دكتور محمد الشافعي
في مثل هذه الأيام، تعود الذكرى كما تعود الفصول، دون استئذان. ثلاث عشرة سنة مضت، وما زال الغياب يحتفظ بحدّته الأولى، وإن تغيّر شكلها.
في البدء كان الفقد جرحًا مفتوحًا لا يهدأ، ثم صار مع السنين مقيمًا في الصدر، أعرف موضعه جيدًا وأتحسسه حين تمرّ بي لحظة تشبهه: مناسبة كنتَ ستفرح بها، أو قرار صعب كنتُ أتمنى لو سمعتُ رأيك فيه، أو موقف صغير يمرّ بي فأقول في سرّي: كان أبي سيقول كذا.
أكثر ما يوجعني أنني لم أدرك وأنت حيّ كم كنتَ سندًا. كنتُ أحسبك جزءًا ثابتًا من الدنيا، كالجدار الذي نستند إليه دون أن ننتبه إليه، حتى إذا زال أدركنا أننا كنا نقف عليه. لم أعرف حجم الظلّ الذي كنتَ تمدّه فوقي إلا بعد أن انكشفتُ للشمس وحدي.
وما أحمله منك أكبر من أن يُحصى. لم تعلّمني بالكلام وحده، فأنفع ما تعلمتُه منك كان في هيئتك وأنت تعيش: في صبرك حين يضيق الحال، وفي كرامتك التي لم تساومها، وفي طريقتك مع الناس. وكثيرًا ما أجد نفسي اليوم أتصرف بلا قصد على نحو ما كنتَ تتصرف، وأسمع صوتك في كلماتي، فأعرف أن الرجل لا يغيب ما دام أثره يمشي على قدمين.
وأعتزّ بك، وأعتزّ بأنني ابنك. اسمك الذي أحمله أمانة أحرص أن أصونها، وسيرتك التي يذكرها الناس بخير هي أغلى ما ورثتُه، وأثمن عندي من كل ما يُورَّث.
ولا أزعم أن الزمن شفاني. الزمن علّمني فقط كيف أحمل الحزن دون أن ينكسر ظهري. وأخشى أحيانًا أن يكون الاعتياد نوعًا من الخيانة، ثم أفهم أن الحزن الذي صار هادئًا هو الحب نفسه حين استقرّ. لم أنسك، وإنما تعلّمتُ كيف أشتاق إليك وأواصل الطريق.
رحمك الله يا أبي، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وجزاك عني خير ما يجزي والدًا عن ولده. وما أدعو به أن أكون في حياتي امتدادًا يليق بك، وأن يكون في عملي وخلقي ما يصل إليك ثوابه.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق