2026-10-09

أنحت في البحر



 

دكتور محمد الشافعي 

أغرب ما في النفس أن تنجز عملًا ترضى عنه، وتلمس نجاحه أمام عينيك، ثم تنصرف عنه مثقلًا بالحزن، كأن شيئًا لم يتحقق، وكأن كل ما بذلته من جهد لم يمنحك الطمأنينة التي كنت تنتظرها. وهذا ما حدث معي مساء أمس؛ فقد ألقيت محاضرة لطلاب الفرقة الرابعة بقسم الآثار المصرية، أعددت لها عرضًا تقديميًا شيقًا، واستغرقت في تصميمه وقتًا وجهدًا غير قليل. وقد بدا من تفاعل الطلاب أن المحاضرة كانت موفقة، ومع ذلك لم أشعر بالسعادة التي توقعتها، وظل في داخلي ضيق لا تفسره نتيجة المحاضرة وحدها.

لعل السبب أن هذا المقرر تحديدًا يستنزف من وقتي وطاقتي الكثير؛ فهو يتناول التحديات الطبيعية والبشرية التي تواجه الموقع الأثري، ويستعين بعلوم ومعارف متعددة، الأمر الذي يتطلب إعدادًا يتجاوز حدود التحضير المعتاد. وقد سبقت هذه المحاضرة ساعات طويلة بذلتها في إعداد الكتاب الخاص بالمقرر، ثم في تصميم العروض التقديمية، حرصًا على أن أضع بين أيدي الطلاب مادة علمية واضحة، غنية، وجذابة. لم يكن هدفي أن أؤدي واجبي فحسب، بل أن أقدمه بالصورة التي أراها جديرة بهم وبالمعرفة التي يتلقونها.

وقد أكدت لطلابي أنني لن أقبل أي تهاون في امتحانات منتصف الفصل والامتحانات الشفوية والتحريرية، وأن عليهم أن يكونوا على قدر ما بذلته من جهد في إعداد المقرر. كما حذرتهم من الاتكال على أوراق الدورات الخاصة، ومن اللجوء إلى الغش بمختلف وسائله؛ لأنني أريد أن يكون تحصيلهم ثمرة فهم واجتهاد، لا مجرد محاولة لاجتياز الامتحان بأيسر الطرق.

لكنني، بعد انتهاء المحاضرة، وجدت نفسي أمام سؤال يلح عليّ: هل أواصل إعداد العروض بالمستوى نفسه من العناية، أم أكتفي بشرح مبسط يوفر عليّ بعض الوقت والجهد؟ إنني لا أرتاح إلى تقديم عمل أستطيع أن أجعله أفضل، لكنني أشعر أيضًا بأن هذا الحرص يستنزفني، وأنني أضع من وقتي وطاقتي الكثير في سبيل نتيجة لا أستطيع أن أضمنها. فنجاح المحاضرة في لحظتها لا يكشف وحده عن مقدار ما استقر في أذهان الطلاب، ولا يخبرني بما سيبذلونه من جهد حين يواجهون الامتحان.

وليس ما يقلقني أنني أطلب منهم تقديرًا شخصيًا، أو أنتظر ثناءً على ما أقدمه؛ إنما أريد أن أطمئن إلى أن هذا الجهد يؤدي غايته، وأن ما أعدّه بعناية يجد صداه في فهمهم واستعدادهم. ومع ذلك، أدرك أن مسؤوليتي تنتهي عند بذل الجهد العلمي الذي أستطيع تقديمه، وأن للطلاب مسؤوليتهم التي لا يمكنني أن أتحملها نيابة عنهم. غير أن الاقتناع بهذه الحقيقة لا يمنعني من الشعور بالتعب، ولا يبدد حيرتي بين ما يمليه عليّ ضميري المهني وما تحتاج إليه نفسي من راحة.

أحيانًا أشعر أنني أنحت في البحر؛ أبذل وقتي، وأرهق فكري، وأعيد ترتيب المعرفة وصياغتها، ثم أظل أتساءل عن مقدار ما سيبقى من هذا الجهد، وعن جدوى أن أواصل البذل بالقدر نفسه بينما لا أملك أن أرى أثره النهائي أو أضمنه. ولعل ما يزيد الأمر صعوبة أنني لا أريد أن أتنازل عن مستوى العمل الذي أؤمن به، وفي الوقت نفسه لا أريد أن يصبح إخلاصي سببًا في استنزاف وقتي وطاقتي إلى هذا الحد.

وهكذا انتهت محاضرة الأمس، وبقيت حيرتي بعدها. لم أكن حزينًا لأنني أخفقت، بل لأنني نجحت في تقديم ما أردت، ثم وجدت نفسي أتساءل عن جدوى كل هذا الجهد، وعن قدرتي على مواصلة العطاء بالقدر نفسه من الإخلاص والطاقة. لا أريد أن أتنازل عما أؤمن به من إتقان، ولا أريد أن أظل أستنزف نفسي في عمل لا أعرف بعدُ إلى أي مدى سيحقق غايته. وبين رغبتي في أن أقدم لطلابي أفضل ما أستطيع، وحاجتي إلى أن أحتفظ بشيء من وقتي وراحتي، أقف حائرًا، لا أملك إجابة تحسم أمري.

فهل أواصل النحت في البحر، أم أن بعض الحكمة أن أعرف متى أضع إزميلي جانبًا؟

ليست هناك تعليقات: