2026-10-22

نفور لا ارادي

 

د. محمد الشافعي

أشخاص لا نحتمل حضورهم

ثمة أشخاص لا نحتاج إلى أن يطرقوا أبوابنا كي يفسدوا علينا هدوءنا؛ يكفي أن تقع أعيننا عليهم مصادفة، أو أن تتردد أسماؤهم في مجلس، أو أن تستدعيهم الذاكرة من حيث لا نريد، حتى نشعر بأن شيئًا في داخلنا قد اضطرب. كأن حضورهم، ولو كان عابرًا أو متخيَّلًا، يحمل معه أثرًا لا نرغب في استقباله.

ولست أقول ذلك من باب المبالغة، فأنا واحد ممن يحتفظون في ذاكرتهم بقائمة من هؤلاء، تتوزع أسماؤها بين دوائر الأسرة والعمل والجوار. وقد حسمت أمري مع كثير منهم؛ فلا أريد التعامل معهم، ولا أجد نفسي مضطرًا إلى إخفاء ذلك خلف مجاملات لا أؤمن بها. حتى في العمل، لا أقبل أن تجمعني بهم مشاركة في مقرر دراسي، أو لجنة شفوية، أو كنترول، أو ورشة عمل. أفضّل وضوح الموقف على تمثيل الود، وأرى أن الإنسان حين يصالح نفسه لا يعود محتاجًا إلى اختلاق مشاعر لم يعرفها قلبه يومًا.

لكن الأمر لا يقف عند حدود العلاقات التي نستطيع تنظيمها أو إنهاءها؛ فهناك قائمة أخرى لا نملك إغلاق أبوابها بالسهولة نفسها، لأن أصحابها يعيشون في فضاء أوسع من دوائرنا الخاصة. إنهم أولئك الذين تفرضهم علينا الشاشات كل يوم؛ ممثلون ومطربون ومذيعون ولاعبو كرة قدم ومحللون وصحفيون وغيرهم، ممن تتكرر وجوههم وأصواتهم حتى يكاد حضور بعضهم يصبح جزءًا من ضجيج الحياة اليومية.

ومن بين هؤلاء أشخاص يصيبني ظهورهم بضيق لا أستطيع دائمًا أن أضع يدي على أسبابه. لا أعرف ما الذي يجعلني أتقبل وجهًا وأنفر من آخر، أو أستريح إلى شخص بينما أشعر بالانقباض من مجرد رؤية غيره. وقد تكون وراء ذلك تفاصيل التقطتها العين دون وعي، أو انطباعات صنعتها المواقف، أو تراكمات من التجارب كوّنت في النفس حساسية تجاه طباع وأنماط بعينها. لا أملك تفسيرًا يقينيًّا لكل ذلك، ولا أزعم أن إحساسي لا يخطئ؛ فالتجربة تمنحنا بصيرة، لكنها لا تمنحنا العصمة من سوء التقدير.

غير أن ما يشغلني حقًّا ليس هؤلاء الأشخاص بقدر ما يشغلني أثرهم في نفسي. لماذا أمنح شخصًا لا تربطني به علاقة، وربما لا يعرف بوجودي أصلًا، فرصةً لأن يعكّر لحظة من يومي؟ ولماذا تستدعي صورة عابرة شعورًا لا أريد استعادته، بينما أملك أن أصرف بصري عنها وأمضي إلى ما هو أجدر باهتمامي؟ هنا أجد أن المسألة تتجاوز القبول والرفض، لتصل إلى تلك المساحة الخفية التي ينبغي للإنسان أن يحميها من الاستنزاف.

ومع ذلك، لا أريد أن أكون من أولئك الذين يتظاهرون بالتسامح مع الجميع، ثم يضيقون بكل أحد في سرهم، ولا ممن يحوّلون نفورهم الشخصي إلى محكمة يصدرون منها أحكامًا نهائية على الناس. فلكل إنسان طباعه، ولكل نفس ما تألفه وما تنفر منه، وليس مطلوبًا منا أن تتطابق مشاعرنا أو أذواقنا. يكفي أن نعرف من نرتاح إليه، ومن نفضّل الابتعاد عنه، وأن ندرك أن المسافة أحيانًا أصدق من علاقة يحكمها التصنع.

ولعل هذا هو السبب الذي دفعني إلى كتابة هذه السطور؛ أردت أن أضع شعورًا يتكرر في نفسي أمامي، وأن أتحرر قليلًا من وطأته، وربما أردت أيضًا أن أدعو كل إنسان إلى مراجعة قائمته الخاصة، لا لكي يضيف إليها أسماء جديدة، وإنما لكي يسأل نفسه: هل ابتعدت عن هؤلاء حقًّا، أم أنني ما زلت أستحضرهم في ذهني، وأمنحهم من وقتي وراحتي ما لم يعودوا يملكون حق المطالبة به؟

فثمة أشخاص نُخرجهم من حياتنا، ثم نُبقيهم في رؤوسنا؛ نقطع صلتنا بهم، لكننا لا نقطع صلتنا بالضيق الذي يثيرونه فينا. وهنا لا يكون الابتعاد قد اكتمل، لأن المسافة الحقيقية ليست ما يفصل بيننا وبينهم، بل ما يفصل نفوسنا عن أثرهم.

2026-10-19

اغتراب القيم


 

د. محمد الشافعي

لا تستقيم حياة المجتمعات إلا بمنظومة من القيم والمبادئ التي تضبط سلوك أفرادها، وتحدد علاقاتهم بعضهم ببعض؛ فبها تُصان الثقة، وتترسخ المحبة، ويصبح للصدق والأمانة والاحترام مكان في واقع الناس، لا في أحاديثهم فحسب. لكن المؤسف أن المسافة بين هذه القيم وما نراه في حياتنا اليومية تتسع، حتى أصبح التناقض بين ما نؤمن به وما نمارسه أحد مظاهر الخلل الذي يستحق التأمل.

لقد أصبح الاهتمام بأمور كثيرة لا تضيف إلى الفكر وعيًا، ولا إلى الوجدان رقيًا، يستأثر بوقت الناس وعقولهم، بينما تتراجع قيمة المعرفة الجادة، والسلوك النبيل، والقدوة الحقيقية. ولم تعد المشكلة في اختلاف الأذواق، بل في اضطراب المعايير التي نحكم بها على الأشياء، حتى بات الانتشار أهم من المضمون، والإثارة أسبق من المعنى.

وتسهم بعض الأعمال الدرامية والأغاني في تغذية هذا الخلل، حين تجعل من الابتذال وسيلة للانتشار، وتقدم نماذج تفتقر إلى العمق والقيمة في صورة تستدعي الإعجاب أو التقليد. والفن، وإن لم يكن موعظة أخلاقية، ليس معزولًا عن تشكيل الوعي والذوق؛ فما يتكرر أمام الناس قد يصبح مألوفًا لديهم، وما يُحتفى به طويلًا قد يتحول إلى معيار للحكم والاختيار.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا حين يجسد بعض الممثلين شخصيات تتحدث عن النبل والوفاء والصدق، بينما تكشف سلوكياتهم في الحياة الواقعية عن تناقض مع هذه المعاني. فإتقان أداء الفضيلة لا يعني امتلاكها، والقدرة على تجسيد الأخلاق أمام الكاميرا لا تعني الالتزام بها خارجها. وليس المطلوب أن يكون الفنان معصومًا من الخطأ، بل ألا تتحول صورته الفنية إلى شهادة أخلاقية لا تسندها أفعاله.

غير أن المسؤولية لا تقع على الفنان وحده؛ فالجمهور الذي يستهلك كل ما يُقدَّم إليه دون تمييز، ويمنح التفاهة مساحة تفوق ما يمنحه للفكر والمعرفة، يسهم بدوره في ترسيخ هذا الواقع. والمجتمع الذي يتسامح مع غياب المبادئ حين توافق المصالح، ثم يشكو تراجع الأخلاق، إنما يطالب بشيء ويناقضه في ممارساته.

إن استعادة القيم لا تبدأ بكثرة الحديث عنها، وإنما بإعادتها إلى موقعها الطبيعي في حياتنا؛ بأن نزن الأشخاص بأفعالهم، والأعمال بمضامينها، والنجاح بما يضيفه إلى الإنسان والمجتمع، لا بما يثيره من ضجيج عابر.

فالمشكلة ليست أن تقلّ القيم في بعض التصرفات فحسب، بل أن يفقد الناس حساسيتهم تجاه غيابها، وأن يألفوا ما كان ينبغي أن يرفضوه، ويستغربوا ما كان ينبغي أن يقدّروه.

وحين يختل ميزان القيم، لا يصبح القبيح جميلًا بالضرورة، بل يصبح الاعتراض على قبحه أقل حضورًا؛ وتلك هي بداية الخطر، حين لا يتغير الواقع وحده، بل يتغير معه إحساس الناس بما ينبغي أن يكون.

أن انهيار القيم يبدأ حين يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين ما يستحق الإعجاب وما يستحق الازدراء

أبي الحبيب.. وحشتني جدًا

 


دكتور محمد إسماعيل الشافعي 

في ذكرى رحيلك يا أبي، لا أجد الكلمات التي تفيك حقك، ولا العبارات التي تحمل إليك بعض ما يعتمل في صدري من شوق. تمر السنوات، ويبقى الحنين إليك حيًّا، كأن الغياب مهما طال لا يستطيع أن ينتزع من القلب ملامح من أحببناهم بصدق، ولا أن يطفئ دفء ذكرياتهم في أعماقنا.

وحشتني جدًا يا أبي.. وحشتني نقاشاتك، وحواراتك الممتعة، وتلك الجلسات التي كان الحديث فيها متعة، والقرب فيها طمأنينة. اشتقت إلى أن نجلس معًا، نستمع إلى كوكب الشرق أم كلثوم، ولا سيما أغنيتي الحبيبة «رق الحبيب» التي أعشقها. ما زالت هذه الأغنية تحمل إليّ عبق أيامنا، وكأن ألحانها تحتفظ بشيء من حضورك، وتفتح في ذاكرتي نافذة أطل منها على زمن كان فيه لقاؤنا ممكنًا، وكان صوتك جزءًا من تفاصيل يومي.

وحشني اهتمامك بي، وحنانك الذي كان يحيطني، وخوفك عليّ الذي كنت أجده في تفاصيل كثيرة، وربما لم أكن أدرك تمامًا قيمة بعضها إلا بعد رحيلك. وحشتني فرحتك بي، واعتزازك بما أحققه، وتلك السعادة التي كنت أراها في عينيك حين تجدني أتقدم في الحياة. فما أجمل أن يرى الإنسان فرحته منعكسة في عيني أبيه، وما أقسى أن تصبح تلك النظرة العزيزة ذكرى يستحضرها القلب ولا تستطيع الأيام أن تعيدها!

وما أنا، بعد فضل الله سبحانه وتعالى، إلا صنيعة يديك؛ فقد أسهمت في تكويني، وغرست في نفسي ما كان له أثره في فكري وشخصيتي وطريقي في الحياة. وإذا كان للإنسان أن يعتز بما حققه، فإن من حق أبيه عليه أن ينال نصيبًا من هذا الاعتزاز؛ لأنه كان حاضرًا في رحلة البناء، بعطائه ورعايته واهتمامه. أدين لك يا أبي بالفضل، بل بالأفضال؛ أفضال مادية ومعنوية، لا أستطيع أن أحصيها، ولا أظن أن العمر مهما امتد يكفي لردّ جميلها.

كنت تنفق بسخاء، وتعطي بطيب نفس، ولم يكن الكرم عندك عطاءً تحكمه الحسابات، بل طبعًا أصيلًا يشبهك. ولِمَ لا، وأنت أجود الناس وأكرمهم؟ غير أن أعظم ما بقي لي من عطائك لم يكن ماديًّا وحده، بل كان في حنانك واهتمامك وثقتك وفرحتك بي؛ تلك الأشياء التي لا تُشترى، ولا يعوّض غيابها مال، مهما كثر.

رحمك الله يا أبي، وجزاك عني خير الجزاء. أسأل الله العظيم أن يغفر لك، ويرحمك رحمة واسعة، ويكرم نزلك، ويوسّع مدخلك، ويسكنك فسيح جناته، وأن يجعل كل ما قدمته لي في ميزان حسناتك، وأن يجمعني بك في مستقر رحمته.

رحمك الله يا أبي.. وحشتني جدًا، وكم أتمنى لو تعود بي الأيام إلى جلسة واحدة تجمعني بك؛ أستمع فيها إلى حديثك، وأرى فرحتك بي، ونجلس معًا كما اعتدنا، بينما تصدح أم كلثوم بأغنية «رق الحبيب».

غبت عن عيني، لكنك لم تغب عن وجداني؛ فما زلت حاضرًا في تكويني، وفي ذكرياتي، وفي كل جميل تركته في نفسي. وسيبقى فضلك دينًا من المحبة لا يسقط بالتقادم، وسيظل الدعاء لك أصدق ما أقدمه وفاءً لرجل منحني الكثير، ولم يترك لي بعد رحيله إلا أن أحبّه أكثر، وأشتاق إليه أكثر، وأسأل الله أن يجزيه عني خيرًا.

اللهم ارحم أبي، واغفر له، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجمعني به في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا حزن، وحيث يلتقي الأحباب لقاءً لا يعقبه غياب.

2026-10-16

ثلاثة عشر عامًا بعد الرحيل

 



دكتور محمد الشافعي 

في مثل هذه الأيام، تعود الذكرى كما تعود الفصول، دون استئذان. ثلاث عشرة سنة مضت، وما زال الغياب يحتفظ بحدّته الأولى، وإن تغيّر شكلها. 

في البدء كان الفقد جرحًا مفتوحًا لا يهدأ، ثم صار مع السنين مقيمًا في الصدر، أعرف موضعه جيدًا وأتحسسه حين تمرّ بي لحظة تشبهه: مناسبة كنتَ ستفرح بها، أو قرار صعب كنتُ أتمنى لو سمعتُ رأيك فيه، أو موقف صغير يمرّ بي فأقول في سرّي: كان أبي سيقول كذا.

أكثر ما يوجعني أنني لم أدرك وأنت حيّ كم كنتَ سندًا. كنتُ أحسبك جزءًا ثابتًا من الدنيا، كالجدار الذي نستند إليه دون أن ننتبه إليه، حتى إذا زال أدركنا أننا كنا نقف عليه. لم أعرف حجم الظلّ الذي كنتَ تمدّه فوقي إلا بعد أن انكشفتُ للشمس وحدي.

وما أحمله منك أكبر من أن يُحصى. لم تعلّمني بالكلام وحده، فأنفع ما تعلمتُه منك كان في هيئتك وأنت تعيش: في صبرك حين يضيق الحال، وفي كرامتك التي لم تساومها، وفي طريقتك مع الناس. وكثيرًا ما أجد نفسي اليوم أتصرف بلا قصد على نحو ما كنتَ تتصرف، وأسمع صوتك في كلماتي، فأعرف أن الرجل لا يغيب ما دام أثره يمشي على قدمين.

وأعتزّ بك، وأعتزّ بأنني ابنك. اسمك الذي أحمله أمانة أحرص أن أصونها، وسيرتك التي يذكرها الناس بخير هي أغلى ما ورثتُه، وأثمن عندي من كل ما يُورَّث.

ولا أزعم أن الزمن شفاني. الزمن علّمني فقط كيف أحمل الحزن دون أن ينكسر ظهري. وأخشى أحيانًا أن يكون الاعتياد نوعًا من الخيانة، ثم أفهم أن الحزن الذي صار هادئًا هو الحب نفسه حين استقرّ. لم أنسك، وإنما تعلّمتُ كيف أشتاق إليك وأواصل الطريق.

رحمك الله يا أبي، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وجزاك عني خير ما يجزي والدًا عن ولده. وما أدعو به أن أكون في حياتي امتدادًا يليق بك، وأن يكون في عملي وخلقي ما يصل إليك ثوابه.

بين الملعب والاستوديو

 



دكتور محمد الشافعي 

فتحت التلفزيون، فوجدت مباراة قديمة بين الأهلي والزمالك، وكان محمود بكر يتولى التعليق بصوته الذي لا يُنسى. فقررت أن أنتظر سماع أسماء اللاعبين؛ فقد عرفت معظمهم، وأعرف أن كثيرًا منهم يجلسون اليوم أمام الكاميرات، يملؤون الشاشات تحليلًا وتعليقًا، ويتحدثون عن كرة القدم بلهجة من امتلكوا ناصية اللعبة، وكأنهم كانوا من أفذاذها الذين يُحتذى بهم.

وحين جاءت الأسماء، قلت لنفسي: فلأشاهدهم من جديد، لعلني أكتشف أنهم كانوا فعلًا لاعبين مميزين، وأن حديثهم اليوم يستند إلى ماضٍ يستحق كل هذا الاعتداد.

لكن ما شاهدته كان عكس ما توقعت!

لعب عشوائي، وتمريرات تفتقر إلى الدقة، ومهارات فردية محدودة، واندفاع بالكرة دون هدف واضح، وغياب للوعي التخطيطي الذي يجعل من اللعب منظومة متكاملة، لا مجرد محاولات متفرقة؛ فهذا يجري بالكرة، وذاك يركلها إلى الأمام، وثالث يندفع دون أن يبدو مدركًا لما ينبغي أن يفعله أو لما يقتضيه الموقف. لم أجد ذلك الإتقان الذي يبرر الصورة التي يرسمها بعضهم اليوم عن أنفسهم.

رأيت ربيع ياسين، الذي تولى لاحقًا تدريب المنتخبات، ولم أجد في أدائه ما توقعت أن أجده من إتقان أساسيات التعامل مع الكرة. ورأيت محمد عبد الجليل يأخذ الكرة وينطلق بها، وكأن الجري غاية في ذاته، بينما بدا حسام حسن شديد الاندفاع والالتحام. وشاهدت شريف قاسم وأحمد رمزي وهاني رمزي وعفت نصار وغيرهم، فازداد استغرابي من الفارق بين ما رأته عيناي في الملعب وما أسمعه منهم اليوم في الاستوديوهات.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: كيف يصبح بعض اللاعبين الذين لا تكشف مشاهدهم القديمة عن ذلك التميز الاستثنائي الذي يتحدثون عنه، محللين يتصدرون الشاشات، ويقيّمون أداء اللاعبين الحاليين، ويشرحون أخطاءهم، ويوزعون أحكام التفوق والإخفاق، وكأن تاريخهم الكروي يمنحهم وحده حق إصدار الأحكام؟

أنا لا أنكر أن اللاعب قد يصبح مدربًا جيدًا، حتى إن لم يكن نجمًا لامعًا، فالتدريب والتحليل لهما أدواتهما الخاصة، ولا تتطابق مهارات اللاعب بالضرورة مع قدراته الفكرية. لكن ما أرفضه هو أن تتحول التجربة المحدودة إلى ادعاء بالتميز، وأن تصبح الشهرة القديمة صكًا دائمًا للخبرة، لا يجوز التشكيك في استحقاقه.

لقد جعلتني تلك المباراة أتساءل: كم من الأسماء صنعت لها السنوات هالة أكبر من حقيقتها؟ وكم من الأشخاص يستمدون مكانتهم من ماضيهم، ثم يتحدثون عن الحاضر وكأنهم لا يُخطئون، بينما لا تمنحنا شواهد ذلك الماضي الصورة التي يحاولون ترسيخها في أذهاننا؟

في الملعب، لا تنطق الأسماء، بل تتحدث الأقدام؛ أما أمام الكاميرات، فقد يستطيع المرء أن يصنع من تاريخه بطولة أخرى، لا تحتاج إلى هدف أو تمريرة أو مهارة، بل يكفيها أن تجد من يصدق الرواية دون أن يعود إلى الشريط القديم.

2026-10-15

لا أريد أن أجيب

 


دكتور محمد الشافعي 

ثمة أشياء تتغيّر فينا دون أن نعرف متى بدأت، ولا لماذا حدثت؛ نكتشفها فجأة في تصرّفاتنا، فنجد أنفسنا نفعل ما لم نكن نفعله من قبل، وكأن شيئًا خفيًّا أعاد ترتيب علاقتنا بالحياة والناس.

منذ فترة، أصبحت لا أرغب في الردّ على المكالمات الهاتفية، مهما كانت أهمية المتصل أو مكانته عندي. قد أرى الهاتف أمامي يرنّ، وأعرف مَن يتصل، وربما أدرك أن لديه أمرًا مهمًّا، ومع ذلك أتركه يرنّ حتى يصمت، ثم أتصل به لاحقًا متذرّعًا بأي عذر، مع أن الحقيقة أنني لم أكن أرغب في الحديث.

والأمر الذي يثير دهشتي أنني لا أملك سببًا واضحًا لهذا السلوك؛ فلا خصومة مع المتصل، ولا انتقاص من مكانته، ولا تجاهل مقصود له. كل ما في الأمر أنني لا أريد أن أجيب، وكأن مجرد رنين الهاتف أصبح عبئًا على هدوئي، أو اقتحامًا لمساحة أودّ الاحتفاظ بها لنفسي.

هل هي رغبة في العزلة، أم اكتفاء بالنفس، أم إرهاق من التواصل المستمر؟ أم أننا، مع مرور السنوات، نصبح أكثر انتقائية في منح الآخرين وقتنا وانتباهنا، حتى دون أن نتعمّد ذلك؟

لا أعرف على وجه اليقين، لكنني أعرف أن هذا التغيّر أصبح واقعًا أعيشه، وأحيانًا أعجز عن تفسيره حتى لنفسي.

فهل أنا وحدي الذي أصبح يتردّد في الردّ على الهاتف، حتى حين يكون المتصل شخصًا مهمًّا؟ أم أن بينكم مَن يرى الهاتف يرنّ، ثم يختار ألّا يجيب، لا لشيء سوى أنه لا يريد الحديث؟


أصوات الأحبة

 


منقول

كنت زمان لما أبويا يقعد يحكي نفس الحكاية للمرة المليون، كنت بنفخ في سري…

أبص في الموبايل، أو أهز رجلي بزهق، أو أقوله بنبرة مفهاش صبر:

“عارفها يا بابا… قولتها مية مرة قبل كده، مفيش جديد؟”


كان يسكت فجأة…

وشه يبهت، ويسحب إيده اللي كانت بتشاور بحماس، ويبص في السقف كأنه طفل اتكسف قدام حد غريب، ويبدأ يغير الموضوع بصوت واطي عشان بس ميحسش إنه تقيل عليا.


أنا وقتها كنت فاكر نفسي بطل…

فاكر إن ورايا مستقبل، ومكالمات مهمة، وعالم كبير لازم ألحقه وأبني فيه نفسي، وإن أبويا قاعد فاضي بيكرر في كلام ملوش لازمة ومواقف عدى عليها تلاتين سنة ومبقتش تهم حد.


لحد ما جه يوم…

دخلت الصالة لقيته قاعد في ركن الكنبة، باصص للفراغ، سارح بطريقة قلقتني.

قعدت جنبه وقلتله: “مالك يا بابا؟”

بصلي… بس نظرته مكنتش زي كل يوم.

عينه كانت مشوشة، كأنه بيحاول يفتكر أنا مين، أو إحنا في سنة كام.

سألني سؤال تافه… ورجع عاده بعد خمس دقائق بالظبط بنفس الحيرة:

“هو عمك فلان مسألش عليا النهاردة؟”

وعمي ده… ميت بقاله فوق العشرين سنة!


ساعتها بس… حسيت كأن تلج نزل على صدري.

قلبي اتقبض برعب حقيقي عمري ما حسيته، حتى في أصعب أيام وجعي وفقري.

مسكت إيده بسرعة، لقيتها باردة وبتترعش…

وقلتله بلهفة عمري ما طلعت مني:

“يا بابا… طب فاكر اليوم اللي سافرت فيه زمان واتبهدلت في القطر؟ طب فاكر لما كنت بتشتغل في عز البرد؟ احكيلي كدة يا والدي.. ونبي احكيلي.”


بصلي كتير… حاول يفتكر، شفت في عينه مجهود مرعب وهو بيدور على الكلمات في دماغه، شفته بيعافر عشان يطلع الحكاية اللي كان بيقولها زمان بالساعات… بس ملقاش حاجة.

ابتسم نص ابتسامة مكسورة، وقال كلمتين مش مفهومين، وسكت.

والسكوت ده… كان أعلى صوت كسرني في حياتي.


في اللحظة دي اتمنيت لو أبيع كل اللي ورايا واللي قدامي، أبيع نجاحي وشغلي، والزمن يرجع بيا عشر سنين بس لورا…

يقعد هو يتكلم، وأنا أرمي الموبايل تحت رجلي، وأفضل باصص في ملامحه وتجاعيد وشه، وأسمع نفس الحكاية للمرة الألف كأني لسه طفل بسمعها لأول مرة، وأضحك على نفس الإفيه عشان بس أشوف ضحكته بتنور وشه.


إحنا بنعيش في وهم كبير يا جماعة…

بنتعامل مع وجود أهالينا كأنه أمر واقع، كأنهم حيطان في البيت مش هتمشي، بنبخل عليهم بنص ساعة من وقتنا، وبنقعد على القهاوي ومع صحابنا بالساعات نضحك ونهزر من غير ما نزهق.

والحقيقة إن الأب لما بيقعد يعيد حكاياته القديمة… هو مش بيحكي عشان الكلام مهم أو عشان ناسي إنه حكاه، هو بيحكي عشان دي طريقته الوحيدة إنه يفضل متصل بيك، بيحكي عشان يطمن إن لسه ليه مكان وسامع حسه وسط العالم اللي سحبه منكم.


اللي عنده أب أو أم لسه فاكرين، لسه قادرين ينطقوا حكاياتهم…

روحوا دلوقتي، اقعدوا تحت رجليهم، ارموا الموبايلات دي في الداهية، واسمعوا.

اسمعوا نفس القصة البايخة اللي سمعتوها مية مرة، وافرحوا بيها…

لأن والله العظيم… بكرة هييجي يوم تتمنى فيه تسمع حتى كحتهم في الشقة، ومش هتلاقي غير سكوت مرعب بياكل في حيطان البيت.

منقووووووووول

2026-10-14

رحلة حياة

 


دكتور محمد الشافعي 

يطلقون علينا اليوم "كبار السن"، لكن الحقيقة أننا جيل عاش رحلةً استثنائية لم تتكرر. وُلدنا في مطلع ستينيات القرن الماضي، وترعرعنا في الستينيات والسبعينيات، وعشنا أجمل سنوات العمر في الثمانينيات والتسعينيات. درسنا، وعملنا، وتزوجنا، وربَّينا أبناءنا، ورأينا العالم يتغير أمام أعيننا، مرحلةً بعد أخرى.

لقد عشنا عبر ستة عقود مختلفة، ومررنا بقرنين، وانتقلنا من ألفية إلى أخرى. شهدنا زمن الهواتف الأرضية التي كان الاتصال فيها يحتاج إلى انتظار، ثم وصلنا إلى عصر مكالمات الفيديو التي تقرِّب المسافات بين أطراف العالم في لحظات. انتقلنا من الرسائل الورقية المكتوبة بخط اليد إلى البريد الإلكتروني، ثم إلى تطبيقات التواصل الفوري. وعرفنا الصور التقليدية وأشرطة الأفلام وأسطوانات الفينيل، حتى أصبح كل شيء اليوم محفوظًا في ذاكرة هاتف صغير نحمله في جيوبنا.

تابعنا الأخبار والمباريات عبر الراديو، ثم عشنا زمن التلفزيون الأبيض والأسود، ثم الملون، حتى وصلنا إلى الشاشات الذكية والمنصات الرقمية التي جعلت العالم كله بين أيدينا. ورأينا البدايات الأولى للحاسوب، والأقراص المرنة، ثم شهدنا ثورة الإنترنت، حتى أصبح الهاتف الذكي مكتبةً ومكتبًا ووسيلة تواصل وعالمًا كاملًا في جهاز واحد.

وعلى امتداد هذه الرحلة، عشنا تغيرات اجتماعية وثقافية كبيرة، وتبدلت أنماط الحياة والأفكار والعلاقات. وركبنا الدراجات والسيارات التقليدية، ثم شهدنا عصر السيارات الهجينة والكهربائية. كما مررنا بأزمات عالمية وأوبئة وأحداث كبرى، كان آخرها جائحة كوفيد-19 التي غيَّرت حياة البشرية.

لقد وُلدنا في عالمٍ تناظري (Analog)، وعشنا شبابنا في عالمٍ رقمي (Digital)، وها نحن نواكب عصر الذكاء الاصطناعي (AI). وربما لم يشهد جيل آخر هذا الكم الهائل من التحولات في زمن قصير كما شهدناه نحن.

ورغم كل ما تغير، بقيت أجمل ما في رحلتنا الذكريات التي صنعناها، والعلاقات التي عشناها، والتجارب التي صاغت شخصياتنا. لقد تعلمنا أن الحياة لا تستقر على حال، وأن الإنسان القوي هو من يتكيف مع التغيير دون أن يفقد قيمه أو إنسانيته.

لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الزمن يمضي أسرع مما نظن. تنقضي الأيام، ثم الأسابيع، ثم الأعوام، وفجأة نلتفت وراءنا فنجد أن سنوات طويلة قد مضت كأنها لحظة عابرة. ونكتشف أن بعض الأصدقاء قد غابوا، وأن بعض الأحبة قد رحلوا، وأن كثيرين ممن شاركونا الطريق سبقونا إلى رحمة الله.

عندها ندرك أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما عشنا فيه من لحظات صادقة، وما قدمناه من خير، وما تركناه من أثر جميل في قلوب الناس.

لذلك، لا تؤجل فرحتك، ولا تؤجل كلمة طيبة، ولا تؤجل زيارة من تحب. تمسَّك بأبنائك، وأحفادك، وأصدقائك، وأحبابك، فسيأتي يوم لا يبقى فيه إلا الذكريات الجميلة، والدعوات الصادقة، وأثر المحبة الذي تركناه خلفنا.

فالوقت لا يعود، واليوم هو الحياة التي نملكها. ولم نعد في عمر التأجيل، ولا التبرير، ولا إضاعة ما تبقى من أيامنا.

عِش يومك بمحبة، وامضِ في طريقك بامتنان، واصنع من حياتك ذكرى طيبة تستحق أن تُروى.

زخارف وصور

 































 

2026-10-11

مقابر بني حسن

 

دكتور محمد الشافعي 

تقع مقابر بني حسن على الضفة الشرقية للنيل في محافظة المنيا، وهي مقابر منحوتة في الصخر لحكام الإقليم السادس عشر من أقاليم مصر العليا (إقليم المها) وكبار موظفيهم، ويرجع معظمها إلى الدولة الوسطى (الأسرتان 11 و12، نحو 2000–1800 ق.م). في الجبل نحو 39 مقبرة من هذا النوع، وتحت المنحدر مئات المقابر الأبسط ذات الآبار لعامة الناس. وأهم المقابر الأربع هي مقابر أمنمحات (رقم 2)، وخنوم حتب الثاني (رقم 3)، وباقت الثالث (رقم 15)، وخيتي (رقم 17)، بحسب ترقيم نيوبري، الذي نشر المقابر في مطلع تسعينيات القرن التاسع عشر.

تتميز المقابر معمارياً بأعمدة مضلعة بسيطة تُعد من أسلاف العمود الدوري اليوناني، ويتميز تصويرها بتنوع المشاهد: حرف وزراعة وصيد ورقص، وأشهرها مشاهد المصارعة في مقبرتي باقت وخيتي، وتضم مئات الأوضاع المتتابعة، ويُرجَّح أنها تدريب عسكري أكثر منها رياضة. أما أشهر ما في بني حسن فمشهد مقبرة خنوم حتب الثاني، وفيه جماعة من سبعة وثلاثين «عامو» (آسيويين) بقيادة شخص اسمه «أبيشاي» يصلون بحمير وأسلحة وآلات موسيقية، ومؤرخ بالسنة السادسة من حكم سنوسرت الثاني.

تفسير هذا المشهد موضع خلاف. المؤكد أنه توثيق لتجارة أو هجرة صغيرة من بلاد الشام إلى مصر في الدولة الوسطى. أما ربطه بالهكسوس أو بقصص الآباء في التوراة فرأي افتراضي لا يسنده دليل مباشر. ويقع قرب الموقع معبد «سبيوس أرتميدوس» (إسطبل عنتر) الذي أنشأته حتشبسوت.