2026-10-15

أصوات الأحبة

 


منقول

كنت زمان لما أبويا يقعد يحكي نفس الحكاية للمرة المليون، كنت بنفخ في سري…

أبص في الموبايل، أو أهز رجلي بزهق، أو أقوله بنبرة مفهاش صبر:

“عارفها يا بابا… قولتها مية مرة قبل كده، مفيش جديد؟”


كان يسكت فجأة…

وشه يبهت، ويسحب إيده اللي كانت بتشاور بحماس، ويبص في السقف كأنه طفل اتكسف قدام حد غريب، ويبدأ يغير الموضوع بصوت واطي عشان بس ميحسش إنه تقيل عليا.


أنا وقتها كنت فاكر نفسي بطل…

فاكر إن ورايا مستقبل، ومكالمات مهمة، وعالم كبير لازم ألحقه وأبني فيه نفسي، وإن أبويا قاعد فاضي بيكرر في كلام ملوش لازمة ومواقف عدى عليها تلاتين سنة ومبقتش تهم حد.


لحد ما جه يوم…

دخلت الصالة لقيته قاعد في ركن الكنبة، باصص للفراغ، سارح بطريقة قلقتني.

قعدت جنبه وقلتله: “مالك يا بابا؟”

بصلي… بس نظرته مكنتش زي كل يوم.

عينه كانت مشوشة، كأنه بيحاول يفتكر أنا مين، أو إحنا في سنة كام.

سألني سؤال تافه… ورجع عاده بعد خمس دقائق بالظبط بنفس الحيرة:

“هو عمك فلان مسألش عليا النهاردة؟”

وعمي ده… ميت بقاله فوق العشرين سنة!


ساعتها بس… حسيت كأن تلج نزل على صدري.

قلبي اتقبض برعب حقيقي عمري ما حسيته، حتى في أصعب أيام وجعي وفقري.

مسكت إيده بسرعة، لقيتها باردة وبتترعش…

وقلتله بلهفة عمري ما طلعت مني:

“يا بابا… طب فاكر اليوم اللي سافرت فيه زمان واتبهدلت في القطر؟ طب فاكر لما كنت بتشتغل في عز البرد؟ احكيلي كدة يا والدي.. ونبي احكيلي.”


بصلي كتير… حاول يفتكر، شفت في عينه مجهود مرعب وهو بيدور على الكلمات في دماغه، شفته بيعافر عشان يطلع الحكاية اللي كان بيقولها زمان بالساعات… بس ملقاش حاجة.

ابتسم نص ابتسامة مكسورة، وقال كلمتين مش مفهومين، وسكت.

والسكوت ده… كان أعلى صوت كسرني في حياتي.


في اللحظة دي اتمنيت لو أبيع كل اللي ورايا واللي قدامي، أبيع نجاحي وشغلي، والزمن يرجع بيا عشر سنين بس لورا…

يقعد هو يتكلم، وأنا أرمي الموبايل تحت رجلي، وأفضل باصص في ملامحه وتجاعيد وشه، وأسمع نفس الحكاية للمرة الألف كأني لسه طفل بسمعها لأول مرة، وأضحك على نفس الإفيه عشان بس أشوف ضحكته بتنور وشه.


إحنا بنعيش في وهم كبير يا جماعة…

بنتعامل مع وجود أهالينا كأنه أمر واقع، كأنهم حيطان في البيت مش هتمشي، بنبخل عليهم بنص ساعة من وقتنا، وبنقعد على القهاوي ومع صحابنا بالساعات نضحك ونهزر من غير ما نزهق.

والحقيقة إن الأب لما بيقعد يعيد حكاياته القديمة… هو مش بيحكي عشان الكلام مهم أو عشان ناسي إنه حكاه، هو بيحكي عشان دي طريقته الوحيدة إنه يفضل متصل بيك، بيحكي عشان يطمن إن لسه ليه مكان وسامع حسه وسط العالم اللي سحبه منكم.


اللي عنده أب أو أم لسه فاكرين، لسه قادرين ينطقوا حكاياتهم…

روحوا دلوقتي، اقعدوا تحت رجليهم، ارموا الموبايلات دي في الداهية، واسمعوا.

اسمعوا نفس القصة البايخة اللي سمعتوها مية مرة، وافرحوا بيها…

لأن والله العظيم… بكرة هييجي يوم تتمنى فيه تسمع حتى كحتهم في الشقة، ومش هتلاقي غير سكوت مرعب بياكل في حيطان البيت.

منقووووووووول

ليست هناك تعليقات: