2026-08-29

عيون تراقبنا

 



المستشار سعيد البمباوي 

أحيانًا أنظر إلى قطة  جالسة في مكانها، تحدّق في الفراغ بوقار غريب، فأشعر برغبة في أن أسألها: في ماذا تفكرين؟

هل لديكِ أحلام؟ أم أن حياتك كلها تنحصر في وجبة، ومكان دافئ، وقليل من الأمان؟

ثم أنظر إلى كلب يراقب صاحبه، فأفكر: هل يعرف لماذا يحبه؟ وهل يملك، مثلنا، ذاكرة للوجوه والمواقف؟ هل يعرف من يستحق ثقته ومن لا يستحقها؟

ثم يأتي الصرصار، فيفسد عليّ هدوء التأمل كله، فأطارده بلا رحمة، وهو يفرّ كأنني آخر كوارث هذا العالم.

لكن ماذا لو كان لكل واحد منهم عالمه الذي لا نراه؟

ماذا لو كان للقطط طموحاتها، وللكلاب حساباتها، وللصراصير ممالكها الصغيرة؟ هل يتنافسون؟ هل يحسد بعضهم بعضًا؟ هل يتباغضون؟ هل بينهم من يسعى إلى الزعامة، ومن يضمر لغيره الشر، ومن يعيش حياته كلها بعيدًا عن الصراعات؟

والأهم: كيف يروننا نحن؟

ربما لكل حيوان قائمة سرية بالبشر: هذا طيب، وهذا مؤذٍ، وهذا يُؤمَن جانبه، وهذا ينبغي الفرار منه.

وقد يكون حكمه علينا أبسط من أحكامنا؛ فهو لا يقرأ الكلمات ولا يفتش في النوايا، وإنما يتذكر اليد التي أطعمته واليد التي آذته.

أما نحن، فنملك العقل الذي نزعم أنه أعظم ما يميزنا، ومع ذلك نخطئ في قراءة الناس، ونثق بمن لا يستحق، ونخاصم من أحبنا، ونخلط أحيانًا بين الوجه الحقيقي والقناع.

لذلك، كلما رأيت حيوانًا يحدّق في إنسان طويلًا، يراودني خاطر طريف:

ربما لا يكون هو الذي يراقبنا... ربما يكون هو الذي يحكم علينا.

وربما، لو أُتيح له أن يتكلم، لاكتشفنا أن لديه عن البشر رأيًا أكثر دقة مما نحب أن نسمعه.

وحينها قد نكتشف مفارقة لا تخلو من السخرية:

نحن نقضي حياتنا نحاول أن نفهم الحيوان، بينما ربما كان الحيوان قد فهم الإنسان منذ زمن... واختار فقط ألا يتكلم.

ليست هناك تعليقات: