دكتور محمد الشافعي
حين تصبح الرؤية أكثر وضوحًا
كثيرًا ما أجدني حائرًا أمام بعض الظواهر، متأملًا بعض الشخصيات، محاولًا أن أفهم ما وراء المشهد لا ما يظهر على سطحه. وأحيانًا ألوم نفسي حين أجد حكمي قاسيًا بعض الشيء، وأتساءل: هل كنت متشددًا في قراءتي للأشخاص والأحداث؟
لكن الإنسان لا يصل إلى رؤيته من فراغ، ولا تتشكل أحكامه الناضجة في ليلة واحدة. فما أراه اليوم هو حصيلة سنوات طويلة من الحياة، بما حملته من تجارب، وما تركته من ندوب، وما منحته من دروس؛ حصيلة مواقف عشتها، ووجوه عرفتها، ونجاحات وإخفاقات مررت بها، إلى جانب ما تراكم من معرفة وثقافة واختلاط بالناس.
ومع مرور الزمن، يصبح الإنسان أشبه بمن يقف على ربوة؛ يرى المشهد أوسع، ويميز التفاصيل التي قد لا يراها من يقف في قلب الزحام. ولا تعني هذه الرؤية أن الإنسان معصوم من الخطأ، لكنها تمنحه قدرة أكبر على التمييز، حين يستند في أحكامه إلى الدين، والمبادئ، والقيم، والميزان الأخلاقي.
وما يزيدني اطمئنانًا إلى بعض رؤاي أنني أجد، من وقت إلى آخر، شخصيات واعية وذات حيثية فكرية تلتقي معي في القراءة نفسها. عندها أدرك أن ما ظننته يومًا قسوة في الحكم قد يكون في الحقيقة وضوحًا في الرؤية، وأن العزلة عن بعض الأفكار لا تعني بالضرورة الخطأ.
ومن أكثر الظواهر التي ما زالت تستوقفني، بل وتحيرني، ذلك التراجع الملحوظ في المستوى العلمي والمعرفي لدى بعض طلاب الجامعة. والأشد إيلامًا أن تبدو بعض الدفعات أقل استعدادًا للتعلم من سابقتها؛ فتضيق مساحة الاهتمام بالمعرفة، وتتسع مساحة الانشغال بالتفاهات، حتى أصبح بعض الطلاب يتعاملون مع التعليم بوصفه عبئًا ينبغي التخلص منه، لا فرصة لبناء العقل وصناعة المستقبل.
ولا يتوقف الأمر عند الجانب العلمي وحده، بل يثير القلق كذلك ما نلمسه أحيانًا من تراجع في منظومة القيم والانضباط السلوكي. فالجامعة التي يفترض أن تصنع عقلًا أكثر نضجًا، وشخصية أكثر وعيًا، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد محطة للحصول على شهادة.

هناك تعليق واحد:
الاغلب بيبقا داخل الجامعه عنده فكره ان الجامعه مكان للعب و مفيهاش مذاكره فا عشان كدا بنشوف الوضع السئ دا
إرسال تعليق