2026-10-22

نفور لا ارادي

 

د. محمد الشافعي

أشخاص لا نحتمل حضورهم

ثمة أشخاص لا نحتاج إلى أن يطرقوا أبوابنا كي يفسدوا علينا هدوءنا؛ يكفي أن تقع أعيننا عليهم مصادفة، أو أن تتردد أسماؤهم في مجلس، أو أن تستدعيهم الذاكرة من حيث لا نريد، حتى نشعر بأن شيئًا في داخلنا قد اضطرب. كأن حضورهم، ولو كان عابرًا أو متخيَّلًا، يحمل معه أثرًا لا نرغب في استقباله.

ولست أقول ذلك من باب المبالغة، فأنا واحد ممن يحتفظون في ذاكرتهم بقائمة من هؤلاء، تتوزع أسماؤها بين دوائر الأسرة والعمل والجوار. وقد حسمت أمري مع كثير منهم؛ فلا أريد التعامل معهم، ولا أجد نفسي مضطرًا إلى إخفاء ذلك خلف مجاملات لا أؤمن بها. حتى في العمل، لا أقبل أن تجمعني بهم مشاركة في مقرر دراسي، أو لجنة شفوية، أو كنترول، أو ورشة عمل. أفضّل وضوح الموقف على تمثيل الود، وأرى أن الإنسان حين يصالح نفسه لا يعود محتاجًا إلى اختلاق مشاعر لم يعرفها قلبه يومًا.

لكن الأمر لا يقف عند حدود العلاقات التي نستطيع تنظيمها أو إنهاءها؛ فهناك قائمة أخرى لا نملك إغلاق أبوابها بالسهولة نفسها، لأن أصحابها يعيشون في فضاء أوسع من دوائرنا الخاصة. إنهم أولئك الذين تفرضهم علينا الشاشات كل يوم؛ ممثلون ومطربون ومذيعون ولاعبو كرة قدم ومحللون وصحفيون وغيرهم، ممن تتكرر وجوههم وأصواتهم حتى يكاد حضور بعضهم يصبح جزءًا من ضجيج الحياة اليومية.

ومن بين هؤلاء أشخاص يصيبني ظهورهم بضيق لا أستطيع دائمًا أن أضع يدي على أسبابه. لا أعرف ما الذي يجعلني أتقبل وجهًا وأنفر من آخر، أو أستريح إلى شخص بينما أشعر بالانقباض من مجرد رؤية غيره. وقد تكون وراء ذلك تفاصيل التقطتها العين دون وعي، أو انطباعات صنعتها المواقف، أو تراكمات من التجارب كوّنت في النفس حساسية تجاه طباع وأنماط بعينها. لا أملك تفسيرًا يقينيًّا لكل ذلك، ولا أزعم أن إحساسي لا يخطئ؛ فالتجربة تمنحنا بصيرة، لكنها لا تمنحنا العصمة من سوء التقدير.

غير أن ما يشغلني حقًّا ليس هؤلاء الأشخاص بقدر ما يشغلني أثرهم في نفسي. لماذا أمنح شخصًا لا تربطني به علاقة، وربما لا يعرف بوجودي أصلًا، فرصةً لأن يعكّر لحظة من يومي؟ ولماذا تستدعي صورة عابرة شعورًا لا أريد استعادته، بينما أملك أن أصرف بصري عنها وأمضي إلى ما هو أجدر باهتمامي؟ هنا أجد أن المسألة تتجاوز القبول والرفض، لتصل إلى تلك المساحة الخفية التي ينبغي للإنسان أن يحميها من الاستنزاف.

ومع ذلك، لا أريد أن أكون من أولئك الذين يتظاهرون بالتسامح مع الجميع، ثم يضيقون بكل أحد في سرهم، ولا ممن يحوّلون نفورهم الشخصي إلى محكمة يصدرون منها أحكامًا نهائية على الناس. فلكل إنسان طباعه، ولكل نفس ما تألفه وما تنفر منه، وليس مطلوبًا منا أن تتطابق مشاعرنا أو أذواقنا. يكفي أن نعرف من نرتاح إليه، ومن نفضّل الابتعاد عنه، وأن ندرك أن المسافة أحيانًا أصدق من علاقة يحكمها التصنع.

ولعل هذا هو السبب الذي دفعني إلى كتابة هذه السطور؛ أردت أن أضع شعورًا يتكرر في نفسي أمامي، وأن أتحرر قليلًا من وطأته، وربما أردت أيضًا أن أدعو كل إنسان إلى مراجعة قائمته الخاصة، لا لكي يضيف إليها أسماء جديدة، وإنما لكي يسأل نفسه: هل ابتعدت عن هؤلاء حقًّا، أم أنني ما زلت أستحضرهم في ذهني، وأمنحهم من وقتي وراحتي ما لم يعودوا يملكون حق المطالبة به؟

فثمة أشخاص نُخرجهم من حياتنا، ثم نُبقيهم في رؤوسنا؛ نقطع صلتنا بهم، لكننا لا نقطع صلتنا بالضيق الذي يثيرونه فينا. وهنا لا يكون الابتعاد قد اكتمل، لأن المسافة الحقيقية ليست ما يفصل بيننا وبينهم، بل ما يفصل نفوسنا عن أثرهم.

ليست هناك تعليقات: