2026-10-04

حين يلتقي الرائعون

 

دكتور محمد الشافعي 

حين يلتقي الرائعون أخيرًا

لا يلتقي الرائعون في بداية العمر أبدًا، فالبدايات مزدحمة بالضوضاء، بالاندفاع، وبمحاولات التعرف إلى الذات قبل الآخرين. في بدايات العمر، نُخطئ كثيرًا، نظن أن التشابه في الاهتمامات كافٍ، وأن البريق السطحي دليل العمق، وأن الودّ السريع حبّ حقيقي. غير أن الأيام، بما فيها من تعبٍ وتجارب، تُعيد تشكيلنا من الداخل، تُهذّبنا، وتُصفّي أرواحنا كما تُصفّى المياه من شوائبها.

بعد رحلة طويلة من الخيبات والتعب، يبدأ الإنسان في إدراك قيمة النقاء. لم يعد يبحث عن الكثرة، بل عن الصدق. لم يعد يفتّش عن ضجيجٍ يملأ وحدته، بل عن روحٍ تشبه سكونه. عندها فقط، يلتقي الرائعون. لا لأن الحظ جمعهم، بل لأن الطريق طهّرهم من كل ما لا يستحق البقاء.

الرائعون لا يلتقون مصادفة، بل قدرًا. إنهم أبناء التجربة، أولئك الذين ذاقوا مرارة الزيف حتى عرفوا طعم الصدق، وساروا في طرقٍ موحشة حتى تعرّفوا على الرفيق الحقيقي. لذا فإن لقاءهم لا يكون عابرًا، بل هو استراحة أرواحٍ أنهكها المسير، ووجدت أخيرًا من يشبهها في النقاء والعمق.

إن أجمل العلاقات لا تُولد في زحمة الشباب، بل في سكون النضج، حين تتخفّف الأرواح من الزهو، وتكتفي بالصدق، وتدرك أن اللقاء الأجمل ليس في بدايات العمر، بل في نهايات الرحلة، حين يلتقي الرائعون… بعد طول تعب، فيفهم كلٌّ منهم الآخر دون كثير كلام.

ليست هناك تعليقات: