2026-10-23

يبقى الأصيل

 

دكتور محمد الشافعي 

ليست الشدائد وحدها هي التي تكشف حقيقة الناس، بل تكشفها أيضًا اللحظات التي نفقد فيها قدرتنا على العطاء، أو تتعثر فيها خطواتنا، أو نعجز عن أن نكون بالصورة التي اعتادها الآخرون منا. ففي أوقات الرخاء، يسهل على كثيرين الاقتراب، وتبدو العلاقات متينة، وتكثر كلمات الود، لكن حين تتغير الأحوال، تتمايز النفوس، ويظهر الفارق بين من أحبّك لذاتك، ومن أحبّ ما تمنحه له.

قد يحيط بك أناس كثيرون ما دمت قويًّا، قادرًا، ناجحًا، تملك ما يحتاجون إليه، أو تحقق لهم ما يتطلعون إليه. فإذا تعثرت، أو احتجت إلى من يسندك، أو مررت بمرحلة لم تعد فيها قادرًا على منحهم ما اعتادوه منك، انفضّ بعضهم من حولك، وكأن العلاقة لم تكن سوى صفقة غير مكتوبة، تنتهي بانتهاء منفعتها.

والأشد إيلامًا أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالابتعاد، بل يتعاملون مع ضعفك العابر كأنه حقيقة تختزل وجودك كله، متناسين ما كنت عليه، وما قدمته، وما جمعك بهم من مواقف وأيام. كأن الإنسان لا يستحق البقاء في حياتهم إلا ما دام قويًّا، ولا يستحق التقدير إلا ما دام قادرًا على العطاء.

لكن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، ولا يبقى الإنسان في موضع القوة دائمًا؛ فلكل منا لحظة يحتاج فيها إلى كتف يستند إليه، أو كلمة ترد إليه شيئًا من توازنه، أو يد تمتد إليه دون أن تسأله عمّا يستطيع أن يردّه. وهنا تتجلى قيمة العلاقات الحقيقية؛ فالمحبة ليست أن تجد من يصفق لك حين تنجح، بل أن تجد من يحفظ لك قدرك حين تتعثر، ولا يجعل من ضعفك فرصة للابتعاد عنك أو الانتقاص منك.

وليس معنى ذلك أن نطالب الناس بأن يحملوا عنا أعباء الحياة، أو أن نعاتب كل من عجز عن مساندتنا؛ فلكل إنسان ظروفه وحدوده، وليس كل غياب خذلانًا، ولا كل ابتعاد دليلًا على زيف المشاعر. لكن ثمة فارقًا واضحًا بين من تعوقه ظروفه عن الحضور، ومن يختار التخلي عنك لأنك لم تعد تحقق له ما يريد.

لذلك، لا تجعل سقوطك المؤقت حكمًا على قيمتك، ولا تجعل خذلان بعض الناس مقياسًا لمكانتك. فقد تتعثر، لكنك لا تفقد بذلك ما فيك من فضائل، وقد تحتاج إلى الآخرين، لكن حاجتك إليهم لا تنتقص من كرامتك. أما الذين لا يعرفون لك قدرًا إلا في أوقات قوتك، فربما كانت الشدة هي التي كشفت لك حقيقة مكانتك في نفوسهم، لا التي انتقصت من مكانتك أنت.

في النهاية، ليس المهم كم شخصًا وقف إلى جوارك حين كنت في القمة، بل من بقي متمسكًا بك حين لم يعد لديك ما تقدمه، وحين لم يعد في يدك ما تغري به أحدًا بالبقاء. فبعض الناس يحبون ما تمنحهم إياه، وقليلون هم الذين يحبونك أنت؛ وهؤلاء وحدهم لا يجعلون من عثرتك سببًا للتخلي عنك، بل يرون في تمسّكهم بك معنى المحبة، وفي بقائهم إلى جوارك شهادة على أصالة ما بينكم.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

حقيقي و الله يدكتور كلام رائع