ظنناه عابرًا فإذا به يتحول إلى جزء من تاريخنا الشخصي الذي لا يُنسى.

ورغم ما حملته المرحلة الجامعية من صعوبات وتحديات، فإن لها مذاقًا خاصًا لا يشبه سواه. فقد كانت سنوات بناء حقيقية، تُوِّجت بشرف عظيم سيظل مصدر اعتزاز وفخر ما حييت، حين منّ الله عليّ بأن أكون الأول على أول دفعة من قسم الآثار. وكان ذلك الإنجاز ثمرة سنوات من الاجتهاد والمثابرة والإيمان بالهدف، فغدا محطة مضيئة في سجل العمر.

إن الذكريات ليست هروبًا إلى الماضي، وإنما هي وفاء للأيام التي صنعتنا، وللأشخاص الذين مروا في حياتنا، وللمراحل التي شكّلت وجداننا ووعينا. وحين يشتد الحنين إليها، ندرك أن العمر مهما امتد، فإن أجمل ما يبقى منه ليس عدد السنوات، بل ما تحمله تلك السنوات من معانٍ وتجارب ووجوه لا تزال تسكن القلب حتى اليوم.

كاكاو باللبن

 


مهندس عاصم شاكر 

مشروب الكاكاو باللبن الساخن يا دكتور مش بس مريح للأعصاب وممتع في الشتاء، لكن كمان له فوائد غذائية وصحية:

1. تحسين المزاج: الكاكاو غني بمركبات مثل الفينيل إيثيل أمين والسيروتونين الطبيعية اللي بترفع الحالة المزاجية وتقلل التوتر.

2. مصدر لمضادات الأكسدة: الكاكاو فيه فلافونويدات قوية بتساعد على حماية الجسم من الجذور الحرة، وده يقلل مخاطر أمراض القلب.

3. تنشيط الدورة الدموية: الفلافونويدات كمان بتحسن تدفق الدم وتوسع الأوعية الدموية.

4. تقوية العظام: اللبن غني بالكالسيوم وفيتامين D (لو مُدعّم)، وده يقوي العظام والأسنان.

5. توفير الطاقة: المشروب بيدي دفعة من الطاقة والدفء، خصوصًا في الجو البارد.

6. تحسين التركيز: الكاكاو يحتوي على كمية بسيطة من الكافيين والثيوبرومين اللي بينشطوا المخ باعتدال.

7. مفيد للهضم: اللبن الدافئ بيساعد على تهدئة المعدة وتحسين الهضم.

لو اتعمل بلبن كامل الدسم بيبقى مشبع أكتر، ولو بلبن خالي الدسم أو نصف دسم بيكون أخف وسعراته أقل.

2026-06-04

منخفض القطارة


 

الأستاذ الدكتور أحمد عيسي

استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

........................

كانوا بيقولوا عليه مشروع القرن اللي هيطلع مصر من أزمتها.. هينتج الكهربا ويزرع الصحراء.....

الحكومه اصدرت بيان بتعلن فيه رفض تنفيذ مشروع منخفض القطارة، والقايم على فكره ملء المنخفض بمياه البحر المتوسط عشان يبقى نقطه ضخمه تخزين المياه وتحليل مياه البحر وتوفيرها للزراعه واستغلالها في انتاج كميات ضخمه من الكهرباء

لكن بعد 10 سنين من الدراسه وتفنيد 5 سيناريوهات متوقعه لنتيجة المشروع، الحكومه قالت: التنفيذ مرفوض.. والسبب؟

نتائج سلبية كشفتها الدراسات المستمرة من 2016 وهي:

-تسرب المياه المالحة إلى باطن الأرض واختلاطها بالمياه الجوفية العذبة، وده ممكن يقضي على الآبار والمخزون المائي في المناطق المحيطة.

 -زيادة ملوحة التربة وتراجع جودة الأراضي الزراعية، وده هيأثر بالسلب على المشروعات القومية الزراعية في المنطقة.

-واحة سيوة أكتر منطقة هتضرر، وخصوصا الملح والعيون الكبريتية والكثبان الرملية والأراضي الرطبة الموجودة فيها 

-تعطيل أنشطة استكشاف وإنتاج البترول في الصحراء الغربية، خصوصا إن التنفيذ يتطلب نقل خطوط البترول والغاز، وده كده هيرفع تكاليف الانتاج والأسعار.

فن التغافل

 


دكتور محمد العوادي 

حكمة الصمت وهدوء الحياة

في دروب الحياة نتعلّم أن الجدال لا يجلب إلا مرارة، وأن الدخول في معركة الكلام خسران للعمر والروح معًا.

فالذي يهاجمك لن يزيده الحوار إلا هجومًا، والانتهازي سيحوّل كلماتك سلاحًا ضدك، والعنيد مهما أطلت الحديث معه فلن يلين قلبه أو يتغيّر رأيه. أما الغبي فلن يفهمك، والمتعصّب لغيرك لن يمنحك أذنًا تسمع ولا عقلًا ينصف.

ما أجمل أن ندرك هذه الحقيقة باكرًا؛ فالحكمة زاد النفوس، والصمت تاج الأخلاق. افتح باب الحوار بلطف، فإن وجدت رياح الجدال تهبّ، فانسحب بهدوء، ودع الكلمات تذروها الرياح. فليس كل معركة تستحق أن تُخاض، وليس كل رأي يُفرض، ولا كل عقل يُفتح بالجدال.

دع الناس يتكلمون كما يشاؤون، ودع من يصدّق يصدّق، ومن يرفض يرفض. إنك لن تغيّر الكون بجدالك، لكنك تستطيع أن تحافظ على صفاء روحك بصمتك، وأن تشتري عمرك بالسكوت والتغافل.

فكم هي هانئة حياةٌ هادئة، قوامها الحكمة، وصاحبها يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، ومتى يكون الصمت أبلغ من ألف خطاب.

أسرى المقارنة

 


دكتور محمد العوادي 

الحاقد يضيع عمره في تتبع نجاحات الآخرين حتى يحترق ذاتيًا بدلًا من معالجة فشله.

من أغرب ما يمكن أن يبتلى به الإنسان أن ينشغل بحياة غيره أكثر من انشغاله بحياته، وأن يراقب خطوات الآخرين وإنجازاتهم مراقبة دقيقة، لا ليقتدي بها أو يتعلم منها، بل ليبحث عن عثرة أو يتمنى زوال نعمة أو ينتظر لحظة إخفاق تريحه من ألم المقارنة. وهنا يتحول الحسد من شعور عابر إلى أسلوب حياة يستهلك صاحبه قبل أن يؤذي غيره.

فالحاقد لا يعيش حياته كما ينبغي، لأنه يوجه طاقته كلها نحو الخارج. يتابع نجاح هذا، وترقي ذاك، وانتشار آخر، وما حققه غيره من تقدم أو مكانة أو احترام. وكلما رأى نجاحًا جديدًا اشتعلت في داخله نار الغيرة، حتى يصبح أسيرًا لها لا يكاد يفكر في تطوير نفسه أو إصلاح عيوبه أو معالجة أسباب تعثره.

والعجيب أن النجاح الحقيقي لا يُنتزع من الآخرين، ولا تتسع له المقارنات العقيمة. فلكل إنسان طريقه وظروفه ورزقه وقدراته. لكن الحاقد يرفض أن ينظر إلى هذه الحقيقة، لأنه يجد راحته في اتهام الآخرين وتفسير تفوقهم بأسباب وهمية، بينما يعجز عن مواجهة نفسه ومراجعة أخطائه.

إن الوقت الذي يقضيه الإنسان في مراقبة الناس يكفي أحيانًا لصناعة نجاح شخصي حقيقي لو استثمره في التعلم والعمل والاجتهاد. غير أن الحاقد يهدر سنوات عمره في حساب مكاسب غيره وتتبع أخبارهم وتحليل خطواتهم، فيزدادون هم تقدمًا بينما يظل هو ثابتًا في مكانه، بل ربما يتراجع أكثر فأكثر.

ولذلك فإن الحقد في جوهره عقوبة ذاتية قبل أن يكون موقفًا تجاه الآخرين. إنه نار تشتعل داخل صاحبها، تسرق راحته، وتعكر صفو أيامه، وتحجبه عن رؤية الفرص المتاحة له. أما أصحاب النفوس السوية فإنهم يفرحون للناجحين، ويتعلمون من تجاربهم، ويجعلون نجاح الآخرين دافعًا للعمل لا سببًا للمرارة.

ومن الحكمة أن يدرك الإنسان أن حياته أقصر من أن يبددها في مراقبة الناس، وأن مستقبله لن يتغير بتتبع نجاحات الآخرين، بل بتطوير نفسه والارتقاء بقدراته. فالعاقل ينظر إلى الأمام، أما الحاقد فيظل ملتفتًا إلى غيره حتى يفوته الطريق كله.

وما أكثر من احترقوا بنيران الحسد وهم يظنون أنهم يؤذون غيرهم، فإذا بهم يستهلكون أعمارهم في معركة خاسرة مع نجاحات لا يملكون منعها، بينما كان بإمكانهم أن يصنعوا لأنفسهم نجاحًا يليق بهم لو أنهم وجهوا جهدهم إلى البناء بدلًا من الانشغال بالهدم.