2026-10-07

حين يتذكرك تلميذك

 

دكتور محمد الشافعي 

تسع سنوات تفصل بين اليوم الذي تخرّج فيه إبراهيم الجمال، وبين الرسالة التي وصلتني منه في عيد المعلم. تسع سنوات تغيّرت فيها أشياء كثيرة، وتباعدت خلالها طرق الحياة، وانشغل كل منا بما حملته إليه الأيام... لكن شيئًا واحدًا بقي كما هو: ذاكرة تلميذ لأستاذه.

لم أكن أنتظر رسالة إبراهيم، ولذلك كان وقعها في نفسي أعمق.


كتب إليّ في يوم المعلم:

«في يوم المعلم أشهد أنك يا دكتور محمد من أفضل المدرسين الذين قابلتهم في مراحل تعليمي المختلفة، وربنا يجعله في ميزان حسناتك بحق كل طالب تعلم على يدك.»

قرأت كلماته، وشعرت بفرحة لا تشبه فرحة المديح العابر. فالكلمات حين تأتي من طالب ما زال في مقاعد الدراسة قد تكون تعبيرًا عن امتنان لحظي، أما حين تأتي بعد سنوات من التخرج، من إنسان مضى في طريقه وانشغل بحياته، ثم يتوقف فجأة ليقول لمعلمه: ما زلت أتذكرك... فهنا يصبح للكلمة وزن آخر.

ليس أجمل ما في التعليم أن ترى طلابك وهم يتخرجون، ولا أن ترى أسماءهم في قوائم الناجحين، وإنما أن تكتشف بعد سنوات أن شيئًا مما قلته لهم ظل حيًا في ذاكرتهم.

قد ينسى الطالب محاضرة كاملة، وقد تتوارى من ذاكرته تفاصيل كثيرة مما درسته له، لكنه لا ينسى بسهولة معلمًا شعر يومًا أنه رآه كما هو، واحترمه، واهتم به، وترك في نفسه شيئًا يتجاوز حدود المقرر والامتحان.

ولذلك فإن المعلم لا يعرف على وجه الدقة متى تنتهي رسالته.

قد يخرج الطالب من قاعة المحاضرة، ويحمل شهادته، ويمضي إلى عمله وحياته، ويظن الأستاذ أن دوره قد انتهى. لكن بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء المحاضرة، وبعض المواقف لا تغادر الذاكرة بخروج الطالب من الجامعة.

تبقى في مكان ما داخل الإنسان... ثم تعود ذات يوم، ربما بعد سنوات، في رسالة قصيرة على هاتفك.


وهذا ما فعله إبراهيم.

لم يكن يعرف، وهو يكتب رسالته، كم يمكن لكلمات قليلة أن تُسعد أستاذًا قضى سنوات طويلة بين الطلاب. وربما لم يدرك أن أجمل ما فيها بالنسبة إليّ لم يكن قوله إنني «من أفضل المدرسين»، وإنما أنه تذكّرني بعد كل هذه السنوات.

فالتلميذ الذي يتذكرك بعد تخرجه لا يمنحك مجاملة؛ إنه يمنحك شيئًا أثمن: دليلًا على أن وجودك في حياته لم يكن عابرًا.

وهنا تكمن إحدى أجمل مكافآت المعلم؛ أن تأتيه شهادة لا يطلبها، وفي وقت لا يتوقعها، ومن إنسان لم يعد ملزمًا بشيء سوى ما تمليه عليه ذاكرته ووجدانه.


أسعدتني رسالة إبراهيم جدًا... جدًا.

وأقول له، ولغيره من تلاميذي الذين مروا ذات يوم من أمام مكتبي أو جلسوا في قاعة من قاعات المحاضرات:

ربما لا أتذكر كل ما قلته لكم، وربما غابت عن ذاكرتي بعض التفاصيل، لكنني أعرف الآن أن شيئًا مني بقي معكم.

وهذه وحدها تكفي لأن تجعل سنوات التعليم كلها جديرة بأن تُعاش.

ليست هناك تعليقات: