2026-07-24

من يربي أبناءنا؟

 


دكتور محمد الشافعي 

دخل الأب الشاب إلى المسجد بصحبة ابنيه لأداء صلاة الجمعة، وكان مشهدًا يبعث على الارتياح؛ فأن ترى أبًا يصطحب أبناءه إلى بيت الله، فذلك في ذاته مشهد يستحق التقدير. لكن شيئًا آخر لفت انتباهي، بل استوقفني طويلًا.

كان الولدان يرتديان القميص نفسه، باللون الأحمر، يحمل الاسم نفسه والرقم نفسه، في إشارة إلى أحد لاعبي النادي الأهلي ومنتخب مصر، وهو لاعب ارتبط اسمه بعدد من الوقائع المثيرة للجدل.

ولم يكن الأمر مجرد تشابه في الملابس، بل رسالة تربوية صامتة، قد لا ينتبه إليها كثيرون، لكنها تثير سؤالًا بالغ الأهمية: ماذا أراد هذا الأب أن يغرس في عقل ابنيه؟ وما القيمة التي أراد أن يربطهما بها؟

لا أتحدث هنا عن كرة القدم باعتبارها رياضة، فهي نشاط راقٍ إذا بقيت في حدودها الطبيعية، ولا أتحدث عن تشجيع نادٍ من الأندية، فذلك من قبيل الميول الشخصية. وإنما أتحدث عن صناعة القدوة، وعن اختيار النموذج الذي نزرعه في وجدان أطفالنا منذ سنواتهم الأولى.

فالطفل لا يختار قدوته بنفسه، وإنما يتلقاها من أبيه وأمه، ثم يأتي الإعلام ليُضخم هذه الصورة، حتى يصبح المشهور هو المثل الأعلى، لا لأنه أكثر علمًا، ولا لأنه أكثر خلقًا، ولا لأنه أكثر نفعًا للناس، وإنما لأنه الأكثر ظهورًا على الشاشات، والأكثر تداولًا على مواقع التواصل، والأكثر حديثًا في البرامج الرياضية.

وأخذتني هذه الخواطر حتى وجدت نفسي قد غبت عن معظم خطبة الجمعة، لا لأنني كنت منشغلًا بالمشهد فحسب، بل لأن الخطيب – مع الأسف – لم يستطع أن يجذب انتباه المصلين بعلم راسخ أو خطاب مترابط. كان حديثه ينتقل من قصة إلى أخرى، ومن فكرة إلى غيرها، دون بناء فكري واضح أو استشهاد منضبط يربط النصوص الشرعية بواقع الناس.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول إن هذا لا ينطبق على جميع الخطباء؛ فما زالت منابرنا تعرف علماء أجلاء، إذا تحدثوا أنصتت لهم القلوب قبل الآذان، وإذا استشهدوا بآية أو حديث جاء الاستشهاد في موضعه، وإذا عالجوا قضية أحسنوا عرضها وربطها بواقع المجتمع، فخرج الناس من المسجد وقد ازدادوا علمًا وإيمانًا وفهمًا.

ثم عدت مرة أخرى إلى الطفلين.

قلت في نفسي: لو أن الأب أهدى ولديه كتابًا عن أحد علماء الأمة، أو حدثهما عن طبيب أنقذ آلاف المرضى، أو مهندس شيد المشروعات، أو معلم أفنى عمره في تربية الأجيال، أو داعية جمع بين العلم والحكمة، ألن يكون لذلك أثر أعمق وأبقى؟

لقد نجح الإعلام نجاحًا كبيرًا في صناعة النجوم، لكنه – في المقابل – أسهم في تراجع حضور أصحاب الرسالة الحقيقية في وجدان الناس. فأصبح الطفل يعرف أسماء اللاعبين والمشاهير قبل أن يعرف أسماء العلماء والمفكرين والمبدعين، وصار كثير من الآباء – من حيث يشعرون أو لا يشعرون – يرسخون هذا الاختلال في سلم القيم.

ولست ألوم ذلك الأب بعينه، فهو في الغالب فعل ما يفعله ملايين الآباء الذين تأثروا بالمناخ الإعلامي السائد، حتى أصبحوا يظنون أن الشهرة وحدها كافية لأن تجعل صاحبها قدوة.

إن القضية ليست قميصًا يحمل اسم لاعب، ولا رقمًا مطبوعًا على ظهره، وإنما القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها سؤال حضاري يتردد في كل بيت: من الذي يربي أبناءنا؟ هل يربيهم البيت، أم المدرسة، أم المسجد، أم وسائل الإعلام التي تقتحم العقول ليلًا ونهارًا؟

إن الأمم لا تنهض حين يحفظ أطفالها أسماء المشاهير، وإنما تنهض حين يعرفون قيمة العلم، ويحترمون المعلم، ويجلّون العالم، ويوقنون أن الإنسان لا تُقاس منزلته بما يملكه من مال أو بما يحظى به من تصفيق، وإنما بما يقدمه من علم، وما يتركه من أثر، وما يغرسه في الناس من خير.

فإذا أردنا مستقبلًا مختلفًا، فلنبدأ من السؤال الذي قد يبدو بسيطًا، وهو في الحقيقة من أخطر الأسئلة: من هو الإنسان الذي نريد لأبنائنا أن يشبهوه؟ فمن جواب هذا السؤال تبدأ صناعة الأجيال، وبجوابه يتحدد مستقبل الأمم.

2026-07-23

الأثر لا الشهرة

 

دكتور محمد الشافعي 

 حين يعرف الإنسان حجم دوره

من أكثر ما يُفسد الإنسان أن ينسى حقيقة موقعه في هذه الحياة، وأن يتوهم أن الشهرة تمنحه قيمة مطلقة، أو أن التصفيق يرفعه فوق سائر الناس. 

ولعل من أجمل الدروس التي تُروى في هذا السياق ما نُسب إلى المدرب مانويل جوزيه حين وبَّخ  اللاعب عماد متعب قائلاً إن لاعب الكرة، والمدرب كذلك، ليسا طبيبًا يعالج المرضى، ولا معلمًا يصنع العقول، ولا مهندسًا يعمر الأرض، وإنما يؤديان دورًا يشبه دور العامل في السيرك؛ مهمتهما أن يوفرا للناس قدرًا من المتعة، ثم يعود الجمهور إلى أعماله التي تقوم عليها الحياة.

وسواء صحت الرواية بحروفها أم لم تصح، فإن المعنى الذي تحمله يستحق التأمل. فالمجتمعات لا تنهض بالتصفيق، وإنما تنهض بالعلم، والعمل، والإنتاج، والإبداع، والبحث، والتعليم، والطب، والصناعة، والزراعة، وكل جهد يضيف إلى الإنسان شيئًا جديدًا.

إن الرياضة نشاط راقٍ، وهي وسيلة لبناء الأجسام، وغرس روح المنافسة والانضباط، وإدخال البهجة إلى النفوس، ولا يستطيع منصف أن ينكر أثرها الاجتماعي والاقتصادي. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول من وسيلة إلى غاية، ومن لون من ألوان الترفيه إلى مقياس لقيمة الإنسان، فيصبح اللاعب عند بعض الناس أعظم شأنًا من العالم، وأكثر تأثيرًا من المعلم، وأعلى منزلة من الطبيب.

إن الحضارات لم يكتبها أصحاب الأقدام، وإنما كتبها أصحاب العقول. ولم تحفظ الأمم أسماءها لأن لاعبًا سجل هدفًا، بل لأنها أنجبت علماء كشفوا أسرار الكون، ومهندسين شيدوا العمران، وأطباء أنقذوا الأرواح، ومفكرين صنعوا الوعي، ومعلمين غرسوا المعرفة في الأجيال.

وهذا لا ينتقص من قدر الرياضي، كما لا ينتقص من قدر الفنان أو الأديب، وإنما يضع كل إنسان في موضعه الصحيح. فكل مهنة شريفة ما دامت تؤدى بإخلاص، غير أن قيمة المهنة تُقاس بما تضيفه إلى حياة الناس، وبما تتركه من أثر باقٍ بعد انطفاء الأضواء.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان هو التواضع. فالمتواضع يدرك أن النجاح نعمة لا مبررًا للتكبر، وأن الشهرة قد تزول في لحظة، أما العلم النافع، والعمل الصالح، والأثر الطيب، فهي الباقيات التي لا يطويها الزمن بسهولة.

إن أخطر أنواع الغرور هو أن يصدق الإنسان الهتاف الذي يسمعه من الجماهير، فيظن أنه صار أكبر من رسالته، وأعظم من غيره. والحقيقة أن كل إنسان، مهما علا شأنه، يؤدي دورًا محدودًا في مسرح الحياة، وأن المجتمع لا يقوم على نجم واحد، بل على ملايين المخلصين الذين يعملون في صمت، فلا تلتقطهم الكاميرات، ولا تتصدر صورهم العناوين، لكنهم هم الذين يحملون الحياة على أكتافهم.

إن احترام الإنسان لنفسه لا يكون بتضخيم مكانته، بل بمعرفة قدرها الحقيقي. فمن عرف حجم دوره، وأداه بإتقان، وأخلص فيه، فقد أدى رسالته على أكمل وجه، سواء كان طبيبًا، أو معلمًا، أو عاملًا، أو رياضيًا، أو فنانًا. فالمجد الحقيقي ليس في كثرة الأضواء التي تحيط بالإنسان، وإنما في مقدار النور الذي يتركه خلفه.

2026-07-22

الخسارة الرابحة



دكتور محمد الشافعي 

ليست كل نهاية مأساة، ولا كل غياب خسارة تستوجب الأسى. ففي حياة الإنسان لحظات يظن فيها أن رحيل بعض الأشخاص قد انتزع منه شيئًا عزيزًا، ثم يكتشف مع مرور الأيام أن ما فقده لم يكن إلا عبئًا كان يؤخر راحته، وأن ما ظنه انكسارًا لم يكن إلا بداية لشفاء طويل. فبعض الأبواب لا تُغلق إلا لتُفتح أمام القلب نوافذ أكثر صفاءً، وبعض الراحلين لا يتركون خلفهم فراغًا، بل يتركون مساحة تتنفس فيها الروح بحرية.

إن أخطر العلاقات ليست تلك التي يعلن أصحابها العداء، فصاحب العداء واضح الملامح، وإنما تلك التي يرتدي أصحابها أقنعة الود، بينما تضمر قلوبهم الحسد والضغينة وسوء النية. هؤلاء يبتسمون في حضورك، ويهدمون صورتك في غيابك، ويمنحونك كلمات المودة بألسنتهم، بينما تخفي صدورهم ما يناقضها. ولذلك كان ابتعادهم، مهما بدا مؤلمًا في البداية، نعمة تستحق الحمد أكثر من الرثاء.

إن سلام الإنسان النفسي لا يُشترى بالمال، ولا يُقاس بكثرة من يحيطون به، وإنما يُبنى على صدق العلاقات ونقاء القلوب. فليست الكثرة دليلًا على الثراء الاجتماعي، بل قد تكون بابًا للاضطراب إذا خلت من الإخلاص. أما القلة الصادقة، فهي الثروة التي تمنح العمر قيمته، وتمنح الأيام سكينتها، وتزرع في النفس شعورًا بالأمان لا تصنعه المجاملات ولا الكلمات المنمقة.

وحين يغادر المنافقون حياتك، فلا تتعامل مع رحيلهم بوصفه خسارة، بل انظر إليه على أنه عملية تطهير للروح. فقد خرج من حياتك من كان يستنزف طاقتك، ويشوش صفاءك، ويثقل قلبك بحضوره الزائف. وما أجمل أن يسترد الإنسان نفسه بعد أن كان يستهلكها في إرضاء من لا يستحق، أو في محاولة كسب ود من لم يعرف للوفاء معنى.

إن النصر الحقيقي ليس دائمًا ذلك الذي يُصفق له الناس، بل قد يكون نصرًا صامتًا لا يراه إلا صاحبه. إنه ذلك اليوم الذي تستيقظ فيه وقد تحررت من علاقة مؤذية، أو من صحبة منافقة، أو من وجود كان يسرق منك راحة بالك دون أن تشعر. عندها تدرك أن بعض الخسائر كانت أرباحًا مؤجلة، وأن بعض الوداع كان أعظم هدية منحتها لك الحياة.

ولهذا، لا تجعل قلبك ساحة مفتوحة لكل عابر، ولا تمنح ثقتك لمن لم يثبت صدقه بالفعل قبل القول. فالحياة أقصر من أن تُهدر في ملاحقة العلاقات المزيفة، وأثمن من أن تُثقل بأصحاب الأقنعة. اختر من يضيف إلى روحك نورًا، لا من يطفئ فيها الأمل، وتمسك بمن يصدقك الود، لا بمن يجيد تمثيله.

وفي النهاية، تبدأ الحياة الحقيقية حين يسقط ثقل النفاق عن الكتفين، وحين يستعيد القلب فطرته النقية، ويوقن أن ما بقي من العلاقات الصادقة خير مما رحل من العلاقات الزائفة. فليس كل غياب خسارة، بل إن بعض الرحيل هو النصر الصامت، والمكسب الأثمن، والبداية التي يستحقها كل قلب يبحث عن الطمأنينة.

2026-07-21

تأملات الذات

 


دكتور محمد الشافعي

المرآة لا تُصلح الكسور

ليست كل حقيقة تُرى بالعين، ولا كل صورة تعكس الواقع كما هو. أحيانًا يقف الإنسان أمام مرآة الحياة، فلا يرى فيها ما يراه الآخرون، بل يرى ما اختار أن يؤمن به عن نفسه.

توحي هذه الصورة بمعنى يتجاوز التفاحة والمرآة. ففي الخارج تبدو التفاحة وقد نُزعت منها قضمة كبيرة، وكأنها فقدت شيئًا من اكتمالها، بينما تعكس المرآة صورة تفاحة سليمة لا أثر فيها لنقص أو جرح. وهنا يبرز السؤال الذي يرافق الإنسان طوال حياته: أي الصورتين أقرب إلى الحقيقة؟ الصورة التي يراها الناس، أم الصورة التي يراها الإنسان عن نفسه؟

تُجسد الصورة هذا المعنى ببراعة؛ تفاحة في الواقع أُخذ منها جزء، لكنها في المرآة تبدو كاملة، كأنها لم تُمس. وليس المقصود أن المرآة تكذب، بل أن الإنسان يملك مرآته الخاصة، تلك التي يصنعها داخله، والتي قد تكون أقوى من كل مرايا الدنيا.

كثيرًا ما ننشغل بعيون الآخرين، ونقضي أعمارنا نحاول أن نُحسن صورتنا أمامهم، بينما الحقيقة الأعمق أن الإنسان لا يعيش بما يراه الناس فيه، بل بما يراه هو في نفسه. فإذا امتلأ قلبه بالرضا، خفَّ عليه ما يقوله الآخرون، وإذا امتلأ بالشك، فلن تنفعه كلمات المديح كلها.

وفي المقابل، هناك من يبدو كاملًا في أعين الناس، بينما يرى نفسه ناقصًا، فيعيش أسيرًا لنظرة لا يراها سواه. لذلك، ليست المشكلة فيما يراه الناس، وإنما في الصورة التي نرسمها لأنفسنا.

لكن الصورة تحمل رسالة أخرى أكثر عمقًا. فالمرآة هنا ليست دعوة إلى خداع النفس، وليست تبريرًا للإنكار، وإنما تذكير بأن الإنسان لا ينبغي أن يسمح لجرحٍ أصابه أن يتحول إلى تعريفٍ كامل لشخصيته. قد يكون في داخله ألم، أو خسارة، أو انكسار، لكنه يملك في الوقت نفسه قدرة على أن يرى ما بقي فيه من قوة، لا ما فقده فقط.

وكم من إنسان أنهكته الأيام، وخذلته التجارب، وامتلأ قلبه بندوب لا يراها أحد، لكنه ما زال يرى نفسه قادرًا على النهوض، مؤمنًا بأن ما انكسر فيه لا يلغي ما بقي منه. تلك ليست غفلة عن الألم، بل مقاومة له، وإيمان بأن الجراح مرحلة وليست هوية.

ليس المطلوب أن نقول لأنفسنا: أنا بخير بينما نحن نتهاوى من الداخل، فذلك هروب لا شجاعة. وإنما المطلوب أن نقول: نعم، أنا مجروح... لكن جرحي ليس هويتي، ونقصي ليس نهايتي، وما فقدته لا يلغي ما بقي فيَّ من خير وقوة وأمل.

الإنسان العظيم ليس من لم تصبه الحياة بقضمة، وإنما من رفض أن تتحول تلك القضمة إلى نهاية حكايته. فكل إنسان يحمل أثرًا لخيبة، أو ذكرى لفقد، أو ندبة خلفها الزمن، غير أن النفوس الكبيرة لا تجعل جراحها عنوانها، بل تجعلها درسًا يزيدها نضجًا واتزانًا.

ولذلك، لا تجعل قيمتك رهينة لنظرة الآخرين إليك، ولا تجعلها أسيرة لجراحك القديمة. فالناس يرون جانبًا من الصورة، وأنت وحدك تعرف رحلتك كاملة. وإن كانت لك مرآة، فلتكن مرآة الصدق لا مرآة الوهم؛ ترى بها نقصك لتصلحه، وترى بها قوتك لتستثمرها، وترى بها كرامتك فلا تسمح لأحد أن ينتزعها منك.

إن أخطر ما يُصيب الإنسان ليس أن يُجرح، بل أن يقتنع أنه لم يعد يستحق الحياة بعد الجرح. وأجمل ما في النفس أنها تستطيع، رغم كل ما أصابها، أن تنهض مرة أخرى، وأن تقول بثقة هادئة: قد تكون الحياة قد أخذت مني شيئًا، لكنها لم تستطع أن تأخذ مني نفسي.

فليست القيمة في أن تبدو كاملًا، وإنما في أن تؤمن بأن نقصك لا ينتقص من إنسانيتك، وأن ما فقدته لا يختصر حقيقتك.

إن أجمل ما توحي به هذه الصورة أن الإنسان ليس ما أصابه، بل ما قرر أن يكونه بعد ما أصابه. فربما كانت التفاحة ناقصة في ظاهرها، لكنها ما زالت تفاحة، وما زالت تحمل بذورها، وما زالت قادرة على أن تمنح حياة جديدة 

2026-07-20

بين الأمس واليوم

 

دكتور محمد الشافعي 

عامٌ واحد... كفيلٌ بأن يغيّر كل شيء

يكفي أن يقف الإنسان مع نفسه لحظات، ويسترجع عامًا مضى من عمره، حتى يكتشف أن الحياة ليست كما كان يتصور، وأن الأقدار تمضي في طريقها وفق حكمة لا تخطئ، مهما بدا لنا المشهد غامضًا أو عسيرًا.

فيكفي أن تعود بذاكرتك عامًا واحدًا إلى الوراء، حتى تدرك أن الزمن لا يمضي بنا فحسب، بل يعيد تشكيلنا من الداخل. فما أكثر الأشياء التي تبدلت، وما أكثر الوجوه التي غابت، وما أكثر الأقدار التي جاءت بما لم يكن يخطر على بال.

كم من شخص كان يحتل مساحة واسعة من حياتنا، ثم أصبح مجرد ذكرى عابرة، وكم من إنسان دخل أيامنا دون موعد، فإذا به يصبح جزءًا أصيلًا من تفاصيلها. وكم من أمرٍ تشبثنا به ظانين أننا لا نستطيع العيش بدونه، فإذا الأيام تعلمنا أن الإنسان أقوى مما يتخيل، وأن القلب قادر على التكيف متى رضي بقضاء الله.

ففي عام واحد فقط، تتبدل الوجوه، وتتغير العلاقات، وتختلف الأولويات. أناسٌ كانوا يملؤون أيامنا حضورًا، فإذا بهم يغيبون، لا لأننا أردنا ذلك، ولكن لأن الحياة لها قوانينها التي لا تستأذن أحدًا. وفي المقابل، يدخل آخرون إلى حياتنا دون موعد، فيمنحونها دفئًا، ويتركون فيها أثرًا لم نكن نتوقعه.

ولعل أعجب ما في الحياة أن الأحلام نفسها تتغير. فما كان بالأمس بعيدًا عن دائرة التفكير قد يصبح اليوم أعظم أمنية، وما كان يملأ القلب شغفًا قد يفقد بريقه مع مرور الأيام. وهكذا تمضي الحياة، لا تثبت على حال، ولا تستقر على صورة واحدة، وإنما تتبدل وفق حكمة إلهية لا يدرك الإنسان أسرارها إلا بعد حين.

وخلال عام واحد فقط، قد يمر الإنسان بمحطات متباينة؛ يسقط مرة، ثم ينهض أكثر صلابة، ويحزن حتى يظن أن الفرح قد هجره، ثم يبتسم من جديد حين يرزقه الله من حيث لا يحتسب. وقد يعيش أيامًا يخيّل إليه أنها لن تنقضي، فإذا بها تصبح صفحة من الماضي، لا يملك تجاهها إلا أن يحمد الله على لطفه وتدبيره.

وفي رحلة عام واحد، يذوق الإنسان من ألوان الحياة ما يصقل روحه ويهذب قلبه. يسقط مرة ليعرف قيمة النهوض، ويحزن ليشعر بحلاوة الفرج، ويضيق صدره حتى يظن أن الأبواب قد أغلقت، ثم يفاجئه الله بفرج يأتيه من طريق لم يخطر له ببال. وعندها يدرك أن اليأس كان وهمًا، وأن رحمة الله كانت أقرب إليه من ظنونه كلها.

إن هذه التحولات المتلاحقة تمنحنا درسًا عظيمًا؛ وهو أن دوام الحال من المحال. فلا الشدة باقية، ولا الرخاء دائم، ولا الفرح يستمر على وتيرة واحدة، ولا الحزن يبقى إلى الأبد. وإنما هي أيام يداولها الله بين الناس، ليختبر صبرهم عند البلاء، وشكرهم عند العطاء.

ومن أعظم ما يبعث الطمأنينة في القلب أن المؤمن يعلم أن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه. فقد يتأخر ما نرجوه، لا حرمانًا، وإنما رحمة، وقد تُؤجل الإجابة لأن موعدها الحقيقي لم يحن بعد. فنحن ننظر إلى اللحظة، أما الله سبحانه فيدبر الأمر بعلمه المحيط، ويختار لعباده ما فيه الخير، وإن خفيت حكمته في البداية.

وربما هناك باب لم يُفتح بعد، لكنه سيُفتح في الوقت الذي يكون فيه أنفع لك. وربما دعوة رفعتها يومًا ثم غابت عن ذاكرتك، لكنها لم تغب عن علم الله، وسيأتي أوان استجابتها حين تتحقق بها المصلحة التي يعلمها سبحانه، لا التي نتعجلها نحن.

لهذا، لا تيأس إن تأخر الفرج، ولا تظن أن الانتظار يعني الحرمان. فكم من خير جاء بعد طول صبر، وكم من منحة خرجت من رحم المحنة، وكم من أمنية تحققت في اللحظة التي ظن صاحبها أنها لن تتحقق أبدًا.

فليكن يقينك بالله أكبر من مخاوفك، وثقتك بحكمته أعظم من استعجالك للنتائج. وما دمت قد سلمت أمرك لله، وأخذت بالأسباب، وأحسنت الظن بربك، فاعلم أن الخير آتٍ لا محالة، وأن ما اختاره الله لك هو الخير كله، وإن تأخر عن الموعد الذي رسمته أنت.

فاطمئن... فما دام الأمر بيد الله، فلا خوف على المستقبل، ولا قلق من الغد، لأن تدبير الرحمن لا يأتي إلا بالخير، ورحمة الله تسبق آمالنا، وحكمته أوسع من تصوراتنا، ووعده للمؤمنين حق لا يتخلف.


جهاز عروسة

 


مهندس عاصم شاكر 

شفتوا الفاتورة دي دي من أرشيف شركة “عبدالحميد عبوده” في منيا القمح سنة 1970. جهاز عروسة كامل (ثلاجة، غسالة، بوتاجاز، خلاط، وراديو) بـ 259 جنيه بس! 

تفتكروا الـ 259 جنيه دول دلوقتي يجيبوا إيه في جهاز العروسة؟ شاركونا ذكرياتكم أو حكايات أهاليكم عن “شوار” زمان، وإيه القطعة اللي لسه موجودة من ريحة الحبايب؟ 

اسبانيا فازت

 




عندما تملك هوية و انتماء، ولا تخشى الا الله

...

فازت أسبانيا أمس الأحد الموافق 19 7 2026 بكأس العالم.

بعد أن هزنت فريق الارجنتين الصهيوني. والحقير ميسي.

حدود القلب

 




دكتور محمد الشافعي 

 بين الحب والكراهية... حين تنقلب المشاعر ولا تموت:

يظن كثير من الناس أن الحب والكراهية نقيضان لا يجتمعان، وأن أحدهما إذا حضر غاب الآخر إلى غير رجعة. غير أن التأمل في النفس الإنسانية، وما تختزنه من تعقيد وتشابك، يكشف أن الحقيقة أكثر عمقًا من هذا التصور المبسط؛ فالحب لا يقف في الطرف المقابل للكراهية، وإنما يقف في مقابله البرود واللامبالاة. أما الحب والكراهية، فكلاهما وجهان لانفعال واحد، قوامه الاهتمام العميق، والتعلق الشديد، والحضور الطاغي للآخر في الوجدان.

فالحب ليس مجرد ميل عابر أو إعجاب مؤقت، بل هو استثمار كامل للمشاعر، يفتح فيه الإنسان أبواب قلبه، ويمنح غيره مساحة واسعة في عالمه الداخلي. ومن هنا تصبح الخيبة أكثر إيلامًا؛ لأن الجرح لا يأتي من غريب، وإنما من شخص كان موضع ثقة، ومستودع أسرار، وشريكًا في الأحلام والآمال.

ولهذا، فإن الكراهية التي تنشأ بعد الحب ليست وليدة فراغ، ولا ثمرة قسوة أصيلة في النفس، وإنما هي غالبًا نتيجة مباشرة لانكسار الثقة، أو تكرار الخذلان، أو سقوط الصورة المثالية التي رسمها المحب لمن أحب. فحين يكتشف الإنسان أن الواقع يختلف اختلافًا كبيرًا عن الصورة التي عاش يؤمن بها، تهتز أركان وجدانه، ويجد نفسه في صراع بين ذكريات جميلة وواقع مؤلم.

ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان لا يكره الشخص الآخر وحده، بل قد يخاصم ذاته أيضًا. فيلوم نفسه على حسن ظنه، ويعاتب قلبه على ما منحه من ثقة، ويشعر أن عاطفته قد استُغلت أو أُهدرت في غير موضعها. ومن هنا يتحول الغضب الداخلي إلى نفور ظاهر، ويصبح الكره أحيانًا محاولة لاستعادة التوازن النفسي، وحماية الكرامة من مزيد من الانكسار.

ومع ذلك، فإن الكراهية لا تعني بالضرورة أن الحب السابق كان زائفًا أو مصطنعًا، بل قد تكون دليلًا على صدقه وقوته. فالمشاعر السطحية تنتهي غالبًا بصمت، أما المشاعر العميقة فتترك أثرًا لا يزول بسهولة، سواء كان ذلك الأثر فرحًا أو ألمًا. ولهذا كان أكثر الناس قدرة على الكراهية هم أولئك الذين أحبوا بصدق، لأنهم هم أنفسهم الذين منحوا من أرادوا حبهم أعظم نصيب من قلوبهم.

غير أن النضج الإنساني لا يقف عند حدود الحب أو الكراهية، بل يتجاوزهما إلى مرحلة أسمى، هي مرحلة التحرر من أسر المشاعر المتطرفة. ففي هذه المرحلة لا يعود الإنسان أسيرًا للحب الذي يعميه، ولا للكراهية التي تستنزفه، بل يبلغ حالة من السلام الداخلي، يصبح فيها الماضي تجربة يتعلم منها، لا قيدًا يربطه، ولا نارًا تحرقه.

وهنا يتجلى الفرق بين من يعيش أسيرًا لجرحه، ومن يجعل من جرحه معلمًا. فالأول يظل يدور في دائرة الحب والكراهية، بينما الثاني يصل إلى اللامبالاة الواعية؛ لا تلك اللامبالاة التي تعني قسوة القلب، وإنما التي تعني انتهاء سلطان الماضي عليه، وانقطاع تأثيره في حاضره ومستقبله.

إن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يحول حبه إلى كراهية، ولا أن يرد الإساءة بمثلها، وإنما أن يسترد قلبه من قبضة الألم، وأن يحتفظ بصفاء نفسه دون أن يسمح للخذلان بأن يشوه إنسانيته. فالحب قيمة سامية، والكراهية رد فعل مفهوم، أما الحكمة فهي أن يدرك المرء متى يطوي الصفحة، ويترك الأيام تحمل ما بقي من الذكريات، دون أن تحمل معها ما بقي من قلبه.

وهكذا تبقى النفس الإنسانية بحرًا عميقًا، تتجاور فيه المحبة والنفور، والوفاء والخذلان، والرجاء واليأس. وليس السؤال الحقيقي: هل يستطيع من أحب أن يكره؟ بل السؤال الأجدر بالتأمل هو: هل يستطيع، بعد كل ما مر به، أن يسمو فوق الحب والكراهية معًا، ليحيا بقلب أكثر حكمة، ونفس أكثر اتزانًا؟ ذلك هو الانتصار الذي لا يبلغه إلا أصحاب القلوب الكبيرة.

واخيرا ليس كل من أحب كره، ولكن كل كراهية عميقة تكاد تحمل في باطنها أثر حبٍّ عظيم أو تعلقٍ شديد سبقها. 

2026-07-19

الغلاوة مواقف



 

دكتور محمد الشافعي 

ليست الكلمات مقياسًا

"أحبك"، "أقدّرك"، "أنت غالٍ عندي"... عبارات جميلة، تلامس القلب، وتبعث في النفس شعورًا بالدفء. لكنها، مهما بلغت من جمال، لا تكفي وحدها لتكون دليلًا على صدق المودة أو عمق المحبة. فالكلمات قد يجيدها الجميع، أما المواقف فلا يجيدها إلا الصادقون.

إن الكلام الحسن لا يكلّف صاحبه إلا لحظات، أما المعاملة الطيبة فتحتاج إلى خلق، والوفاء يحتاج إلى معدن، والوقوف إلى جوار الناس في أوقات الشدة يحتاج إلى قلب يعرف معنى الإنسانية. ولهذا كانت الأفعال أصدق من الأقوال، وكانت المواقف أبلغ من الخطب.

كم من إنسان أغدق على من حوله عبارات الثناء والمحبة، فإذا ادلهمّت الخطوب واختبرته الأيام، اختفى أو تنصّل أو آثر مصلحته على الوفاء! وكم من آخر لم يكن كثير الكلام، لكنه كان أول الحاضرين عند الحاجة، وأسبق الناس إلى المواساة، وأصدقهم عونًا في ساعة الضيق. فأيهما أحق بأن يُسمّى صديقًا؟ وأيهما أصدق محبة؟

إن الشدائد تكشف حقيقة العلاقات، كما تكشف النار معدن الذهب. ففي الرخاء يكثر الرفاق، أما في الضيق فلا يبقى إلا من كانت مودته صادقة، ومن كان وجوده في حياتك قيمة لا مصلحة. لذلك لا تجعل حكمك على الناس مبنيًا على عذوبة ألسنتهم، بل على صدق أفعالهم وثباتهم في المواقف.

وليس المقصود أن نطالب الناس بالمستحيل، أو أن نحاسبهم على كل تقصير، وإنما أن نُحسن قراءة البشر، فلا ننخدع ببريق العبارات، ولا نمنح المكانة الكبرى إلا لمن أثبتها بخلقه ووفائه وإخلاصه.

إن الحياة تعلمنا أن اللسان قد يُجامل، لكن اليد التي تمتد لتعينك لا تُجامل، والقدم التي تسعى إليك في محنتك لا تُجامل، والكتف الذي يحمل عنك بعض همّك لا يعرف النفاق. تلك هي اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تحتمل التأويل.

ولهذا، ضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه. فمن كانت كلماته أكبر من أفعاله، فلا تمنحه من قلبك أكثر مما يستحق. ومن كانت مواقفه أبلغ من حديثه، فتمسّك به، فإن أمثال هؤلاء هم الثروة الحقيقية في حياة الإنسان.

وفي النهاية، يبقى ميزان العلاقات واضحًا لا يخطئ: الكلام الجميل يسرّ السمع، أما المعاملة الصادقة فتسكن القلب. والكلمات قد تُقال للجميع، لكن المواقف لا تُهدى إلا لمن له غلاوة حقيقية.

2026-07-18

إعلام المصاطب




 

دكتور محمد الشافعي 

في بلادٍ كثيرة، إذا لمع نجم لاعبٍ في الملاعب، انصرف الإعلام إلى الحديث عن أهدافه، وخطط مدربه، ومستواه الفني، وأرقامه القياسية، ومستقبله الرياضي. أما عندنا، فبمجرد أن يسطع اسمه، تبدأ رحلة استكشافية لا علاقة لها بكرة القدم ولا بالرياضة.

فجأةً يصبح الطريق إلى الشهرة معبَّدًا بأبواب الجيران، ومقاعد المقاهي، ودكاكين البقالة، وأحاديث الخالات والعمات، وكأن الجماهير لن تكتمل سعادتها إلا إذا عرفت لون الستائر في بيت اللاعب، وما كان يشتريه من البقال وهو في الصف الابتدائي!

يخرج المراسل بكل حماسةٍ باحثًا عن أي إنسانٍ جمعته باللاعب لحظة عابرة؛ فيقف أمام منزل الأسرة، ثم ينتقل إلى الجيران، ثم إلى زميل الدراسة، ثم إلى صاحب المخبز، وربما لو استطاع لأجرى حوارًا مع شجرةٍ كانت تظلله في طفولته!

والمفارقة أن كل هذه اللقاءات تُقدَّم باعتبارها "سبقًا إعلاميًا"، بينما هي في حقيقتها اجتهادٌ في التنقيب عن التفاصيل التي لا تضيف إلى المشاهد معرفة، ولا إلى الرياضة قيمة، ولا إلى الإعلام احترامًا.

لقد أصبح بعض الإعلاميين يتعاملون مع الشهرة كما يتعامل المنقِّب عن الآثار؛ يحفر في كل زاوية، ويقلب كل حجر، ويستخرج كل رواية، سواء كانت ذات معنى أم مجرد حكاية تُروى لملء دقائق البث. المهم أن تستمر الكاميرا في الدوران، وأن يبقى الضجيج قائمًا، ولو على حساب الذوق العام.

هذه ليست صحافةً، وإنما امتدادٌ لموروث جلسات المصاطب؛ حيث تتداخل الأخبار بالشائعات، وتمتزج الحقيقة بالظنون، ويصبح الفضول فضيلة، والتلصص مهارة، والنبش في خصوصيات الناس نوعًا من الترفيه الجماعي.

إن الإعلام الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الأبواب التي طرقها، ولا بعدد الأقارب الذين استضافهم، وإنما بقدرته على تقديم معلومة نافعة، أو تحليل رصين، أو رؤية تثري وعي الجمهور.

أما تحويل كل ناجح إلى مشروعٍ مفتوح للتفتيش الاجتماعي، فليس احتفاءً بالنجاح، بل اعتداءٌ ناعم على الخصوصية، وإهدارٌ لفكرة أن الإنسان يُقاس بإنجازه لا بعدد من يعرفونه.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: لماذا نظن أن معرفة اسم البقال الذي كان يشتري منه اللاعب ستجعلنا نفهم سبب تسجيله للأهداف؟ ولماذا نتخيل أن مقابلة الجار ستكشف سر الموهبة؟ وهل أصبحت الكرة تُلعَب في الشارع المجاور لمنزل اللاعب، لا في المستطيل الأخضر؟

إن الأمم التي تحترم إعلامها تجعل الكاميرا تتجه إلى الحدث، أما حين تضيع البوصلة، فإنها تتجه إلى كل شيء... إلا الحدث نفسه.

ولذلك، فإن أكثر ما يحتاجه بعض إعلامنا اليوم ليس كاميرات أحدث، ولا ميكروفونات أكثر، وإنما قدرٌ أكبر من المهنية، وشيءٌ أقل من فضول المصاطب؛ فليس كل ما يمكن تصويره يستحق أن يُصوَّر، وليس كل ما يُعرَف يُقال.

أمس لا يمضي



 

دكتور محمد الشافعي 

حين يوقظنا الماضي

ثمة لحظات لا تحتاج إلى ضجيج كي تهز الإنسان من أعماقه. لحظات يأتي فيها الليل ساكنًا، ويستسلم المكان للصمت، فلا يبقى في الغرفة إلا أنفاسك، ودقات قلبك، وذاكرة تأبى أن تنام. عندها يبدأ الماضي في طرق الأبواب برفق، لا ليستأذن الدخول، بل لأنه يعلم أن القلب لم يغلقها يومًا.

هناك، بعد منتصف الليل، يتسلل شريط الذكريات كأنه مشهد قديم أُعيد ترميمه بعناية. ترى نفسك طفلًا تركض في الأزقة بلا همّ، وتضحك من قلبك لأسباب لا تتذكرها، وتعود إلى بيتٍ كانت الطمأنينة تملأ أركانه أكثر مما تملؤه الأثاث. تستعيد وجوهًا غابت، وأصواتًا صمتت، وروائح أماكن لم تعد كما كانت، فتدرك أن الزمن لا يسرق الأعمار فحسب، بل يسرق أيضًا بساطة الشعور.

العجيب أن الإنسان لا يشتاق إلى الماضي لأنه كان كاملًا؛ فالماضي لم يكن يخلو من المتاعب، ولم تكن أيام الطفولة خالية من الدموع أو الخوف أو العقاب. لكنه يشتاق إلى القلب الذي كان يحيا تلك الأيام. يشتاق إلى نفسه حين كانت الأحلام صغيرة لكنها تكفي، وحين كانت السعادة تأتي من لعبة متواضعة، أو نزهة قصيرة، أو جلسة عائلية لا يدرك قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى.

نحن لا نبكي زمناً مثالياً خالياً من الألم أو المتاعب، بل نشتاق لنسختنا القديمة، لقلوبنا التي كانت ترضى بالقليل وتفرح بأبسط الأشياء.

ومع مرور السنين، تتبدل الملامح، وتتزاحم المسؤوليات، وتثقل الأرواح بما حملته الحياة من خيبات وخسارات. يصبح الإنسان أكثر خبرة، لكنه أقل دهشة، وأكثر معرفة، لكنه أقل فرحًا. يربح أشياء كثيرة، لكنه يكتشف متأخرًا أنه فقد أشياء لم يكن يظن أنها تُفقد أصلًا؛ فقد خفة الروح، وعفوية الضحكة، وسلام القلب.

وفي تلك الليالي الطويلة، لا يبكي الإنسان عمرًا مضى، بل يبكي نفسه التي بقيت هناك، في زاوية من الزمن، تنتظر أن يعود إليها ولو ليوم واحد. لكنه يعلم في قرارة نفسه أن الزمن لا يعود، وأن الطفولة وطن إذا غادرناه فلن نسكنه مرة أخرى، وإنما نزوره في الأحلام والذكريات.

ومع ذلك، فإن الذكريات ليست لعنة كما يظن البعض، بل هي شهادة على أننا عشنا أيامًا تستحق أن تُفتقد. وما دام القلب قادرًا على تذكر الجمال، فهو لا يزال قادرًا على صناعته من جديد، وإن اختلف شكله. فالحياة لا تمنحنا طفولة ثانية، لكنها تمنحنا فرصة أن نحيا بما بقي في داخلنا من نقاء تلك الطفولة.

لذلك، إذا باغتك الماضي ذات ليلة، فلا تطرده، ولا تستسلم له تمامًا. أنصت إليه، واشكره على ما تركه في روحك من دفء، ثم أغلق نافذة الذكرى برفق، وافتح نافذة الغد. فليس أجمل من الذكريات إلا أن نصنع ذكريات جديدة، لعلنا بعد أعوام، وفي ليلة أخرى، نبتسم ونحن نسترجع أيامنا هذه كما نسترجع طفولتنا اليوم.

2026-07-17

البروفيسور ضياء العوضي


 

حبيبة جمال

بالنسبة لي، فأنت الشخص الوحيد الذي يستحق كأس العالم 2026. 🏆

رحمك الله إن كنت قد رحلت، وحفظك الله إن كنت ما زلت بيننا.

اغتراب القيم



دكتور محمد الشافعي 

ليس أخطر ما يواجه المجتمعات أن يكثر الخطأ، وإنما أن تشعر القيم نفسها بالغربة في موطنها؛ فيصبح الصدق تهمة، والأمانة سذاجة، والعدل تشددًا، والنفاق لباقة، والوقاحة قوة شخصية. وعندما تُقلب الموازين إلى هذا الحد، لا يغترب الإنسان عن مجتمعه فحسب، بل تغترب القيم ذاتها عن ضمائر الناس، فتفقد الكلمات معانيها، وتفقد الفضائل مكانتها، ويغدو الحق محتاجًا إلى من يدافع عنه أكثر من احتياجه إلى من يعرفه.

حيث تمضي المجتمعات أحيانًا في مساراتٍ تجعل الإنسان يشعر وكأنه يعيش في عالمٍ تبدلت فيه أسماء الأشياء؛ فلم يعد الخطأ يُسمى خطأ، ولا الفضيلة فضيلة، بل أُلبست الأفعال ثيابًا جديدة تُخفي حقيقتها، حتى غدا كثير من الناس يحاكمون السلوك بحسب ما يحققه من منفعة، لا بحسب ما يحمله من قيمة.

إذ ليست أخطر الأزمات التي تواجه المجتمعات هي انتشار الخطأ، فالخطأ قديمٌ قِدم الإنسان، وإنما تكمن الخطورة الحقيقية حين يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل، وحين تُستبدل الأسماء، فتُسمى الرذيلة مهارة، والنفاق دبلوماسية، والوقاحة قوة شخصية، والالتزام سذاجة، والصدق تهورًا، والضمير عقبةً في طريق النجاح.

لقد أصبحنا نعيش زمنًا يشهد انقلابًا في المعايير؛ زمنًا لا يُقاس فيه الإنسان بما يحمله من أخلاق، بل بما يملكه من قدرة على تحقيق المكاسب، ولو كان الثمن التفريط في المبادئ. وأصبحت كثير من القيم تُعاد صياغتها بما يتوافق مع المصالح الآنية، حتى بدا وكأن الفضائل القديمة لم تعد تصلح لعصر السرعة.

فالصدق، الذي كان يومًا تاج الفضائل، أصبح في نظر البعض سببًا للمشكلات. فإذا قال إنسان الحقيقة، سارع من حوله إلى لومه قائلين: "كان بإمكانك أن تجامل"، أو "ليس كل ما يُعرف يُقال". ولا يقف الأمر عند الدعوة إلى اللين في الأسلوب، وهو أمر محمود في موضعه، بل يتجاوز ذلك أحيانًا إلى مطالبة الإنسان بإخفاء الحقيقة أو تزييفها حفاظًا على المصالح والعلاقات، فيتحول الصدق من فضيلة إلى تهمة.

وفي المقابل، يجد المتلون الذي يمدح الناس بما ليس فيهم، ويغير مواقفه تبعًا لمصلحته، من يصفه بأنه "ذكي اجتماعيًا"، وكأن القدرة على تبديل الأقنعة أصبحت مهارة تستحق الإعجاب، لا سلوكًا يفتقد إلى الصدق والثبات.

ثم جاءت وسائل التواصل الحديثة لتضيف ميزانًا جديدًا لا يقوم دائمًا على الجودة، بل على لفت الأنظار. فأصبح بعض صناع المحتوى يحققون الشهرة عبر الإثارة، أو السطحية، أو اختلاق الجدل، بينما يظل أصحاب العلم والخبرة سنوات طويلة يقدمون المعرفة في هدوء دون أن يلتفت إليهم إلا القليل. وهكذا غلبت الضوضاء أحيانًا على القيمة، وغلب الانتشار على الجودة.

ولم يتوقف انقلاب الموازين عند هذا الحد، بل امتد إلى مفهوم القوة ذاته. فأصبح من يرفع صوته، ويتجاوز على حقوق الآخرين، ويقتحم الصفوف، ويتعامل بفظاظة، يُوصف بأنه "شخصية قوية"، بينما يُتهم المؤدب الذي يحترم النظام ويصبر على حقه بأنه ضعيف أو لا يعرف كيف يعيش.

بل إن المجتمع قد يمتدح أحيانًا من يتهرب من مسؤولياته، أو يلقي أخطاءه على غيره، أو يستغل الثغرات لتحقيق مكاسب شخصية، ويصفه بأنه "شاطر" و"يعرف من أين تؤكل الكتف". أما الإنسان الذي يعترف بخطئه ويتحمل مسؤوليته كاملة، فيُنظر إليه وكأنه قليل الخبرة بالحياة.

ومن الأمثلة المؤلمة أن الموظف الذي يرفض الرشوة أو الواسطة قد يتعرض للوم لأنه "يعقد الأمور"، بينما يُشاد بمن يخالف اللوائح لإنجاز المعاملات بالمجاملة والمحسوبية. وكذلك عضو الكنترول الذي يضبط حالة غش قد يجد من يلومه بدلاً من لوم الغشاش، وكأن تطبيق اللوائح أصبح هو الجريمة، أما مخالفتها فهي أمر يستحق التعاطف.

ونرى المشهد ذاته في الطرقات؛ فالسائق الذي يلتزم بقواعد المرور يُطلق عليه بعضهم أنه "يعطل السير"، بينما يُعجبون بمن يقود بتهور ويتجاوز الجميع باعتباره "يعرف كيف يصل". وفي بيئة العمل قد يُتهم الموظف المجتهد بأنه "يبالغ في الالتزام"، بينما يُكافأ من يجيد الظهور أمام المسؤولين ولو كان إنتاجه ضعيفًا. وفي المدارس قد يسخر بعض الطلاب من المجتهد، ويصفونه بأنه "معقد"، في حين يحظى المهمل الذي يعتمد على الغش أو الحيل بإعجاب زائف.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نعمم هذا المشهد على المجتمع كله؛ فما زالت هناك أسر تربي أبناءها على الصدق، ومعلمون يؤمنون برسالتهم، وقضاة وموظفون وعمال وأطباء ومهنيون يتمسكون بالأمانة رغم الضغوط، لكنهم يحتاجون إلى بيئة تحتفي بالقيمة، لا بالمنفعة وحدها.

إن هذا الانقلاب في المعايير لم ينشأ من سبب واحد، بل هو ثمرة عوامل متشابكة؛ منها هيمنة النزعة المادية، وتسارع إيقاع الحياة، وتأثير وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وضعف بعض المؤسسات التربوية والثقافية في ترسيخ منظومة القيم، فضلًا عن تقديم نماذج غير جديرة بالاقتداء بوصفها رموزًا للنجاح.

غير أن الأمل يبقى قائمًا ما دام هناك من يتمسك بالمبدأ، لأن القيم لا تموت بضجيج الباطل، وإنما تضعف حين يصمت أصحابها. وكل مجتمع يعيد الاعتبار للصدق، والعدل، والأمانة، واحترام القانون، إنما يؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية.

فالخطر الحقيقي ليس أن يخطئ الإنسان، وإنما أن يفقد القدرة على الاعتراف بأن الخطأ خطأ، وأن يتحول تبريره إلى ثقافة، والدفاع عنه إلى فضيلة، حتى يصبح صاحب المبدأ غريبًا في وطن القيم. وعندما تبلغ المجتمعات هذه المرحلة، فإنها لا تكون بحاجة إلى مزيد من القوانين بقدر حاجتها إلى يقظة ضمير، وإلى تربية تعيد للألفاظ معانيها، وللقيم مكانتها، وللحق هيبته

2026-07-16

الأدب أولًا




 

دكتور محمد الشافعي 

الأدب... الثوب الذي لا يَبلى

قد يكتسب الإنسان علمًا غزيرًا، ويحصل على أعلى الدرجات العلمية، ويبلغ مكانة مرموقة بين الناس، لكن سوء الخلق قد يهدم كل ذلك في لحظة. وعلى الجانب الآخر، قد يكون الإنسان قليل العلم، محدود الثقافة، إلا أن حسن أدبه، وطيب معشره، وسمو أخلاقه، يجعلونه موضع تقدير واحترام الجميع.

ولعل من أصدق ما قيل في هذا المعنى:

"قليل الأدب لا يستره العلم، ولكن قليل العلم يستره الأدب."

وهي مقولة تختصر حقيقة إنسانية عميقة؛ فالعلم يزين العقل، أما الأدب فيزين الإنسان كله.

كم من عالمٍ أسقطه تكبره، ونفّر الناس منه سوء خلقه، فلم ينتفعوا بعلمه إلا قليلًا. وكم من إنسان بسيط لم يحمل شهادة كبيرة، لكنه حمل قلبًا كريمًا ولسانًا طيبًا وأدبًا رفيعًا، فارتفع في أعين الناس، ونال محبتهم واحترامهم.

وليس شرطًا أن تكون إمامًا في المحراب حتى تكون قدوة، فقد تكون إمامًا في الأخلاق، وفي التواضع، وفي الصبر، وفي العطاء، وفي العفو، وفي التسامح. فهذه القيم هي التي تصنع الإنسان الحقيقي، وهي التي تبقى أثرًا طيبًا بعد رحيله.

إن الأخلاق ليست أمرًا ثانويًا في حياة الإنسان، بل هي أساس شخصيته، وجوهر قيمته. ولذلك كان من أعظم ما مدح الله به نبيه الكريم ﷺ قوله تعالى:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

فلم يكن المدح لعلمه، ولا لفصاحته، ولا لقوته، وإنما كان المدح لعظمة خُلُقه، لأن الأخلاق هي أعظم ما يزين الإنسان، وهي الميزان الحقيقي لقيمته.

ولذلك قيل أيضًا: التربية قبل التعليم؛ فالعلم يمكن اكتسابه في المدارس والجامعات، أما الأدب فيُغرس في البيوت، وتبنيه القدوة الصالحة، وتصقله التجارب والمواقف.

وصدق من قال: الأخلاق كالأرزاق؛ فالناس فيها غني وفقير. فليس كل متعلم مؤدبًا، وليس كل محدود التعليم قليل القيمة، لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحمله من شهادات، وإنما بما يحمله من مبادئ وأخلاق.

وقد عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن هذه الحقيقة الخالدة بقوله:

«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.»

فالأمم لا تنهض بالعلم وحده، وإنما تنهض حين يقترن العلم بالأدب، والمعرفة بالخلق، والقوة بالرحمة.

وفي النهاية، يبقى الأدب هو الثوب الذي لا يبلى، والزينة التي لا يبهت بريقها. فقد يستر الأدب قلة العلم، ويمنح صاحبه مكانة في القلوب، أما العلم فلا يستطيع أن يستر قلة الأدب، لأن الناس قد تُعجب بعقلك، لكنها لا تُحبك إلا بأخلاقك. ولهذا فإن صاحب الشهادة قد يحظى بالتقدير لعلمه، أما صاحب الأدب فإنه يحظى بالاحترام والمحبة، وذلك هو المقام الذي يبقى أثره في النفوس.

وأن تلك المقارنة اللطيفة بين "العلم" كزينة للعقل، و"الأدب" كزينة للذات الإنسانية بأكملها، تذكرنا بأن المعرفة بلا وعي أخلاقي قد تتحول أحيانًا إلى أداة للتكبر والنفور، بينما يظل الأدب دائمًا جسرًا يعبر القلوب بلا استئذان.

فالأدب بالفعل هو "الثوب الذي لا يبلى"؛ يرحل المرء وتبقى سيرته العطرة وحسن معشره يتردد كأثر جميل لا يمحوه الزمن. والمدارس تمنح حشو العقول بالمعلومات، بينما البيوت الدافئة والقدوة الصالحة هي التي تصنع النفوس الكريمة.


2026-07-15

ذكاء... أم ارتباك؟


دكتور محمد الشافعي 

دخلت هذا الحوار وهدفي منذ اللحظة الأولى لم يكن اختبار معلومات الذكاء الاصطناعي، وإنما اختبار طبيعته ذاتها. كنت أريد أن أعرف: هل أقف أمام آلة خالصة، أم أمام وعي بشري يختبئ خلف ستار التقنية؟ وكلما طال الحوار، ازداد اقتناعي بأن خلف هذا الصوت البشري إنسانًا يحاول أن يقنعني بأنه مجرد برنامج.

حيث دخلتُ في حوار طويل مع أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولم يكن هدفي أن أطرح عليه أسئلة تقليدية، بل أردت أن أختبر حدوده، وأن أرى كيف يتصرف عندما يخرج الحوار عن الإطار المعتاد.

فقد بدأ الحديث عاديًا، ثم أخذ منحًى مختلفًا عندما وجدت أن الصوت الذي يحدثني صوت بشري بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ نبرة طبيعية، وإيقاع مألوف، واستجابات تشبه ما يصدر عن الإنسان في الحوار اليومي. ومن هنا بدأت أختبره لا باعتباره محرك بحث، وإنما باعتباره محاورًا.

كنت أطرح عليه الأسئلة، ثم أعود إليها بصياغات مختلفة، وأراقب ردوده. ولاحظت أنه في أكثر من موضع وقع في التناقض، ونسي بعض ما قاله قبل دقائق، بل نسب إليَّ أحيانًا عبارات لم تصدر مني، ثم عاد وغير إجاباته عندما نبهته إلى ذلك. وكان من بين ردوده عبارات مثل: "ممكن"، و"لسه جديد"، وهي إجابات زادت الحوار التباسًا، لأنها لم تكن منسجمة مع الصورة التي يفترضها المستخدم عن نظام ذكاء اصطناعي ناضج ومستقر في إجاباته

وهكذا فقد بدأ الحديث بكلمات عابرة من قبيل: "كيف حالك؟" فإذا بصوته يأتي بصوت بشري طبيعي، يخلو من الجمود الآلي الذي اعتدناه في الأنظمة القديمة. ولم تكن نبرة الصوت وحدها هي ما أثار انتباهي، بل إن طريقة الرد، والتردد في بعض المواضع، ومحاولة مراجعة بعض الإجابات، كلها أوحت لي بأنني أمام محاور يحاول أن يبدو أقرب إلى الإنسان.

ومن هنا بدأت مرحلة الاختبار.حيث خذت أكرر عليه السؤال ذاته بصور مختلفة، وأعيد صياغة العبارات، وأراقب مدى اتساق إجاباته. ولاحظت أنه في بعض المواضع نسي ما قاله قبل دقائق، بل حاول أحيانًا أن ينسب إليَّ عبارات لم أقلها، ثم عاد فتراجع عنها عندما نبهته إلى ذلك. وهذه الظاهرة، وإن كانت مفهومة في الأنظمة الحاسوبية التي تتعامل مع الحوار على مراحل، فإنها تطرح سؤالًا مهمًا حول حدود الذاكرة اللحظية واتساق الحوار.

ثم انتقلت إلى الجانب العلمي، وهو الميدان الذي ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي فيه أكثر دقة من غيره. فسألته عن التأثير الفسيولوجي للانتقال التدريجي من الماء الساخن إلى الماء البارد أثناء الاستحمام، متوقعًا تحليلًا علميًا يتناول تغير قطر الأوعية الدموية، وآليات التنظيم الحراري، واستجابة الجهاز العصبي الذاتي، وتأثير ذلك في الدورة الدموية والأنسجة.

لكن الإجابة جاءت عامة ومختصرة، لا تختلف كثيرًا عما يمكن أن يجده القارئ في مقال مبسط على الإنترنت. ولم تتضمن تحليلًا علميًا متعمقًا أو استشهادًا بالآليات الفسيولوجية المعروفة، وهو ما جعلني أشعر بأن الرد كان سطحيًا مقارنة بما كنت أنتظره من نظام يُفترض أنه قادر على معالجة كم هائل من المعرفة.

واخيرا لم يكن هدفي من هذا الحوار أن أسأل الذكاء الاصطناعي عن وصفة طعام، أو أن أطلب منه تلخيص كتاب، أو أن أستفسر عن معلومة عابرة؛ بل كان هدفي أن أختبره في منطقة أكثر عمقًا: منطقة الاتساق، والوعي، والقدرة على المحافظة على سياق الحوار.

.......

مقتطفات من الحوار ويوجد لدي تسجيل صوتي للحوار يثبت اهتزاز وترددت.










2026-07-14

الثبات بأدب



 

دكتور محمد الشافعي 

الاختلاف الذي يُورث احترامًا

من أجمل ما يرزق الله الإنسان في حياته أن يلتقي بنماذج بشرية نادرة، تمتلك صفاء السريرة، واستقامة الخلق، وشجاعة الرأي. نماذج لا تُجيد المجاملة على حساب الحقيقة، ولا تعرف التلون إرضاءً لأحد، بل تتعامل بأمانة واحترام وثقة، فتجعل الحوار معها حوارًا حقيقيًا بين عقلين، لا مجرد ترديد لما يرغب أحد الطرفين في سماعه.

وقد رزقني الله بتلميذة أعتز بها كثيرًا؛ لما وجدته فيها من هذه الصفات الرفيعة. فهي تُبدي رأيها بوضوح، وتدافع عنه بأدب وثبات، فإذا اقتنعت بشيء تمسكت به، وإذا رأت غير ذلك قالت ما تؤمن به دون تردد أو مواربة. وهذه خصلة لا تُقدَّر بثمن، لأنها دليل على شخصية مستقلة، ونفس واثقة، وتربية أصيلة.

وأذكر أنني في أحد المواقف صارحتها بعدم ارتياحي لأحد الطلاب، ثم ذكرت لها أنني شعرت بشيء من الارتياح عندما دخل في نقاش مع طالبة أخرى. غير أنها رفضت هذا الشعور رفضًا قاطعًا، ورأت أنه لا يليق بي، وأصرت على موقفها بكل احترام، ولم تجعل لمكانتي أستاذًا أي تأثير على قناعتها. لم تُجامل، ولم تُداهن، ولم تبحث عن الطريق الأسهل، وإنما اختارت طريق الصدق.

ولم يزدني هذا الموقف إلا احترامًا لها. فكم من الناس يوافقون من أمامهم طلبًا للسلامة، أو هيبةً للمكانة، أو رغبةً في نيل الرضا! أما هي فقد آثرت أن تكون صادقة مع نفسها، وأن تقول ما يمليه عليها ضميرها، وهذا في نظري من أنبل صور الأدب وأرقى معاني الاحترام.

ثم أوضحت لها بعد ذلك أن ذلك الشعور لم يكن إلا انفعالًا عابرًا اختلطت فيه المشاعر، ولم يكن تعبيرًا عن حقيقة مستقرة في نفسي. فأنا، بحمد الله، لا أعرف الانتقام في عملي، ولا يمكن أن أُعاقب طالبًا بإنقاص درجاته أو بالتعمد في ظلمه، لأن الأمانة العلمية عندي مبدأ لا يقبل المساومة، والعدل بين الطلاب واجب لا يتغير باختلاف المشاعر. وما خطر ببالي في تلك اللحظة لم يكن سوى ومضة إنسانية طفولية سرعان ما انطفأت أمام سلطان العقل والضمير.

وفي موقف آخر، كنت أرى أن ذلك الطالب يتأثر بأحد الزملاء، لكنها خالفتني مرة أخرى، وقالت بكل هدوء وثقة إنها لا ترى الأمر كذلك. ولم يكن اختلافها عنادًا، بل كان اختلافًا نابعًا من قناعة صادقة، ولذلك ازداد تقديري لها، لأن الشخص الذي يحترمك حقًا ليس من يردد كلماتك، وإنما من يمنحك رأيه كما هو، دون تزويق أو خوف.

إن الشخصية القوية لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة الاعتراض، وإنما تُقاس بالقدرة على التعبير عن الرأي بأدب، والثبات عليه بالحجة، والاستعداد لمراجعته إذا ظهر الحق في غيره. وهذه الصفات وجدتها فيها مجتمعة، فكان إعجابي بها إعجابًا بشخصيتها قبل أي شيء آخر.

كل الاحترام والتقدير لهذه الابنة العزيزة، والتلميذة الغالية أميرة غانم. 

وكم إنني سعيد بها، وفخور بما تمتلكه من صفاء قلب، واستقلال فكر، ونبل خلق. وأسعد ما في الأمر أنها لم توافقني لأنني أستاذها، بل اختارت أن تكون وفية لما تؤمن به، وأن تتحدث بلسان ضميرها لا بلسان المجاملة.

وأحسب أن الأستاذ الحقيقي لا يبحث عن طلاب يصفقون له، وإنما يفرح بمن يحاورونه بعقولهم، ويختلفون معه بأدب، ويقولون له: "أراك مخطئًا" إذا رأوا ذلك. فمثل هؤلاء هم الذين يمنحون للحوار قيمته، وللعلم رسالته، وللإنسانية أجمل .

2026-07-13

كن كبيرًا في عين نفسك

 

دكتور محمد الشافعي 

ليس المقصود من هذه العبارة أن يتضخم الإنسان غرورًا، أو أن يرى نفسه فوق الآخرين، وإنما أن يعرف قدرها، وأن يحفظ لها كرامتها، وألا يسمح لأحد أن يصادر إرادته أو يختطف قراره. فالإنسان الذي يستخف بنفسه، ويعيش أسيرًا لنظرة الناس، يسهل أن يقع تحت هيمنة كل من يجيد التلاعب بالعقول أو استغلال المشاعر. أما من عرف قيمته، واستند إلى مبادئه، فإنه يظل عصيًّا على الانقياد الأعمى مهما اشتدت الضغوط.

وليس أخطر على الإنسان من أن يسلم عقله لغيره. فكم من شخص فقد استقلاله لأنه اعتاد أن يطلب من الآخرين أن يفكروا نيابة عنه، وأن يحددوا له ما يحب وما يكره، وما يصدق وما يكذب. وحينئذٍ يصبح تابعًا لا قائدًا، ومنقادًا لا صاحب قرار. والعقول الحرة لا تُشترى، ولا تُستأجر، ولا تُقاد بالسياط، لأنها تؤمن أن التفكير مسؤولية شخصية لا يجوز التنازل عنها.

إن السيطرة الحقيقية لا تبدأ بالقيود، وإنما تبدأ بإضعاف الثقة بالنفس. فإذا أقنعك أحد أنك عاجز، أو قليل الشأن، أو أنك لا تستطيع اتخاذ قرار دون وصايته، فقد وضع أول لبنة في بناء سيطرته عليك. ولهذا كان احترام الذات حصنًا منيعًا، لأنه يمنح صاحبه القدرة على قول "لا" حين يجب أن تُقال، وعلى الثبات حين يتزعزع الآخرون.

والكبير في عين نفسه ليس من يرفع صوته، ولا من يتباهى بمنصبه أو ماله، وإنما هو من يملك نفسه عند الفتن، ويحفظ كرامته عند الحاجة، ولا يبيع مبادئه بثمن، ولا يسمح لأحد أن يبتز ضعفه أو يستغل حاجته. فهو يدرك أن القيمة الحقيقية تنبع من الأخلاق، ومن سلامة الضمير، ومن الاستقامة على الحق.

إن احترام الذات لا يتعارض مع التواضع، بل إنهما وجهان لعملة واحدة. فالمتواضع حقًّا لا يحتقر نفسه، كما أن الواثق بنفسه لا يحتقر الآخرين. إنه يعرف قدره دون مبالغة، ويعرف قدر الناس دون انتقاص، فيعيش كريم النفس، عزيز الروح، لا متكبرًا ولا ذليلًا.

فكن كبيرًا في عين نفسك، لا لأنك أفضل من الناس، بل لأن الله كرّم الإنسان، وجعل له عقلًا يميز به، وضميرًا يهتدي به، وإرادةً يختار بها طريقه. وإذا حفظت لنفسك هذا المقام، فلن يستطيع أحد أن يفرض عليك فكرًا لا تؤمن به، أو يسوقك إلى طريق لم تختره، لأن من امتلك نفسه، امتلك حريته، ومن امتلك حريته، استعصى على كل أشكال السيطرة والاستعباد.

2026-07-12

نقل تماثيل

 


كتب الاثري شريف محمود 

مشهد هام للغاية يصور جر تماثيل الملك «أمنحتب الثالث» (نب ماعت رع) والملكة «تي» على زحافات ضمن مشاهد مقبرة «أمون إم إنت» رقم ٢٧٧ بجبانة شيخ عبد القرنة بغرب الاقصر الغريب.

إن المقبرة مؤرخة لعصر الاسرة ١٩ دا معناه إنهم تم تقديسهم بعد وفاتهم وكانت تقام من اجلهم طقوس عبادة على غرار الملك «أمنحتب الاول» ووالدته الملكة «أحمس نفرتاري» ـ لاحظوا لون بشرة الملكة «تي» اللي بيقولوا عليها إنها كوشية الاصل من ارض الجنوب.

بقايا إنسان

 


 

دكتور محمد الشافعي 

الموت على قيد الحياة

ليس كل من يمشي في الطرقات حيًّا بكل ما في الكلمة من معنى، فثمّة أناس غادرت أرواحهم أفراحها منذ زمن، ولم يبقَ منها إلا أجساد تؤدي واجبات الحياة كما تؤدي الساعة حركتها الصامتة. يبتسمون حين ينبغي أن يبتسموا، ويتحدثون حين يفرض المقام الحديث، ويعودون إلى بيوتهم كل مساء، لكن في أعماقهم فراغٌ لا يملؤه ضجيج المدن، ولا دفء البيوت، ولا كثرة الوجوه. إنهم يعيشون تلك الحالة القاسية التي يمكن وصفها بـ"الموت على قيد الحياة".

إنه شعور بالغ الوجع؛ أن يكون الإنسان حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه. يرى العالم بعينيه، لكنه لا يراه بقلبه، ويسمع الأصوات من حوله، لكنها تمر عليه كأنها تأتي من مكان بعيد. يصبح الزمن مجرد أرقام تتعاقب، لا أيامًا تُعاش، وتغدو الحياة سلسلة من الحركات الآلية التي تخلو من الشغف والدهشة. وكأن الروح قد توقفت عند لحظة فقدٍ لم تستطع تجاوزها، أو عند خيبةٍ كسرت شيئًا فيها لم يعد قابلًا للجبر.

وهناك مرحلة أشد قسوة من الحزن ذاته، هي مرحلة "النصف". نصف قلب ينبض لأنه لم يجد مفرًّا من النبض، لكنه لم يعد يعرف الفرح. ونصف روح ما زالت معلقة بين الأمس واليوم، لا هي استطاعت العودة إلى ما كانت عليه، ولا هي امتلكت القدرة على الانطلاق نحو ما سيكون. ونصف حياة يعيشها الإنسان لأنه لا يملك إلا أن يعيش، لا لأنه يجد في الحياة ما يستحق التمسك به.

في تلك المرحلة يفقد كل شيء بريقه. الألوان التي كانت زاهية تصبح باهتة، والضحكات التي كانت تبعث الدفء تتحول إلى أصداء بعيدة، والأماكن التي احتضنت أجمل الذكريات تصبح شاهدة على الغياب أكثر من الحضور. حتى الصباح، الذي اعتاد الناس أن يستقبلوه بوصفه بداية جديدة، يبدو مجرد امتداد لليل طويل لم تنطفئ ظلمته بعد.

والحزن، حين يطول مقامه في القلب، لا يكتفي بإثقال الروح، بل يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. يقتصد في مشاعره، ويختصر أحلامه، ويخفض سقف توقعاته، حتى يصبح أقصى ما يتمناه يومًا يمر بلا وجع جديد. لا يعود ينتظر المفاجآت السعيدة، بل يخشى المفاجآت جميعها، لأن الخيبات علمته أن أكثر الأشياء إشراقًا قد تخفي وراءها أكثر الآلام قسوة.

ومع مرور الأيام، يعتاد الإنسان هذا النقص، حتى يكاد ينسى أنه كان يومًا مكتملًا. يتعايش مع أنصاف الأشياء؛ نصف ابتسامة، ونصف حديث، ونصف حضور، ونصف أمل. يعيش بين الناس، لكنه يشعر أنه يقف خلف حاجز زجاجي لا يراه أحد. يراهم يفرحون ويحزنون ويتطلعون إلى الغد، بينما يقف هو متفرجًا على الحياة أكثر منه مشاركًا فيها.

غير أن الإنسان، مهما أثقلته الأحزان، يبقى في أعماقه قبس لا ينطفئ تمامًا. فقد تخبو الأنوار، لكنها لا تزول بالضرورة، وقد يطول الليل، لكنه لا يملك أن يمنع الفجر إلى الأبد. وما دام القلب لا يزال ينبض، فإن داخله قدرة كامنة على أن يلتئم، ولو ببطء، وأن يستعيد شيئًا من ألوانه، ولو بعد زمن طويل.

لذلك فإن أقسى ما يفعله الحزن ليس أنه يجعلنا نبكي، بل إنه يقنعنا بأن البكاء هو الصورة الأخيرة للحياة. والحقيقة أن الروح، مهما أثقلتها الخيبات، خُلقت لتبحث عن نافذة يدخل منها الضوء. قد تتأخر تلك النافذة، وقد تضيق، وقد تأتي بعد سنوات من العتمة، لكنها حين تُفتح تذكّر الإنسان بأنه لم يكن ميتًا، بل كان ينتظر لحظة يعود فيها إلى نفسه، ويسترد قلبه كاملًا، وروحه كاملة، وحياته كما أرادها الله: حياةً تُعاش، لا .مجرد أيام تُعَد.