2026-10-16

بين الملعب والاستوديو

 



دكتور محمد الشافعي 

فتحت التلفزيون، فوجدت مباراة قديمة بين الأهلي والزمالك، وكان محمود بكر يتولى التعليق بصوته الذي لا يُنسى. فقررت أن أنتظر سماع أسماء اللاعبين؛ فقد عرفت معظمهم، وأعرف أن كثيرًا منهم يجلسون اليوم أمام الكاميرات، يملؤون الشاشات تحليلًا وتعليقًا، ويتحدثون عن كرة القدم بلهجة من امتلكوا ناصية اللعبة، وكأنهم كانوا من أفذاذها الذين يُحتذى بهم.

وحين جاءت الأسماء، قلت لنفسي: فلأشاهدهم من جديد، لعلني أكتشف أنهم كانوا فعلًا لاعبين مميزين، وأن حديثهم اليوم يستند إلى ماضٍ يستحق كل هذا الاعتداد.

لكن ما شاهدته كان عكس ما توقعت!

لعب عشوائي، وتمريرات تفتقر إلى الدقة، ومهارات فردية محدودة، واندفاع بالكرة دون هدف واضح، وغياب للوعي التخطيطي الذي يجعل من اللعب منظومة متكاملة، لا مجرد محاولات متفرقة؛ فهذا يجري بالكرة، وذاك يركلها إلى الأمام، وثالث يندفع دون أن يبدو مدركًا لما ينبغي أن يفعله أو لما يقتضيه الموقف. لم أجد ذلك الإتقان الذي يبرر الصورة التي يرسمها بعضهم اليوم عن أنفسهم.

رأيت ربيع ياسين، الذي تولى لاحقًا تدريب المنتخبات، ولم أجد في أدائه ما توقعت أن أجده من إتقان أساسيات التعامل مع الكرة. ورأيت محمد عبد الجليل يأخذ الكرة وينطلق بها، وكأن الجري غاية في ذاته، بينما بدا حسام حسن شديد الاندفاع والالتحام. وشاهدت شريف قاسم وأحمد رمزي وهاني رمزي وعفت نصار وغيرهم، فازداد استغرابي من الفارق بين ما رأته عيناي في الملعب وما أسمعه منهم اليوم في الاستوديوهات.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: كيف يصبح بعض اللاعبين الذين لا تكشف مشاهدهم القديمة عن ذلك التميز الاستثنائي الذي يتحدثون عنه، محللين يتصدرون الشاشات، ويقيّمون أداء اللاعبين الحاليين، ويشرحون أخطاءهم، ويوزعون أحكام التفوق والإخفاق، وكأن تاريخهم الكروي يمنحهم وحده حق إصدار الأحكام؟

أنا لا أنكر أن اللاعب قد يصبح مدربًا جيدًا، حتى إن لم يكن نجمًا لامعًا، فالتدريب والتحليل لهما أدواتهما الخاصة، ولا تتطابق مهارات اللاعب بالضرورة مع قدراته الفكرية. لكن ما أرفضه هو أن تتحول التجربة المحدودة إلى ادعاء بالتميز، وأن تصبح الشهرة القديمة صكًا دائمًا للخبرة، لا يجوز التشكيك في استحقاقه.

لقد جعلتني تلك المباراة أتساءل: كم من الأسماء صنعت لها السنوات هالة أكبر من حقيقتها؟ وكم من الأشخاص يستمدون مكانتهم من ماضيهم، ثم يتحدثون عن الحاضر وكأنهم لا يُخطئون، بينما لا تمنحنا شواهد ذلك الماضي الصورة التي يحاولون ترسيخها في أذهاننا؟

في الملعب، لا تنطق الأسماء، بل تتحدث الأقدام؛ أما أمام الكاميرات، فقد يستطيع المرء أن يصنع من تاريخه بطولة أخرى، لا تحتاج إلى هدف أو تمريرة أو مهارة، بل يكفيها أن تجد من يصدق الرواية دون أن يعود إلى الشريط القديم.

ليست هناك تعليقات: