دكتور محمد الشافعي
اختر ما يستحق عناءك
كلُّ شيءٍ في هذه الحياة مُغلَّف بالعناء، فلا طريق يخلو من مشقة، ولا حلم يُنال بلا ثمن، ولا علاقة تستمر بلا صبر، ولا نجاح يولد من رحم الراحة. حتى أبسط الأشياء التي نتمناها تأتي محمولة على أكتاف التعب، وكأن الحياة تخبرنا منذ البداية أن العطاء لا يُمنح مجانًا، وأن لكل مكسبٍ كلفة، ولكل ثمرة موسمًا من الكد.
ولأن العناء قدرٌ لا مهرب منه، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف أهرب من المشقة؟ بل: لأي شيء سأبذلها؟
فبعض الناس يُرهق نفسه في مطاردة رضا الجميع، ثم يكتشف أن الناس لا يجتمعون على رضا أحد. وبعضهم يستنزف عمره في منافسات لا تضيف إلى حياته قيمة، أو في خلافات لا تُغيِّر واقعًا، أو في جمع أشياء يتركها كلها حين يرحل. فيدفع الثمن كاملًا، لكنه لا يحصد إلا الفراغ.
وفي المقابل، هناك من يختار عناءً يليق بعمره. يتعب في طلب العلم، فيكبر عقله. ويتعب في تربية أبنائه، فيحصد رجالًا ونساءً صالحين. ويتعب في بناء عملٍ شريف، فيعيش مرفوع الرأس. ويتعب في إصلاح نفسه، فيكسب سلامًا داخليًا لا تُشترى قيمته بمال.
إن المشكلة ليست في التعب، فالجميع يتعبون، ولكن في وجهة هذا التعب. فقد يتساوى شخصان في مقدار الجهد، ويختلفان في النتيجة اختلافًا هائلًا؛ لأن أحدهما أنفق عمره فيما يبقى، والآخر أنفقه فيما يزول.
ومن الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه بين حين وآخر: ما الذي أستهلك فيه أيامي؟ وهل يستحق هذا الأمر أن أدفع له ساعات عمري، وهدوء نفسي، وصحتي، وراحتي؟ فليست كل معركة تستحق أن تُخاض، وليست كل رغبة تستحق أن تُتبع، وليست كل فرصة تستحق أن تُقتنص.
إن العمر رأس مال لا يُعوَّض، وما يُنفق منه لا يعود أبدًا. ولذلك فإن أعظم القرارات ليست اختيار الطريق الأسهل، بل اختيار الطريق الذي يستحق أن نتعب فيه. فالتعب يزول، أما أثره فيبقى؛ فإن كان في خير، بقي خيره، وإن كان في باطل، بقيت حسرته.
ولهذا، لا تبحث عن حياة بلا عناء، فلن تجدها. ولكن ابحث عن عناءٍ إذا نظرت إليه بعد سنوات، شعرت بالفخر لا بالندم، وبالرضا لا بالحسرة. فكل شيء في هذه الحياة له ثمن، والعاقل ليس من يهرب من دفع الثمن، وإنما من يحسن اختيار ما يدفع ثمنه.
لذلك، اختر على الأقل ما يستحق أن تُعاني لأجله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق