2026-10-15

لا أريد أن أجيب

 


دكتور محمد الشافعي 

ثمة أشياء تتغيّر فينا دون أن نعرف متى بدأت، ولا لماذا حدثت؛ نكتشفها فجأة في تصرّفاتنا، فنجد أنفسنا نفعل ما لم نكن نفعله من قبل، وكأن شيئًا خفيًّا أعاد ترتيب علاقتنا بالحياة والناس.

منذ فترة، أصبحت لا أرغب في الردّ على المكالمات الهاتفية، مهما كانت أهمية المتصل أو مكانته عندي. قد أرى الهاتف أمامي يرنّ، وأعرف مَن يتصل، وربما أدرك أن لديه أمرًا مهمًّا، ومع ذلك أتركه يرنّ حتى يصمت، ثم أتصل به لاحقًا متذرّعًا بأي عذر، مع أن الحقيقة أنني لم أكن أرغب في الحديث.

والأمر الذي يثير دهشتي أنني لا أملك سببًا واضحًا لهذا السلوك؛ فلا خصومة مع المتصل، ولا انتقاص من مكانته، ولا تجاهل مقصود له. كل ما في الأمر أنني لا أريد أن أجيب، وكأن مجرد رنين الهاتف أصبح عبئًا على هدوئي، أو اقتحامًا لمساحة أودّ الاحتفاظ بها لنفسي.

هل هي رغبة في العزلة، أم اكتفاء بالنفس، أم إرهاق من التواصل المستمر؟ أم أننا، مع مرور السنوات، نصبح أكثر انتقائية في منح الآخرين وقتنا وانتباهنا، حتى دون أن نتعمّد ذلك؟

لا أعرف على وجه اليقين، لكنني أعرف أن هذا التغيّر أصبح واقعًا أعيشه، وأحيانًا أعجز عن تفسيره حتى لنفسي.

فهل أنا وحدي الذي أصبح يتردّد في الردّ على الهاتف، حتى حين يكون المتصل شخصًا مهمًّا؟ أم أن بينكم مَن يرى الهاتف يرنّ، ثم يختار ألّا يجيب، لا لشيء سوى أنه لا يريد الحديث؟


ليست هناك تعليقات: