2026-05-29

عاشق الحضارة

 


دكتور محمد العوادي 

بين أزقة القاهرة القديمة، وتحت ظلال المآذن العتيقة، وعلى مقربة من حجارة المعابد التي حملت أسرار آلاف السنين، يعيش الدكتور محمد الشافعي حياة لا تشبه الحياة العادية؛ فهو لا يسكن مدينة فحسب، بل يسكن تاريخًا ممتدًا من عمق الحضارة المصرية القديمة إلى عبق التراث الإسلامي في القاهرة الفاطمية والمملوكية.

إنه رجل تشكل وجدانه بين النقوش الهيروغليفية، وتفتحت روحه على جمال الفن المصري القديم، حتى صار علم المصريات بالنسبة إليه ليس مجرد تخصص أكاديمي، بل عالمًا كاملًا يحتل القلب والعقل معًا.

حين يتأمل المرء صورته وهو يقف أمام الأهرامات وأبي الهول، يدرك أن العلاقة بينه وبين الآثار المصرية القديمة ليست علاقة باحث بموضوعه، بل علاقة ابن بأجداده. فهو يعرف تفاصيل الحجر، ويفهم لغة الرموز، ويقرأ في ملامح التماثيل ما لا يراه غير المتخصصين.

لقد أصبحت الحضارة المصرية القديمة جزءًا من تكوينه النفسي والفكري، حتى تكاد روحه تتحرك بين المعابد والمقابر والنقوش كما يتحرك الإنسان في بيته الذي يعرف زواياه كلها.

ومع هذا التعلق العميق بالماضي الفرعوني، لم يغلق قلبه على حقبة واحدة من التاريخ؛ بل ظل عاشقًا لكل ما يحمل روح التراث والجمال. ولذلك يجد في القاهرة الإسلامية سحرًا خاصًا لا يقاوم.

فهو يتجول بين خان الخليلي، وشارع المعز، والأزهر، والمساجد التاريخية، وكأنه يعبر بين صفحات كتاب حيّ يروي حكايات القرون الماضية.

هناك، بين المشربيات القديمة، والمصابيح النحاسية، ورائحة القهوة الشرقية، وصوت المآذن المتعاقب، يشعر بأن القاهرة ليست مدينة، بل ذاكرة حضارية متصلة لا تنقطع.

ولعل أجمل ما يميز هذه الروح هو قدرتها على الجمع بين الحضارات دون تناقض؛ فحب الدكتور محمد الشافعي للآثار المصرية القديمة لم يمنعه من تذوق جمال العمارة الإسلامية، كما أن شغفه بالفن المصري القديم جعله أكثر قدرة على فهم امتداد الهوية المصرية عبر العصور المختلفة.

إنه يرى مصر كنسيج حضاري واحد، تغيرت فيه العقائد والملامح السياسية، لكن ظلت الروح المصرية حاضرة فيه بقوة وعظمة.

وفي ملامحه الهادئة، وجلسته المتأملة، وحضوره بين الكتب والخرائط والرسوم، يبدو كأنه يعيش في حوار دائم مع التاريخ.

فالقاهرة بالنسبة إليه ليست مجرد مكان للإقامة، بل مدينة يتنفسها، ويحملها في ذاكرته، ويقرأ في وجوه شوارعها آثار من مرّوا بها عبر مئات السنين.

ولهذا تبدو حياته وكأنها رحلة مستمرة بين المعابد والمساجد، بين أبي الهول والمآذن، بين برديات الفراعنة وأسواق القاهرة القديمة؛ رحلة صنعها العلم، وزينها الشغف، وأضاءها عشق حقيقي للحضارة والتراث.

الفراغ

 

مهندس عاصم شاكر 

في زمنٍ صار فيه الإنسان يفتش عن أي وسيلة يقتل بها الملل، خرج علينا بعض الناس بمواهب جديدة لم تخطر على بال أحد!

فهذا يعدُّ حبات الأرز في الكيس، وذاك يراقب عدد عيدان المكرونة، وآخر ربما يجلس يومًا كاملًا ليتأكد إن كانت حبات الفول في العلبة متساوية أم أن هناك مؤامرة غذائية تُحاك في الخفاء!

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الأمر لا يقف عند حدود المزاح العابر، بل يتحول إلى تحقيق اقتصادي بالغ الخطورة، وكأن صاحبه خبير في هيئة الرقابة التموينية الدولية!

يفتح الكيس بعين المحقق، ويبدأ العدَّ بمنتهى الجدية، ثم يخرج علينا بنتيجة صادمة:

“الكيس الأول فيه 2990 حبة أرز، أما الثاني ففيه 2850 فقط!”

ثم يتنهد بحرقة وكأن الأمة تعرضت لكارثة قومية، ويقول:

“الناس ما بقاش عندها ضمير!”

وما بين الأرز والمكرونة، يدخل الإنسان في معركة فلسفية عميقة مع تفاصيل الحياة الصغيرة، ناسياً أن المصانع لا تعبئ الحبوب بالعدِّ الفردي، وإنما بالوزن والكيل، وأن اختلاف عدد الحبات أمر طبيعي لأن الأحجام نفسها تختلف من كيس إلى آخر.

فقد تجد ألفي حبة صغيرة تعادل وزن ألف وثمانمائة حبة أكبر حجمًا، لكن العقل حين يستسلم للفراغ يبدأ في اختراع معارك جانبية لا نهاية لها.

والحق أن هذه المواقف الطريفة تكشف جانبًا إنسانيًا لطيفًا؛ فحين يطول الجلوس في البيت يبحث الإنسان عن أي شيء يشغله، ولو كان عدَّ حبات الأرز أو مراقبة المكرونة واحدةً واحدة.

وهكذا تتحول أبسط الأشياء إلى مادة للضحك والسخرية وإطلاق التعليقات الساخرة التي تخفف عن الناس ثقل الأيام ورتابة الحياة.

ولعل أجمل ما في الأمر أن روح الدعابة ما زالت حاضرة رغم ضغوط الحياة، فما دام الإنسان قادرًا على الضحك من هذه التفاصيل الصغيرة، فذلك يعني أن بداخله مساحة نقية لم تمت بعد، وأنه ما زال قادرًا على تحويل الملل إلى ابتسامة، والروتين إلى حكاية طريفة تُروى بين الأصدقاء.

أما المكرونة… فالأفضل ألا تبدأ في عدِّها بالفعل، لأنك قد تكتشف بعدها أن الشعيرية أيضًا تحتاج إلى لجنة تقصي حقائق!

2026-05-28

القلوب الرحيمة

 

مهندس عاصم شاكر 

هناك أناس يمرّون في حياتنا كأنهم رحمةٌ تمشي على الأرض، لا تُعرف أقدارهم بكثرة الكلام، ولا تُقاس عظمتهم بما يملكون، بل بما يحملونه في صدورهم من قلوبٍ رحيمةٍ نقية، تعرف معنى الإنسانية الحقيقي، وتدرك أن أعظم القوة ليست في البطش، بل في القدرة على الرفق والتسامح وجبر الخواطر.

أصحاب القلوب الرحيمة هم أولئك الذين يقفون دائمًا خلف الضعفاء، لا طلبًا لمدحٍ أو شهرة، بل لأن ضمائرهم لا تسمح لهم أن يروا مكسورًا دون سند، أو حزينًا دون مواساة، أو محتاجًا دون عون. تراهم يمدّون أيديهم للناس في الخفاء، يساعدون ويتجاوزون ويحتملون، وكأن الخير جزءٌ أصيل من تكوينهم لا يستطيعون الفكاك منه.

هم الذين يفعلون المعروف ثم ينسحبون في هدوء، لا ينتظرون شكرًا ولا مكافأة، ولا يعلّقون أياديهم في أعناق الناس بمنّةٍ أو تذكير. يؤمنون أن ما عند الله أبقى، وأن أجمل ما يفعله الإنسان أن يترك أثرًا طيبًا في القلوب دون ضجيج.

وما أعظم رحمتهم حين يمتلكون القدرة على الرد والإساءة ثم يختارون العفو. قد يُساء إليهم، وقد يقابلهم البعض بالجفاء أو النكران، لكنهم لا ينحدرون إلى القسوة، ولا يجعلون الأذى يغيّر صفاء أرواحهم. يردّون الإساءة بالحلم، والجفاء بالصبر، وربما بالدعاء الطيب أيضًا، لأن نفوسهم أكبر من أن تتلوث بالكراهية.

إن الرحمة ليست ضعفًا كما يظن البعض، بل هي منزلة لا يصل إليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. فالإنسان القاسي يستطيع أن يؤذي بسهولة، أما الإنسان الرحيم فهو الذي يملك نفسه عند الغضب، ويملك قلبًا لا يعرف التشفي، حتى ممن ظلموه.

ولعل أجمل ما في أصحاب القلوب الرحيمة أنهم يخففون قسوة الدنيا على من حولهم. وجودهم وحده طمأنينة، وكلماتهم سكينة، وأفعالهم نورٌ خفيّ يعيد للناس إيمانهم بالخير وسط زحام القسوة والمصالح.

فهنيئًا لمن رزقه الله قلبًا رحيمًا، لا يحمل الحقد، ولا يتلذذ بإيذاء الآخرين، ولا يستقوي على ضعيف. فهذه القلوب النقية هي من أجمل النعم التي قد يلقاها الإنسان في حياته، وهي التي تترك الأثر الطيب حتى بعد الرحيل.

قراءة الوجوه

 

دكتور محمد الشافعي 

من أطول ما تمنحه لنا الحياة من خبرات، ذلك الاحتكاك اليومي بالناس؛ فمع كل لقاء، وكل حديث، وكل معاملة، تتكوَّن داخل الإنسان قدرة خفية على قراءة الطباع واستشفاف ما وراء الوجوه. وليس البشر سواءً في حضورهم، ولا في طريقتهم في الكلام، ولا حتى في هيئاتهم وأزيائهم، فلكل إنسان رسالة غير منطوقة يحملها صوته وملامحه وطريقته في الظهور أمام الآخرين.

ولطالما حاول الناس إنكار فكرة الحكم الظاهري على الأشخاص، وعدّوها نوعًا من التسرع أو الظلم، وهذا صحيح إلى حدٍّ بعيد؛ لأن إطلاق الأحكام العامة من أكثر الأمور خطورة، ولأن لكل قاعدة استثناء، ولكل مظهر حكاية قد تخالف التوقعات. غير أن التجارب المتراكمة تمنح الإنسان أحيانًا حدسًا خاصًا يجعله أكثر حذرًا تجاه بعض الأنماط البشرية التي تكررت أمامه بصورة متشابهة.

فالناس يُقرَؤون من ألسنتهم قبل وجوههم، ومن تفاصيلهم الصغيرة قبل أقوالهم الكبيرة. هناك من تكشفه نبرة صوته المتعالية مهما حاول التواضع، وهناك من يفضحه كثرة الحديث عن الفضيلة وكأنه يعلنها إعلانًا لا يعيشها سلوكًا. وبعض الناس يرتدون البساطة فتشعر براحة عجيبة في قربهم، لأن أرواحهم تشبه كلماتهم، بينما آخرون يتكلفون الوقار والهيبة والمظهر المثالي حتى يصبح كل شيء فيهم مصنوعًا ومفتعلًا.

وكما أن للكلام دلالاته، فإن للملابس أيضًا رسائلها النفسية والاجتماعية. فهناك من يرتدي ما يناسبه في هدوء واتزان دون سعي للفت الأنظار، وهؤلاء غالبًا أكثر تصالحًا مع أنفسهم، بينما نجد آخرين يبالغون في صناعة صورة معينة لأنفسهم، فيتحول المظهر عندهم إلى وسيلة لإخفاء الداخل لا التعبير عنه.

ومن خلال تجارب الحياة، قد يتولد لدى الإنسان تحفظ أو توجس من فئة بعينها، خاصة حين تتكرر معه الخبرات المؤلمة مع النمط ذاته. فبعض الأشخاص يتعمدون تمييز أنفسهم بهيئات محددة وزيٍّ معين، ويحرصون على إظهار صورة توحي بالورع أو المثالية أو التفوق الأخلاقي، بينما تخفي تصرفاتهم واقعًا مختلفًا تمامًا. وهنا لا يكون النفور نابعًا من الشكل وحده، بل من تراكم التجارب التي ربطت بين المظهر والسلوك المتكرر.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا يتحول الحذر إلى ظلم، ولا التجارب الشخصية إلى أحكام مطلقة على الجميع؛ فكم من إنسان بسيط الهيئة كان نقي القلب، وكم من شخص متأنق المظهر كان حسن الخلق، وكم من صاحب مظهر متشدد حمل داخله رحمة وصفاءً لا يراه الناس لأول وهلة. فالإنسان أعقد من أن يُختصر في ثوب، وأوسع من أن يُقاس بلحية أو ملامح أو طريقة كلام.


لكن تبقى الفراسة إحدى الحقائق الإنسانية التي لا يمكن إنكارها؛ فهي ليست علمًا كاملًا، ولا وهمًا كاملًا، بل مزيج من التجربة والحدس والانتباه للتفاصيل. والإنسان العاقل هو من يستفيد من تجاربه دون أن يسجن نفسه داخل التعميمات، فيحذر بحكمة، ويتعامل بوعي، ويترك دائمًا مساحة لاحتمال الاختلاف والاستثناء.

فالحياة علمتنا أن بعض الوجوه تُطمئننا من اللحظة الأولى، وبعضها يثير في النفس قلقًا غامضًا لا تفسير له، وأن القلب أحيانًا يقرأ ما تعجز الكلمات عن شرحه. وبين الفراسة والعدل تبقى الحكمة هي الميزان الحقيقي في فهم البشر والتعامل معهم.

تحليل لنظام الطيبات

 

دكتور عبد الله إبراهيم العياصرة

نظام الطيبات و الدكتور ضياء العوضي

بصفتي استاذ دكتور طبيب عملت رئيس مراكز صحية بعدة محافظات أردنية منذ عام 1981 و في مستشفى الجامعة الأردنية و بعدة مستشفيات خاصة منها مستشفى ملحس و مستشفى الرازي الجديد و من بعدها تخصصت في الطب الشرعي و علم السموم و حصلت عام 1989 على الماجستير في الطب الشرعي و السموم و من بعدها حصلت عام 1992 على درجة الدكتوراة في الطب الشرعي و السموم و عملت بالاختصاص لفترة في وزارة الصحة الأردنية و عملت بالمركز العربي للبحوث و الدراسات و من بعدها عملت بذات المجال بمؤسسات دولية و بعدة دول غربية ،، و بناء على استفسارات وردتني من أحبة و أصدقاء و منهم زملاء أطباء طلبوا مني إبداء رأيي بما جاء بنظام الطيبات الذي طرحه المكرم الدكتور ضياء العوضي ،،

 

يتلخص نظام الطيبات بثلاث مرتكزات :-

المرتكز الاول :- الصيام ( صوموا تصحوا ) 

الصيام يريح العصب الحائر ، فمهما كانت أسباب او مسببات المرض فالصوم هو الخطوة الأولى بالعلاج و هذا لا يختلف عليه اي طبيب بالعالم ، فأي طبيب يأتيه مريض يعاني من الآم في البطن او الضهر او من مرض مزمن و يهدف إلى معالجته بما يرضي الله سيطلب منه أن يصوم ثلاثة ايام و يعود للمراجعة و بعضهم يبادر بصرف وصفة علاجية و هذا النوع من الاطباء للأسف اكثر إرضاءِ للمرضى من غيرهم ،، 

المرتكز الثاني :- تخليص الجسم من السموم التي تسبب غالبية الأمراض المزمنة التي تعاني منها البشرية Detoxification و ذلك بالامتناع عن اكل لحوم الدواجن المهرمنة التي تتغذى على أعلاف مركزة تجارية غير سليمة مصنعة من فضلات لحوم و دماء و مواد فاسدة ( تعرفونها جميعاً ) و التوقف عن اكل بيضها ايضاً ، لان غذاء الدجاجة الفاسد المليء بالسموم سيصب بالنهاية في بطون البشر مستهلكي هذه الدواجن ، و قد وجّهت بمنشور سابق نداء إلى الدولة الأردنية و إلى مؤسسة الغذاء و الدواء و الصحة الأردنية بأحكام السيطرة على المصانع التي تنتج أعلاف الدواجن حفاظاً على صحة المواطنين ، و كذلك الدقيق الأبيض مجهول التكوين و المحتوى و الذي يتسبب بعدة أمراض و كذلك بعض الألبان المصنعة من بودرة مجهولة المنشأ و التكوين و تصاغ عليها عبارات رنانة منسوبة لألبان طبيعية نحبها جميعاً ( و تكشف ذلك بمقابلة صرح بها احد النواب السابقين بانهم يصنعون الألبان من بودرة مستوردة مجهولة النسب و التكوين و تنسب لافضل المناطق المنتجة لألبان طبيعية ) 

المرتكز الثالث :- عدم اكل المواد التي تسبب عسر الهظم و قد تضمنها نظام الطيبات بتحديد هذه المواد بمواد معينة و لكن أنا هنا ادخل تعديل على نظام الطيبات بناء على الاختلاف بين البشر اذ تختلف البصمة الجينية من شخص لآخر و بناء عليه أنا أوصي كل شخص يشعر بعسر هظم او بتعب عام او بامراض مزمنة بان يجري فحص مخبري ليحدد ما هي المواد التي يجب ان يتوقف عن أكلها و هذا الفحص هو

Food Fingerprinting Test 

و بناء عليه تتوقف عن اكل و استهلاك المواد التي تتسبب لك بمتاعب ،، 

هذا هو نظام الطيبات و هذا الكلام لا يختلف عليه اثنان عقلاء و هو الف باء الطب ،، 

و انصح كل شخص يسعى إلى إنهاء معاناته مع المرض ان يبدأ بالانتباه إلى ما يأكله اولاً ،، و المعدة بيت الداء ،، 

و ارجو الله الرحمة للدكتور ضياء العوضي ان كان حياً او ميتاً ، فهو حاول إيصال رسالة هامة لحياة البشرية و قدم من اجلها الكثير ،، ،،،

ناكر الجميل

 


دكتور محمد الشافعي 

هناك أوجاع لا تأتي من عدوٍّ صريح، بل من قريبٍ ظننته سندًا، ومن قلبٍ منحته من الود ما يكفي ليكون لك ظهرًا إذا مالت الأيام. لكن بعض الناس يأخذون المعروف وكأنه حقٌّ مكتسب، ثم إذا انتهت حاجتهم انطفأت في ذاكرتهم كل لحظة عطاء، وكل موقف احتواء، وكل يدٍ امتدت إليهم في ساعة العسر.

ونكران الجميل ليس مجرد خُلُقٍ سيئ، بل جرحٌ غائر في النفس؛ لأن الإنسان حين يُحسن لا ينتظر المقابل المادي، وإنما ينتظر قدرًا من الوفاء، وكلمة صادقة، واعترافًا بسيطًا بأن ما قدّمه لم يكن هيّنًا. غير أن قليل الأصل لا يرى إلا نفسه، ولا يتذكر من المعروف إلا ما عجزت عن تقديمه له، أما ما أغدقته عليه من دعمٍ ومساندةٍ وجبر خاطر فيمحو أثره سريعًا وكأنه لم يكن.

وكم هو مؤلم أن تكتشف أن بعض الناس يشربون جميعًا من الكأس نفسها؛ كأس الجحود وسوء الظن. تعطيهم العسل فينسبون الفضل للنحل، وتقف بجوارهم في سقوطهم ثم إذا استقاموا على أقدامهم نسوا اليد التي أمسكت بهم يوم تعثروا. بل إن الأسوأ من ذلك أن يقلبوا الصورة كاملة، فيجعلونك أنت المقصر، ويتناسون أعوامًا من الاحتواء من أجل موقفٍ واحد لم تستطع فيه أن تلبي ما أرادوا.

ومع كثرة التجارب يصبح الإنسان يتوقع الجحود حتى وهو يفعل الخير، لا لأنه تغير، بل لأنه رأى الحقيقة مرارًا. ومع ذلك تبقى الراحة الحقيقية في شعور الإنسان بأنه جبر ولم يكسر، واحتوى ولم يؤذِ، وأعطى دون دناءة أو منٍّ أو أذى. فالرقِي الحقيقي ليس فيما نأخذه من الناس، بل فيما نتركه في نفوسهم من أثر طيب.

إن أكثر العلاقات إنهاكًا هي تلك التي تستنزف الروح والعقل والصحة النفسية تحت اسم المحبة أو القرابة. فهناك أشخاص يستهلكون وقتك وجهدك ومشاعرك بشراهة، ثم حين تظهر حقيقتهم تكتشف أن ما ضاع لا يمكن تعويضه بسهولة. ولهذا كان الانسحاب من العلاقات المؤذية أحيانًا ضرورة لا قسوة، وحماية للنفس لا أنانية.

وقد صدق القائل: “إذا أنت أكرمت الكريم ملكته… وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدَا”.

لكن رغم كل شيء، يبقى الخير قيمة سامية لا ينبغي أن نتخلى عنها بسبب جحود البعض. افعل الخير لأن الله يراه، لا لأن الناس تشكر عليه. فالناس تنسى، وتتبدل قلوبها، أما الله فلا يضيع عنده معروف، ولا يغيب عنه جبر خاطر، ولا تخفى عليه دمعة مظلوم أو قلب مكسور.

ولهذا فإن أنقى درجات السلام أن تُحسن ثم تمضي، دون انتظار تصفيقٍ من أحد، ودون أن تربط عطائك بوفاء البشر. يكفيك أنك كنت يومًا يدًا رحيمة في زمنٍ قاسٍ، وقلبًا نقيًّا وسط عالمٍ يزداد جفافًا كل يوم.


2026-05-27

ما وراء الهتاف

 


دكتور محمد العوادي 

ليست مشكلتي مع كرة القدم كلعبة في ذاتها، ولا مع إنسان يشاهد مباراة على سبيل التسلية العابرة، فالتسلية المباحة أمر عرفه الناس منذ القدم، ولكن مشكلتي الحقيقية مع ذلك التضخيم المبالغ فيه، ومع تلك المنظومة الهائلة التي نجحت في تحويل لعبة بسيطة إلى محور حياة، وإلى قضية تشغل العقول وتستهلك الأعصاب والأوقات والمشاعر.

ولهذا فأنا شخصيًا لا أشاهد كرة القدم، بل لا أطيق رؤيتها ولو لثوانٍ معدودة، ولست مشجعًا لأي فريق، ولا حتى لما يسمى المنتخب القومي، لأن الفكرة في نظري واحدة، والمنظومة واحدة، والأسلوب واحد؛ صناعة جمهور غفير يفكر بعقل الجمع، ويذوب فيه الإنسان كفرد مستقل، حتى يتحول إلى مجرد رقم داخل كتلة بشرية هائلة تهتف وتصرخ وتغضب وتفرح في سبيل ما يسمونه “الانتصار”.

وتأمل جيدًا لفظ “الانتصار” ذاته.

فالانتصار الحقيقي لا يكون إلا في قضية حق، أو في معركة دفاع عن وطن، أو في موقف أخلاقي نبيل، أو في صراع يفرق فيه الإنسان بين حق وباطل. أما مباراة كرة القدم، فهي في حقيقتها مجرد لعبة ترفيهية، لا أكثر. لا تحمل قضية مصيرية، ولا تقدم نفعًا حقيقيًا للمشاهد، ولا تغير واقع أمة، ولا تبني علمًا، ولا تطور فكرًا، ولا ترفع مستوى أخلاق.

هي بالنسبة للمشاهد مجرد وسيلة تسلية، وبالنسبة للاعبين والإداريين وأصحاب المصالح وسيلة كسب وأموال وشهرة واستثمارات ضخمة.

أما تلك الفئة التي تطلق على نفسها لقب “نقاد” أو “إعلاميين رياضيين”، فأنا أراها في كثير من الأحيان مجرد فئة تعيش على تفاصيل المباريات وأخبار اللاعبين والانتقالات والإثارة المصطنعة، تدور في دائرة لا تنتهي من الكلام المتكرر الذي لا يقدم للإنسان قيمة حقيقية في حياته أو فكره أو مستقبله. حديث طويل يمتد بالساعات كل يوم، ثم لا يخرج الإنسان منه بشيء سوى مزيد من الاستهلاك العقلي والضجيج الذهني.

والأعجب أن جماهير غفيرة تتابع كل ذلك بشغف شديد، تلاحق الأخبار، وتنتظر التصريحات، وتدخل في جدالات وصراعات وانفعالات بسبب أمور لا تمس حياتها الواقعية من قريب أو بعيد.

ثم تأتي فئة المعلقين.

وأنا حقًا لا أفهم كيف يطيق الناس ذلك السيل المتواصل من الكلام.

فالمعلق في النهاية شخص يمتلك صوتًا جهوريًا، وقدرة على الاسترسال السريع، والرغبة الدائمة في ملء أذن المشاهد بالكلام دون توقف. والمفترض أن مهمته الأساسية هي وصف ما يحدث داخل الملعب، لكنه كثيرًا ما يأخذ المشاهد بعيدًا عن المباراة نفسها، فيبدأ في سرد تاريخ اللاعبين، وعدد المواجهات السابقة، ومن فاز ومن خسر، وحكايات لا تنتهي، بصوت مرتفع وإيقاع سريع وكأن الصمت جريمة يجب الفرار منها.

وأنا بطبيعتي لا أطيق الضجيج، ولا أحب السرعة المبالغ فيها في الحديث، ولا أرتاح لذلك الصوت الحنجوري المستمر الذي لا يمنح العقل فرصة للتأمل أو الهدوء، ولذلك أتعجب كيف يسمح الناس لآذانهم وعقولهم بأن تمتلئ بهذا القدر من اللغو المتواصل لساعات طويلة.

ثم هناك ما يسمونه “الاستوديو التحليلي” قبل المباراة وبعدها.

ورغم أنني لا أشاهده أصلًا، إلا أنني أستطيع بسهولة أن أتوقع مضمونه؛ ساعات من الكلام والانفعالات والآراء والتوقعات والجدل، في حين أن المباراة نفسها انتهت، وما حدث قد حدث بالفعل. بل إن كثيرًا مما يقال لا تكون له علاقة حقيقية بما جرى داخل الملعب، وإنما هو مجرد صناعة كلام من أجل استمرار البث، واستمرار الجذب، واستمرار الاستهلاك الجماهيري.

وفي النهاية أعود دائمًا إلى الفكرة الأهم في نظري: كرامة الإنسان ووعيه بقيمة عمره.

فالإنسان خُلق لشيء أعظم من أن يهدر ساعات طويلة كل يوم في متابعة ضجيج لا ينفعه، وجدالات لا تضيف إليه، وانفعالات مرتبطة بلعبة لا تقدم له في نهاية الأمر علمًا ولا ثقافة ولا بناءً حقيقيًا للنفس.

ليس المطلوب أن يحرم الإنسان نفسه من الترفيه، ولكن المطلوب أن توضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، وألا تتحول وسيلة التسلية إلى مركز للحياة، أو إلى قضية تشغل القلب والعقل والوقت والمشاعر.

فكرة القدم في النهاية ليست أكثر من لعبة.

لعبة للتسلية…

ولا ينبغي أن تصبح أكثر من ذلك.

روح العيد

 


دكتور محمد الشافعي 

ما إن تنتهي صلاة العيد، وتتعالى تكبيرات المصلين في الطرقات والحارات، حتى يبدأ مشهد آخر مغاير تمامًا لروح البهجة التي امتلأت بها القلوب منذ الفجر.

مشهد تختلط فيه أصوات التكبير بأصوات الخوار، وتتحول الشوارع شيئًا فشيئًا إلى ساحات ممتدة للذبح والدماء، فيقف الإنسان متأملًا هذا التناقض العجيب بين فرحة العيد ورهبة المشهد.

خرجتُ يومها لأذبح أضحيتي، فإذا بي أجد عددًا من التضحيات قد سبقت نحر أضحيتي.

أضاحٍ مُلقاة على الأرض، وأخرى تُسحب إلى مصيرها، وعيون تنظر في صمت كأنها تدرك النهاية.

ورجال يحيطون بالمشهد بين مكبرٍ ومهللٍ ومنشغلٍ بتقسيم اللحم أو تنظيف المكان، حتى خُيّل إليّ أن العيد عند البعض قد اختُزل في لحظة الذبح وحدها، لا فيما وراءها من معنى ورحمة ومغزى.

ووقفت أتساءل في داخلي:

هل هذه هي فرحة العيد حقًا؟

هل الفرح في الدم المسفوح، أم في الطاعة ذاتها؟

هل البهجة في منظر الذبح، أم في معنى التضحية الكامن خلفه؟

إن الأضحية في أصلها ليست احتفالًا بالعنف، ولا استعراضًا لمشهد الموت، وإنما هي شعيرة عظيمة ترتبط بالفداء والطاعة والامتثال لأمر الله، وتستدعي إلى الوجدان قصة الخليل إبراهيم عليه السلام حين انتصر الإيمان على هوى النفس، وانتصر التسليم لله على أعظم عاطفة بشرية.

لكن الإنسان أحيانًا يعتاد المشهد حتى يفقد التأمل في معناه.

فتتحول الشعيرة عند البعض إلى عادة موسمية، تُمارس بلا تدبر، ويصبح الاهتمام منصبًا على تفاصيل اللحم والتوزيع وعدد الكيلوجرامات، أكثر من الانشغال بما ينبغي أن تتركه الأضحية في النفس من رحمة وشكر وإحساس بالفقراء والمحتاجين.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الأطفال يقفون يشاهدون كل ذلك في دهشة، بين من يضحك، ومن يخاف، ومن يعتاد المنظر عامًا بعد عام حتى يصبح أمرًا عاديًا في وجدانه.

وهنا يظهر السؤال الأعمق:

كيف نُعلّم أبناءنا معنى الشعيرة، لا مجرد مشهدها؟

كيف نربط العيد بالرحمة وصلة الرحم والستر والفرح النظيف، لا فقط بمشهد السكين والدم؟

إن فرحة العيد الحقيقية ليست في الذبح ذاته، بل فيما بعد الذبح.

في إدخال السرور على البيوت، وفي شعور الفقير أن له نصيبًا من الخير، وفي اجتماع العائلة، وفي التكبيرات التي تبعث السكينة، وفي تلك الروح الإيمانية التي تجعل الإنسان أكثر قربًا من الله وأكثر رحمة بالناس.

أما الدم، فهو مجرد وسيلة لشعيرة عظيمة، لا ينبغي أن يتحول إلى محور الاحتفال ذاته.

فالعبادات تسمو بمعانيها، لا بصورها وحدها.

وكلما ارتقى الإنسان بفهمه للشعائر، أدرك أن العيد أكبر من مشهد ذبح… وأعمق من لحظة نحر.

الهوس المصنوع


 

دكتور محمد الشافعي 

من أكثر الظواهر التي تستحق التأمل في هذا العصر، تلك العلاقة المتضخمة التي نشأت بين الإنسان وكرة القدم، حتى تجاوز الأمر حدود التسلية البريئة، وتحول عند كثيرين إلى حالة من التعلق المفرط والانشغال الدائم، وكأن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بنتيجة مباراة، أو هدف أحرزه لاعب، أو بطولة حصدها نادٍ.

ولعلني لا أمل من الحديث في هذا الأمر، لأنني أراه قضية وعي قبل أن يكون مجرد رأي شخصي. فالمشكلة ليست في كرة القدم ذاتها، فهي لعبة شأنها شأن أي وسيلة ترفيه مباحة، وإنما المشكلة في تضخيمها حتى أصبحت محورًا يوميًا يستهلك المشاعر والوقت والطاقة والعقول، دون أدنى مردود حقيقي على الإنسان في حياته أو فكره أو مستقبله.

وقد جاء هذا المقال بعد تعليق لطيف من إحدى تلميذاتي، وهي أميرة غانم، حين لاحظت تكرار حديثي عن هذا الموضوع فقالت ضاحكة: “مالك ومال كرة القدم يا دكتور؟”

وكان جوابي ببساطة أنني أتمنى فقط أن تعود الأمور إلى موضعها الطبيعي.

أن تبقى كرة القدم وسيلة للتسلية لا أكثر.

أن تأخذ حجمها الحقيقي بعيدًا عن هذا التضخم الهائل.

فمن المؤسف أن يتحول الإنسان إلى مجرد “مشجع” يعيش انفعالاته كلها لأجل كيان لا يعرفه أصلًا، ولا يعود عليه بأي نفع حقيقي، لا مادي ولا فكري ولا إنساني.

إن أخطر ما في الأمر أن البعض أصبح يقيس انتماءه ووجوده ومكانته من خلال فريق يشجعه، فيفرح فرحًا مفرطًا، ويحزن حزنًا عظيمًا، وربما يخاصم ويعادي ويقاطع الآخرين بسبب مباراة أو بطولة، بينما تمر قضايا حياته الحقيقية دون اكتراث مماثل.

ولست ضد المتعة أو الترفيه، فالإنسان يحتاج إلى ما يروح به عن نفسه، ولكنني ضد تحويل اللهو إلى قضية حياة، وضد أن يصبح الإنسان مجرد وقود لمنظومة ضخمة تقوم على صناعة الجماهير واستهلاك عواطفهم واستنزاف وقتهم، بينما المستفيد الحقيقي هم أصحاب الأموال والإعلانات والعقود والاستثمارات.

إن الإنسان خُلق ليكون صاحب عقل ورسالة وقيمة، لا مجرد متفرج دائم يصفق ويهتف وينفعل بلا ثمرة تعود عليه. ومن المؤلم أن تجد شابًا يحفظ أسماء اللاعبين وأرقامهم وتفاصيل انتقالاتهم، بينما لا يعرف شيئًا عن واقعه أو تاريخه أو مستقبله أو حتى ذاته.

ولهذا أكرر دائمًا أن كرة القدم يجب أن تبقى في حدودها الطبيعية: متعة عابرة، لا أكثر. فلا يصح أن تتضخم حتى تبتلع وعي الناس واهتماماتهم وأوقاتهم.

ولعل هذا الكلام يصادف عقلًا واعيًا، يدرك أن قيمة الإنسان أكبر كثيرًا من أن تُختزل في تشجيع فريق، أو انتظار نتيجة مباراة.

2026-05-26

حديثٌ مع مشجع


 

دكتور محمد الشافعي 

في زمنٍ تضخّمت فيه الأشياء الصغيرة حتى غدت تملأ العقول والأسماع، أصبحت كرة القدم عند كثير من الناس أكثر من مجرد لعبة، وتحولت من مساحة للترويح والترفيه إلى عالم كامل يستهلك الوقت والمشاعر والانتباه. وقد دار بيني وبين أحد أصدقائي حديث طويل حول هذه القضية، بعدما عاتبني على رؤيتي الناقدة لحالة الهوس الكروي، ورأى أنني متحامل وغير منصف، خاصة أنه منذ طفولته يشجع النادي الأهلي، ويرى أن التشجيع جزء من حياته لا يستطيع الانفصال عنه.

وقد أوضحت له أنني لا أهاجم التشجيع في حد ذاته، ولا أرفض أن يجد الإنسان لنفسه متنفسًا يخفف به أعباء الحياة وضغوطها، فالنفس تحتاج إلى شيء من التسلية المباحة، وكرة القدم في أصلها لعبة للمتعة والترفيه، ولا حرج في متابعتها أو تشجيع فريق معين ما دام الأمر قائمًا على الاعتدال والعقل.

لكن موضع الاعتراض الحقيقي يبدأ عندما تتجاوز اللعبة حدودها الطبيعية، فتتحول إلى محور تدور حوله حياة الإنسان ومشاعره وأحاديثه اليومية. حين يصبح الفوز سببًا لفرحٍ مبالغ فيه، والهزيمة مدعاة لضيقٍ واكتئابٍ وخصام، وحين تُستهلك الساعات الطويلة في متابعة أخبار اللاعبين والصفقات والتحليلات والبرامج الصاخبة التي لا تكاد تنتهي.

إن المؤلم في الأمر ليس مجرد التشجيع، بل تلك الحالة التي صنعتها المنظومة الإعلامية حول كرة القدم، حتى غدت حديث المجالس، وموضوع البرامج، وشغل الناس الشاغل صباحًا ومساءً. لقد تحولت اللعبة عند بعض الجماهير إلى ما يشبه الإدمان العاطفي والفكري، حتى أصبح كثير من الناس يعرف تفاصيل دقيقة عن لاعبين ومدربين وأندية، بينما يجهل في المقابل ما ينفعه في واقعه أو يطوّر من نفسه وعلمه وثقافته.

وكم يبدو الأمر مؤسفًا حين نجد إنسانًا يحفظ تاريخ البطولات ونتائج المباريات، لكنه لا يعرف شيئًا عن تاريخه الحقيقي أو قضايا مجتمعه أو حتى مستقبله الشخصي. وكم من طاقات ومشاعر تُهدر في جدالات وصراعات وانفعالات حول مباراة تنتهي اليوم لتبدأ غدًا أخرى، ثم تدور الدائرة بلا نهاية، وكأن الإنسان خُلق ليعيش أسير هذا الضجيج المتكرر.

إن الحكمة الحقيقية تكمن في الاعتدال؛ أن يستمتع الإنسان بما يحب دون أن يتحول إلى عبدٍ له. تابع المباريات إن شئت، وشجع النادي الذي تميل إليه، وافرح قليلًا أو احزن قليلًا، لكن لا تجعل الأمر يستنزف عمرك ووقتك وهدوءك النفسي، ولا تسمح له أن يطغى على رسالتك في الحياة أو أهدافك الحقيقية.

فالإنسان أسمى من أن تُختزل حياته في نتيجة مباراة، وأعمق من أن تُستهلك مشاعره كلها في صخب الملاعب وضجيج الجماهير. لقد خُلق الإنسان ليبني عقله، ويثري روحه، ويعمر حياته بالعلم والعمل والفكر والقيم، لا ليبقى أسير دائرة لا تنتهي من الانفعال المؤقت حول فوز فريق أو خسارته.

ولهذا فإن المشكلة ليست في كرة القدم نفسها، فهي في النهاية مجرد لعبة، وإنما في تضخيمها حتى أصبحت عند بعض الناس قضية وجود، تُستنزف فيها الأعمار والأموال والمشاعر، بينما تمضي الحياة الحقيقية بعيدًا عن كل هذا الصخب، في هدوءٍ لا ينتبه إليه أحد.

سرّ القبول

 


دكتور محمد الشافعي 

من أعجب ما في العلاقات الإنسانية ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى القلب منذ اللحظة الأولى؛ فترتاح لإنسان دون سبب ظاهر، وتنفر من آخر رغم أنه لم يُبدِ سوءًا، ولم يصدر عنه ما يعكر الصفو أو يوجب الجفاء. إنه ذلك السر الرباني الذي يسمى: القبول.

فالقبول بين الناس ليس أمرًا يُصنع تصنعًا، ولا يُشترى بالمجاملات، ولا يُفرض بالقوة، بل هو رزق من الله، وبوصلة خفية أودعها الخالق في القلوب لتدل الإنسان على من يأنس بهم ومن يتحفظ تجاههم. ولهذا كثيرًا ما يحدث الارتياح أو النفور منذ اللقاء الأول، بل أحيانًا من النظرة الأولى أو أثناء الحديث العابر، وكأن الأرواح تتعارف قبل الكلمات.

وقد عبّر النبي ﷺ عن هذه الحقيقة العميقة بقوله:

«الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».

وهو وصف بالغ الدقة لما يجري في داخل الإنسان دون أن يستطيع تفسيره تفسيرًا منطقيًا كاملاً.

فكم من شخص اقترب منا سريعًا حتى شعرنا نحوه بألفة قديمة، وكأن بيننا وبينه معرفة سابقة لا نعلمها. وكم من آخرين ظلوا قريبين بحكم العمل أو الظروف أو المجالس، ومع ذلك بقيت المسافة القلبية قائمة، لا كراهية ظاهرة، ولكن عدم قابلية وغياب ارتياح. إنها راحة القلب وحدسه الفطري.

وفي الحياة العملية خاصة، يلتقي الإنسان بأصناف كثيرة من البشر؛ في الأعمال المشتركة، أو لجان الكنترول، أو المناسبات المختلفة، أو البيئات المهنية المتكررة. وهناك من تفرض الظروف التعامل معهم، لكن القلب يبقى محتفظًا بمسافته الهادئة. وليس معنى ذلك ظلم الناس أو إساءة الظن بهم، وإنما هو شعور داخلي يصعب تجاهله.

ولقد أثبتت التجارب لكثير من الناس أن حدسهم الأول تجاه بعض الأشخاص كان صادقًا؛ فبعض من لم ترتح لهم النفوس منذ البداية، كشفت الأيام عن طباعهم الحقيقية، وأثبتت المواقف أنهم لا يستحقون مراتب القرب والثقة، بل يكفي معهم إطار المعرفة العابرة والتعامل الرسمي المهذب.

ولهذا فإن الإنسان الناضج لا يستهين بنداء قلبه، ولا يسخر من إحساسه الداخلي، لأن الخبرات الطويلة تجعل القلب أكثر قدرة على قراءة الناس وفهم إشاراتهم الخفية. غير أن الحكمة الحقيقية تكمن في أن يجمع المرء بين صدق حدسه وحسن خُلقه؛ فيبتعد عمّن لا يرتاح إليهم إن استطاع، لكن دون قسوة أو تعالٍ أو إيذاء.

فليس مطلوبًا منك أن تُدخل الجميع إلى دائرتك الخاصة، وليس واجبًا أن تُحب كل من تلتقي بهم، لكن الواجب أن تكون رقيقًا لطيفًا في التعامل، كريم الخلق، حتى مع من لا تشعر تجاههم بالقبول الكامل. فالأدب خُلُق، والاحترام واجب، أما القرب القلبي فليس قرارًا يُؤخذ بالعقل وحده، بل هو توفيق من الله.

إن القلوب لها إشاراتها، والأرواح لها لغتها الخاصة التي لا تُرى، ولكنها تُحسّ. ولذلك لا تتعجب إذا أحببت شخصًا من أول لقاء، أو شعرت بنفور هادئ من آخر بلا سبب واضح. فبعض الأمور لا تُفسَّر بالعقل وحده، لأن وراءها حكمة ربانية خفية، يعلمها الله وحده.

هوس بلا قيمة


 

دكتور محمد العوادي 

حين تتحول الكرة إلى صناعة للوهم:

لم تعد كرة القدم في زماننا مجرد لعبة يتابعها الناس للتسلية أو الترفيه العابر، بل تحولت ــ بفعل الإعلام والترويج المستمر ــ إلى حالة من التضخيم المبالغ فيه، حتى أصبحت وكأنها القضية الأولى التي تشغل العقول وتستنزف الأوقات وتستحوذ على اهتمام الجماهير ليلًا ونهارًا.

فأينما اتجهت، وجدت الحديث نفسه يتكرر بلا انقطاع؛ برامج لا تنتهي، واستوديوهات تحليل تمتد قبل المباراة وبعدها، وجدالات عقيمة حول انتقال لاعب، أو خلاف داخل ما يسمى “أوضة اللبس”، أو تصريحات لاعب ومدرب، وكأن الأمة قد فرغت من همومها ومشكلاتها الكبرى، ولم يعد يشغلها سوى فوز فريق أو خسارته.

والمؤسف أن المشكلة الحقيقية ليست فقط فيمن يصنعون هذه الضوضاء الإعلامية ويروجون لها، بل فينا نحن، حين سمحنا لأنفسنا أن ننحدر إلى مرتبة “الجماهير” التي تعيش وتغضب وتفرح لأجل كيانات لا تعرف عنها شيئًا، ولا تشعر بها أصلًا.

كيف قبل الإنسان أن يختزل ذاته وعمره ووقته في متابعة مباريات وتحليلات وجدالات لا تعود عليه بأي نفع حقيقي؟

إن المتأمل في هذا المشهد يدرك أن كرة القدم لم تعد مجرد رياضة، بل أصبحت صناعة ضخمة قائمة على استنزاف العاطفة الجماهيرية وتحويلها إلى أرباح هائلة.

فاللاعب الذي يتقاضى عشرات الملايين لا يدفع له هذا المال من فراغ، وإنما من جيوب جماهير بسيطة قد لا يجد كثير منها قوت يومه بسهولة، ثم يخرج ذلك اللاعب مطالبًا بالمزيد، رافضًا التجديد إلا بمضاعفة العقود والأرقام، في مشهد يكشف إلى أي حد تحولت الرياضة إلى تجارة عملاقة لا علاقة لها بالقيم أو الانتماء الذي يروجون له.

أما ما يسمى بالنقاد الرياضيين، فكثير منهم لا يعيش إلا على إشعال الجدل وصناعة الضجيج، حتى أوهموا الناس أنهم أصحاب رسالة عظيمة، بينما الحقيقة أنهم جزء من منظومة تستفيد من بقاء الجماهير في حالة انشغال دائم بتفاصيل تافهة لا تقدم للإنسان علمًا ولا تبني له عقلًا ولا ترتقي بواقعه.

ولو أن الإنسان جرّب يومًا أن يبتعد عن كل هذا الصخب؛ فلا مباريات، ولا برامج ليلية، ولا متابعة مرهقة لكل ما يدور في عالم الكرة، لاكتشف كم من الوقت كان يهدره بلا جدوى، وكم من الطاقة النفسية كان يستنزفها في أمور لا تغير من حياته شيئًا.

إن أخطر ما في الأمر أن التعلق المفرط بهذه الصناعة الوهمية لا يسرق المال والوقت فقط، بل يخلق حالة من التبعية الفكرية والانقياد العاطفي، حتى يصبح الإنسان أسيرًا لنتيجة مباراة أو قرار حكم أو انتقال لاعب، وكأن مصيره الشخصي معلق بكل ذلك.

وما أحوج الإنسان اليوم إلى أن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يدرك أن العمر أثمن من أن يضيع في متابعة صخب لا ينتهي، وأن العقل خُلق لما هو أسمى من الجدل حول لعبة مهما حاولوا تضخيمها ومنحها أكبر من حجمها الحقيقي.

2026-05-25

وجوه لا تكشفها إلا التجارب

 


دكتور محمد الشافعي 

تقول الحكمة العربية إنك لا تعرف الإنسان حق المعرفة إلا إذا سافرت معه، أو تعاملت معه في المال، أو عشت معه في بيت واحد. وهي مقولة تختصر خبرات طويلة من التجربة الإنسانية، حيث تسقط الأقنعة، ويظهر الجوهر الحقيقي بعيدًا عن المجاملات وصور التكلف الاجتماعي.

فالسفر يكشف الطباع في لحظات التعب والانتظار، حين تضيق المساحات وتطول الساعات، فيظهر الصبر أو الضجر، ويتجلى التعاون أو الأنانية. وهناك، في الغربة المؤقتة، يتعرّى الإنسان من كثير من زينته اليومية، ويصبح أكثر صدقًا مع نفسه ومع الآخرين.

أما المعاملات المالية، فهي ميزان دقيق للنفوس. فحين يدخل المال بين الناس، تُختبر الذمم، وتظهر حدود الأمانة والطمع، ويُعرف من يقدّم حق غيره على هواه، ومن يجعل المصلحة فوق القيم. لذلك قيل إن المال يكشف ما لا تكشفه الكلمات.

والعيش تحت سقف واحد هو الامتحان الأعمق؛ فهنا لا مجال للتمثيل الطويل، ولا للظهور المتقطع. تتكرر المواقف الصغيرة التي تصنع الصورة الكاملة: في العادات، في ردود الأفعال، في احترام الخصوصية، وفي القدرة على الاحتمال والتفاهم.

لكن هناك إضافة أكثر حداثة وواقعية، يفرضها واقع العلاقات المعاصرة: إذا أردت أن تعرف الإنسان حقًا، فجربه في موقع المسؤولية، أو في موقع الإدارة. فالمناصب ليست مجرد ألقاب، بل هي كاشف دقيق للطباع. عندها يتبين العدل من المحاباة، والحكمة من التسلط، والتواضع من الغرور، والقدرة على تحمل الأمانة من الميل إلى الاستبداد.

فالمدير الحقيقي لا يُقاس بما يطلبه من الآخرين، بل بما يقدمه لهم من إنصاف وتنظيم ورؤية. وفي لحظات القرار، تتجلى الأخلاق قبل الخبرة، وتتكلم النفس قبل اللوائح.

وهكذا، تبقى معرفة الإنسان رحلة لا تختصرها لحظة واحدة، بل مواقف متراكمة تكشف العمق الإنساني شيئًا فشيئًا، حتى تتضح الحقيقة كاملة بلا رتوش ولا أقنعة.

2026-05-24

الغل الدفين خلف الأقنعة

 


دكتور محمد الشافعي 

عجيبٌ أمر بعض البشر حين يتحول القرب بينهم وبين الآخرين إلى بابٍ للحقد والغيرة، لا إلى بابٍ للمودة والرحمة. فالمفترض أن الأقربين هم أول من يفرح لفرحنا، وأول من يسعد لنجاحنا، وأول من يساندنا إذا تعثرت بنا الأيام، غير أن الواقع كثيرًا ما يكشف عن وجوهٍ أخرى لم نكن نتوقعها، وجوه تخفي وراء الابتسامات شيئًا من الغل الدفين، والحسد الصامت، والضيق من كل نعمة يمنّ الله بها على غيرهم.

إن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس عداوة الغريب، فالغريب لا تربطك به وشائج قلب ولا ذكريات عمر، وإنما الوجع الحقيقي أن تأتيك مشاعر الكره ممن أحسنت إليهم، وأغدقت عليهم من محبتك وكلماتك الطيبة، وظننت أنهم أكثر الناس صدقًا وصفاءً نحوك. فتفاجأ أن بعض النفوس تضيق بنجاحك، وتتألم لفرحتك، وتتمنى في سرها ألا ترى عليك أثر نعمة أو راحة أو استقرار.

وقد لا يظهر هذا الحقد بصورة مباشرة، بل يخرج في هيئة كلمات عابرة يصفها أصحابها بالمزاح، لكنها في حقيقتها رسائل صادقة تفضح ما تخفيه القلوب. فالعين كثيرًا ما تكشف ما يعجز اللسان عن إخفائه، وبعض العبارات التي تُقال على سبيل “الهزار” ليست إلا تعبيرًا تلقائيًا عن غيرة دفينة أو كراهية كامنة في النفوس.

ومن العجيب أيضًا أن تتحول بعض العلاقات الأسرية أو الاجتماعية إلى ساحات مقارنة ومنافسة مريضة؛ فهذا يغار لأن قريبًا له اشترى سيارة جديدة، وذاك يحقد لأن غيره يعيش حياة مستقرة أو حقق نجاحًا في عمله أو زوّج ابنته إلى رجل صالح محترم. وكأن النعمة إذا نزلت على إنسان انتُزعت من الآخرين، مع أن الخير الذي يقدّره الله لعباده واسع لا ينفد، وأن نجاح فرد من العائلة أو الأقارب ينبغي أن يكون مصدر فخر وسعادة للجميع لا سببًا للضيق والكراهية.

ولعل من أكثر السلوكيات إزعاجًا كذلك ذلك التطفل الذي يمارسه بعض الناس بدافع الفضول أو الحسد، فتجد أحدهم منشغلًا بتفاصيل حياتك أكثر من انشغاله بحياته هو. يسألك عن كل صغيرة وكبيرة، ويتتبع أخبارك وتحركاتك، ويحاول اقتحام خصوصياتك بلا حياء، وكأن من حقه أن يعرف عنك كل شيء. وهذا السلوك في حقيقته يعكس فراغًا داخليًا وضعفًا في تهذيب النفس، لأن الإنسان السويّ ينشغل بإصلاح ذاته قبل انشغاله بأحوال غيره.

إن القلوب حين تبتعد عن صفاء الإيمان تمتلئ بمثل هذه الآفات؛ بالحقد، والغيرة، وسوء الظن، والتطفل، وتتآكل فيها معاني الرحمة والمحبة. أما الدين الحق فقد دعا إلى نقاء القلب، وإلى أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يفرح لفرح الآخرين كما يفرح لنفسه، وأن يصون خصوصيات الناس ويحفظ كراماتهم.

فالعودة الصادقة إلى كتاب الله عز وجل، والعمل بأخلاق الدين، وتربية النفس على الرضا والقناعة، هي الطريق الحقيقي لعلاج هذه الأمراض القلبية التي أفسدت كثيرًا من العلاقات بين الناس. فالحياة أقصر من أن تُستهلك في مراقبة الآخرين أو الحقد عليهم، والقلوب النقية وحدها هي التي تنعم بالسلام والطمأنينة، أما النفوس الممتلئة بالغل فلا تعرف راحةً ولو امتلكت الدنيا بأسرها.

2026-05-23

غِلٌّ بلا سبب

 



دكتور محمد الشافعي 

عجيبٌ أمرُ هذا الزمان…

أن يكتشف الإنسان أن أكثر الجراح عمقًا ليست تلك التي تأتيه من عدوٍّ معروف، بل من قلبٍ ظنَّه يومًا مأمنًا وموضعَ ثقةٍ ودفء.

فالغدر لم يعد دائمًا صريحَ الملامح، ولا يأتي دائمًا في هيئة خيانةٍ واضحة أو طعنةٍ معلنة، بل قد يتسلل في صورة حقدٍ خفيّ، ونفوسٍ امتلأت غِلًّا بلا سبب، وعيونٍ تنظر إليك لا بما أعطيت، بل بما تملك من راحةٍ أو نجاحٍ أو قبولٍ أو حتى صفاء نفس.

والمؤلم حقًا أن يكون مصدر هذا الغِلّ أقرب الناس إليك…

أولئك الذين منحتهم المودة الصادقة، والكلمة الطيبة، والمواقف النبيلة، وظننت أن المعروف يزرع الوفاء في القلوب، فإذا بك تُفاجأ أن بعض النفوس لا تُقابل الإحسان بالإحسان، بل ربما ضاقت بمن أحسن إليها، وكأن الخير نفسه يوقظ في داخلها شعورًا بالنقص أو المقارنة أو العجز.

هناك نفوسٌ لا تحتمل أن ترى غيرها هادئًا، أو ناجحًا، أو محبوبًا، أو ثابتًا رغم العواصف.

فتبدأ في صناعة خصومةٍ وهمية، وتنسج داخلها مشاعر غريبة لا تفسير منطقيًّا لها.

ليس لأنك ظلمتهم، ولا لأنك أسأت إليهم، بل لأن القلوب حين تمرض، تصبح عاجزة عن رؤية النور في الآخرين دون أن تتألم.

والحسد — في كثيرٍ من الأحيان — ليس اعتراضًا على ما عندك أنت، بل هو سخطٌ دفين داخل النفس نفسها.

ولهذا قد تحتار طويلًا وأنت تسأل:

بماذا أخطأت؟

وأين أسأت؟

ولماذا كل هذا الجفاء أو الضيق أو الحقد؟

ثم تكتشف بعد رحلةٍ طويلة من التأمل أن بعض المشاعر لا تُفسَّر بالعقل، لأن مصدرها ليس المواقف، بل الطباع والقلوب.

ولعل أصعب ما يمر به الإنسان أن يُبتلى بمن يعرف تفاصيله، ويعلم صدق نيّته، ثم يختار رغم ذلك أن يحمل له غِلًّا لا يستند إلى سببٍ حقيقي.

لكن النضج الحقيقي ألا تتحول بسبب ذلك إلى نسخةٍ قاسية من العالم، وألا تجعل خيبة البعض تُفسد صفاءك أو تُطفئ إنسانيتك.

فليس كل الناس سواء، وليس كل القلوب أوعيةً صالحة لحفظ المعروف.

ولهذا يبقى أكرم ما يفعله الإنسان أن يستمر نقيَّ القلب، كريم الخُلُق، حتى وإن اكتشف أن بعض النفوس لا ترى في البياض إلا ما يزعج عتمتها.

الحب احترام


دكتور محمد الشافعي 

في حياة كل إنسان، يمرّ طيفٌ يسمّى الحبّ الأوّل، يترك في القلب أثراً لا يُمحى مهما توالت السنون وتبدّلت الوجوه. يظنّ كثيرون أنه ذروة المشاعر وغاية الوجود، لكنّ الحقيقة أبعد وأعمق من تلك الصورة التي رسمتها الأغاني، وزيّنتها الأفلام، وجعلتها كأنها الفردوس المفقود أو الخلاص المنتظر. أنا لا أؤمن بذلك الحبّ الذي يُقدَّم في قالب من الوجد والهيام، ولا بتلك المشاعر المتقلّبة التي تتبدّد مع أول اختبار حقيقي للحياة.

 فالحبّ عندي ليس دمعة في أغنية، ولا وعداً عند الغروب، بل هو معنى متين، قوامه الاحترام ثم الاحترام ثم الثقة وجبر الخاطر. الاحترام هو حجر الأساس، فمن دونه يصبح القرب عبئاً لا يُطاق، وتتحوّل الكلمات إلى جراح. والثقة هي الهواء الذي تتنفّسه العلاقة، من غاب عنه اختنق، ومن فقده ضلّ طريقه في متاهات الشكّ والظنون. أما جبر الخاطر فهو تاج المشاعر النبيلة، لأن من يجبرك لا يملك قلباً عادياً، بل روحاً تُدرك قيمة الألم وتقدّر وجع الإنسان. 

ذلك هو الحبّ الذي أفهمه وأؤمن به؛ حبّ لا يضيع مع تغيّر الملامح، ولا يتلاشى مع خفوت اللهفة، لأنه يقوم على جوهرٍ لا يشيخ، ومعانٍ لا يغيّرها الزمن. 

فكم من حبٍّ أولٍ كان سراباً، وكم من علاقةٍ متأخرةٍ كانت أصدق وأنبل، لأنها بُنيت على أساسٍ من الوعي والنُبل والكرامة. 

إن الحبّ في جوهره ليس حكايةً تُروى، بل سلوكٌ يُعاش، وطمأنينةٌ تُمنح، وكلمةُ طيبة تُعيد للقلب توازنه. ومن فهم هذا المعنى، أدرك أن أسمى درجات الحبّ ليست في اللهفة، بل في الأمان.

سكينة النفس في عزلة التأمل

 


دكتور محمد الشافعي 

ليس كل ابتعادٍ عن الناس هروبًا، ولا كل صمتٍ وحشةً وفراغًا، فثمة أرواح تجد في العزلة حياةً أخرى، أكثر صفاءً وصدقًا وامتلاءً. هناك من يأنس بالضجيج وكثرة الوجوه، وهناك من لا يجد ذاته الحقيقية إلا حين يغلق أبواب العالم من حوله، ويجلس منفردًا في حضرة نفسه، يُصغي إلى ما يعتمل في داخله من أفكار، وما يختبئ في أعماقه من مشاعر وتساؤلات.

إن الجلوس وحيدًا في جوٍّ يملؤه السكون ليس انقطاعًا عن الحياة، بل هو في كثير من الأحيان اقترابٌ منها بصورةٍ أعمق. ففي الصمت تتجلى المعاني التي يبددها الضجيج، وفي الهدوء تنكشف للإنسان حقائق نفسه التي طالما غطّتها صخب الأيام وتعقيدات العلاقات. وما أجمل أن يصبح السكوت سكنًا، لا كآبةً، وأن يتحول الهدوء إلى زادٍ روحي يغذي الفكر ويهذب الوجدان.

وفي تلك اللحظات الهادئة يبدأ الإنسان رحلته مع ذاته؛ رحلةً لا تخلو من الحوار والاختلاف، ولا تنقصها المصارحة والمراجعة. فيناقش نفسه حينًا، ويعاتبها حينًا آخر، وقد يختلف معها في تفسير موقف أو تأويل فكرة، لكنه لا يلبث أن يعود إليها، لأنها موطنه الداخلي الذي لا يستطيع الفكاك منه. فالنفس، مهما أثقلتها الصراعات، تبقى أقرب الكائنات إلى صاحبها، وأصدقها كشفًا لعيوبه ومحاسنه.

غير أن هذا الصراع الداخلي ليس صراعًا هدامًا، ولا تمردًا على القيم والمبادئ، بل هو لونٌ من ألوان التهذيب والمراجعة والتقويم. إنه حوار تحكمه الشريعة، وتؤطره الأفكار النبيلة، وتسعى من خلاله النفس إلى بلوغ قدرٍ أعلى من الفهم والنضج والاتزان. فالاختلاف مع الذات لا يعني العداء لها، بل قد يكون سبيلًا إلى فهمها فهمًا أعمق، وإلى الوصول معها إلى حالة من التصالح الواعي.

ولعل أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر هو أن يفقد قدرته على الجلوس مع نفسه. فكثيرون يهربون من الصمت لأنهم يخشون مواجهة ذواتهم، ويغرقون في الضجيج حتى لا يسمعوا صوت أفكارهم الحقيقية. أما من اعتاد التأمل والخلوة الهادئة، فإنه يمتلك فرصة نادرة لإعادة ترتيب روحه، وتنقية أفكاره، واستخلاص الحكمة من تجاربه وخبراته.

إن العزلة الواعية ليست انطفاءً عن العالم، بل استراحة محارب يعود منها الإنسان أكثر صفاءً واتزانًا وقدرةً على الفهم والعطاء. ففي لحظات السكون قد يولد رأيٌ ناضج، أو فكرةٌ عميقة، أو نصٌّ يحمل من الصدق ما لا تمنحه الكلمات المولودة وسط الضجيج.

وهكذا يبقى الهدوء ملاذًا للأرواح المتعبة، وتظل النفس — مهما اختلفنا معها — الرفيقَ الذي لا يغادرنا، نخاصمها قليلًا ثم نعود إليها طويلًا، لأنها مرآتنا الوحيدة التي لا تكذب، ووطننا الداخلي الذي نسكن إليه كلما أرهقتنا الحياة.

وجوهٌ سكنتني

 



دكتور محمد الشافعي 

حين أخلو إلى نفسي، وأُسدل ستار الصخب عن العالم، وأترك للذاكرة أن تفتح دفاترها القديمة، أجدني أسير في ممرٍّ طويل تتعاقب فيه الوجوه والسنوات، كأنني أُشاهد شريطًا ممتدًا لحياة رجلٍ واحد… لكنه في الحقيقة كان رجالًا كثيرين.

أتذكر الطفل الصغير الذي كان ينظر إلى الدنيا بعينٍ ممتلئة بالدهشة، ويجري خلف أحلامه البريئة دون أن يعرف شيئًا عن قسوة الطرق أو تقلُّب القلوب. ثم أرى الفتى الذي اندفع إلى ميادين الرياضة منذ العاشرة من عمره، يحمل الحماسة في عروقه، ويؤمن أن الإرادة وحدها قادرة على صنع المجد. كان جسده يركض في الملاعب، لكن روحه كانت تركض نحو إثبات الذات، ونحو اكتشاف ذلك العالم الرحب الذي ينتظر الإنسان خارج حدود الطفولة.

ثم تأتي مرحلة الجامعة… تلك المرحلة التي لا تزال تفاصيلها حيّة في الذاكرة، كأن الزمن عجز عن محوها. الوجوه، القاعات، الكتب، النقاشات، الضحكات، الطموحات، البدايات الأولى للنضج الفكري والإنساني… كلها ما زالت تتحرك داخلي كأنها حدثت بالأمس. هناك تشكّل وعيٌ جديد، وبدأت الشخصية تكتسب عمقًا آخر، أكثر اتزانًا وأكثر احتكاكًا بالحياة.

ثم جاء التخرج، والعمل، والبدايات الشاقة في طريق العلم؛ معيدًا يحمل بين يديه أحلام المستقبل، ثم باحثًا يطارد المعرفة بين سطور الماجستير والدكتوراه، حتى صار العمر سلسلة طويلة من التجارب والخبرات والانتصارات والانكسارات الصامتة.

لكن الأمر الذي يثير دهشتي كلما استعدت تلك الرحلة، أن كل من عاش هذه المراحل كان يحمل الاسم ذاته: محمد الشافعي… ومع ذلك لم يكن الشخص نفسه تمامًا.

فكل مرحلة كانت تُنبت داخل الإنسان روحًا جديدة، وملامح مختلفة، وطرائق أخرى في النظر إلى الحياة. نعم، هناك خيط خفيّ يصل بين الجميع، وكأن الشخصيات المتعاقبة كانت تُكمل بعضها بعضًا، وتُهذّب ما سبقها، وتبني فوقه طبقة جديدة من الفهم والخبرة، لكن الحقيقة المؤكدة أن الإنسان لا يبقى كما هو أبدًا.

تمر السنوات، فتتغير الأحلام، وتتبدل ردود الأفعال، وتتساقط أشياء كنا نظنها جزءًا أصيلًا من أرواحنا. بعض التحولات يكون نضجًا محمودًا، وبعضها يكون تعبًا متراكمًا، وبعضها الآخر يشبه انسحابًا هادئًا من ضجيج العالم.

واليوم، وأنا على أعتاب الستين، أنظر إلى نفسي فأجد شخصية لم أكن أتوقع يومًا أن أصل إليها. شخصية أقل اندفاعًا، وأكثر صمتًا، وأكثر ميلًا إلى العزلة والتأمل. شخصية تقف وكأنها على حافة جبل مرتفع، تُحدق في هذا العالم المشوش بإرهاقٍ عميق، لا رغبة لها في الصخب، ولا قدرة لها على الاحتمال كما كانت من قبل.

ولست أنكر أنني أحببت كثيرًا من الشخصيات التي سكنتني عبر العمر، خاصة تلك التي عاشت من الطفولة حتى نهاية الماجستير؛ كانت أكثر امتلاءً بالحياة، وأكثر تصالحًا مع الناس والأحلام. أما هذه الشخصية المتأخرة، فأنا أتقبلها على مضض، لا لأنني أكرهها، بل لأنني أشعر أنها وُلدت من كثرة ما رأت، وكثرة ما احتملت، وكثرة ما خاب ظنها في أشياء كانت تؤمن بها يومًا.

لقد أحببت كثيرين في حياتي، وأحبني كثيرون، وحملت الود الصادق لقلوب عديدة. لكنني في الوقت نفسه تأذيت من تصرفات أناسٍ ظننتهم أقرب من الأذى، فاكتشفت أن الإنسان كلما تقدّم به العمر، صار أكثر حساسية تجاه الزيف، وأكثر ميلًا إلى الانسحاب من العلاقات المرهقة.

وربما لهذا السبب يصبح الإنسان في مراحله الأخيرة أكثر هدوءًا، لا لأنه فقد المشاعر، بل لأنه أدرك أن روحه لم تعد تحتمل الضجيج ذاته، ولا الخيبات ذاتها.

إن العمر لا يغيّر ملامح الوجه فقط، بل يعيد تشكيل الروح من الداخل. وكل مرحلة نعيشها تترك بصمتها علينا، حتى نصبح في النهاية مجموعة من النسخ المتراكمة داخل إنسان واحد؛ طفلًا لم يمت، وشابًا لم يختفِ، ورجلًا أتعبته الحياة، وحكيمًا ينظر إلى الدنيا بعينٍ أكثر عمقًا وأقل اندهاشًا.

وهكذا نمضي… لا كشخصٍ واحد ثابت، بل كحياة كاملة من الشخصيات التي تسكن اسمًا واحدًا وقلبًا واحدًا.

2026-05-22

ثقة لا تعود

 

دكتور محمد الشافعي 

هناك فرقٌ كبير بين التسامح والثقة، فالتسامح خُلُقٌ نبيل يدل على صفاء النفس ورقيّ الروح، أما الثقة فهي قرارٌ يُبنى على الأمان والتجربة والمواقف. لذلك كان من علامات النضج أن يعفو الإنسان عمّن أساء إليه، لأن البقاء أسيرًا للأحقاد يستنزف القلب ويُثقِل الروح ويُفسد على الإنسان سلامه الداخلي. فالعاقل لا يحمل في صدره نار الكراهية طويلًا، ولا يسمح لجراح الماضي أن تتحكم في حاضره ومستقبله.

غير أن التسامح لا يعني السذاجة، ولا يقتضي أن نُعيد فتح الأبواب ذاتها لمن أثبتت الأيام سوء نيّته أو ضعف أخلاقه. فبعض الناس إذا مُنحوا فرصة جديدة أعادوا الأذى بصورة أشد، لأن المشكلة لم تكن في الظروف، بل في الطباع ذاتها. ومن الحكمة أن يتعلم الإنسان من تجاربه، وأن يدرك أن القلب الطيب لا ينبغي أن يكون فريسةً دائمة لمن لا يُقدّر الوفاء ولا يحترم المشاعر.

إن الثقة ليست كلمة تُقال، بل بناءٌ طويل تشيده المواقف الصادقة، فإذا انهار مرةً بفعل الخيانة أو الغدر، فقد لا يعود كما كان أبدًا. ولهذا فإن الإنسان الناضج قد يسامح حفاظًا على نقاء قلبه، لكنه في الوقت نفسه يضع حدودًا تحفظ كرامته وتصون راحته النفسية. فهو لا ينتقم، ولا يحمل الضغينة، لكنه أيضًا لا يمنح الأمان بسهولة لمن أضاعه بيده.

وقد علمتنا الحياة أن بعض العلاقات يكفيها العفو دون عودة، وأن بعض الأشخاص يمكن أن نغفر لهم، لكن لا يمكن أن نأتمنهم مرة أخرى. فليس كل من اعتذر تغيّر، وليس كل من بكى ندم، فالناس تُعرف بحقائق أفعالها لا بحلاوة كلماتها.

وفي النهاية، يبقى التسامح انتصارًا للنفس الراقية، بينما تبقى الحيطة دليلًا على الحكمة. فالإنسان الواعي لا يعيش بقلبٍ قاسٍ يرفض العفو، ولا بعقلٍ غافل يكرر الأخطاء ذاتها، بل يوازن بين الرحمة والعقل، وبين صفاء القلب وحفظ الكرامة.

حديث الليل مع الله


 

دكتور محمد العوادي 

في زحام الحياة، وبين ضجيج الأيام وتقلبات البشر، يبقى للعبد بابٌ لا يُغلق، ومأوى لا يخيب، وركنٌ هادئ يأوي إليه القلب إذا أثقلته الدنيا وأرهقته الهموم. ذلك الباب هو باب الله، وذلك اللقاء الخفيّ في جوف الليل هو من أعظم ما يُرزق به الإنسان من نفحات الرحمة والسكينة.

إن مخاطبة الله في الخفاء ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي حالة من الصفاء الروحي، يشعر فيها المرء أنه يتجرد من أثقال الدنيا كلها، فلا يبقى بينه وبين خالقه إلا قلب منكسر، وروح ترجوه، وعين ربما أثقلها الدمع من شدة الرجاء. وفي تلك اللحظات الصامتة، يولد في القلب يقينٌ عجيب بأن الله يسمع، ويرى، ويعلم ما تُخفيه الصدور قبل أن تنطق به الألسنة.

وليس الليل وقتًا عابرًا في حياة المؤمن، بل هو زمن الصفاء والصدق، حين تهدأ الأصوات وتغفو العيون، فيبقى الصادقون وحدهم يناجون ربهم في سكون عظيم. لذلك كان الحنين إلى الله بعد منتصف الليل عادة العارفين، لأن القلب في تلك الساعة يكون أبعد عن الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، وأكثر استعدادًا للبكاء والتضرع والاعتراف بالتقصير.

ومن أعظم العطايا أن يرزق الله العبد قلبًا يستحي أن يمر الليل دون صلاة أو دعاء أو سجدة خفية لا يعلم بها أحد. فالقيام ليس مجرد عبادة تؤدى، بل هو دليل حياة القلب، وعلامة شوق الروح إلى خالقها. وما أجمل أن يشعر الإنسان أن له موعدًا ثابتًا مع الله، يفرّ إليه كلما ضاقت به الأرض أو أثقلته متاعب الحياة.

وفي الليل سرّ لا يعرفه إلا من ذاقه؛ سكينة تتسلل إلى النفس، وطمأنينة تغمر القلب، ورحمة يشعر معها الإنسان أن الله قريب منه، يسمع نجواه، ويجبر كسره، ويمسح عن روحه تعب الأيام. لذلك كان أهل القرب من الله يحرصون على نصيبهم من الليل كما يحرص العطشان على الماء، لأنهم أدركوا أن الأرواح لا تحيا حقًا إلا بالقرب من خالقها.

فاجعل لنفسك لحظة خالصة في الليل، ولو قصيرة، تناجي فيها الله بعيدًا عن أعين الناس وضوضاء الدنيا. فربّ سجدة في ظلمة الليل غيّرت حياة إنسان، وربّ دعوة خرجت من قلب صادق فتحت أبواب الرحمة والفرج، وربّ دمعة خفية كانت سببًا في راحة قلب طال تعبه.

إن الليل ليس ظلامًا كما يراه الناس، بل قد يكون نورًا للقلوب التي عرفت طريقها إلى الله.

النفوس لا تتغير


دكتور محمد الشافعي 

في حياة الناس حقائق لا تتبدل مهما تغيّرت الوجوه وتزيّنت الكلمات، فالأصل يبقى ظاهرًا في السلوك، والطبع يفضح صاحبه ولو حاول الاحتماء خلف ألف قناع. ولهذا قال الحكماء قديمًا: «هيهات تجني سكرًا من حنظل»، لأن الأشياء تعود دائمًا إلى جوهرها، كما يعود الماء إلى منبعه، وكما تكشف الأيام معادن البشر على حقيقتها دون رتوش أو ادعاءات.

فالإنسان قد ينجح أحيانًا في تجميل صورته أمام الآخرين، وقد يتقن فنون الحديث والمجاملة، لكن الطباع الراسخة لا تلبث أن تظهر عند أول اختبار حقيقي. فمن تربّى على الصدق تجده صادقًا حتى في غياب الرقيب، ومن امتلأ قلبه بالنقاء يفيض خيره على من حوله دون تكلّف، أما صاحب النفس السيئة فإن سوء طبعه يتسرّب من كلماته وتصرفاته مهما حاول التظاهر بالأدب أو المثالية.

ولهذا قيل: «إذا كان الطباع طباع سوءٍ فلا أدب يفيد ولا أديب». فالأدب الحقيقي ليس كلمات منمّقة تُقال، بل أخلاق مستقرة في النفس تظهر في المواقف الصعبة قبل السهلة. كم من إنسان يحمل شهادات وثقافات واسعة لكنه يفتقر إلى الرحمة والوفاء والصدق، وكم من بسيطٍ في تعليمه لكنه كريم النفس، طيب القلب، يترك أثرًا طيبًا في كل من يقترب منه. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يدّعيه، بل فيما يفعله حين تتعرّى المجاملات وتسقط الأقنعة.

والمرء في النهاية يُعرف بين الناس بفعله لا بمظهره، وبأثره لا بصوته المرتفع. فالأخلاق هي السيرة التي تسبق صاحبها، وهي الإرث الذي يبقى بعد غيابه. الإنسان الكريم تظهر كرامته في تسامحه، وفي وفائه، وفي حفظه لحقوق الآخرين، أما صاحب النفس الدنيئة فمهما تظاهر بالرقي تكشفه المواقف الصغيرة قبل الكبيرة.

إن الزمن كفيل بأن يكشف النفوس، وأن يضع كل إنسان في مكانه الحقيقي، لذلك كان من الحكمة ألا ننخدع بالمظاهر أو بالكلمات العابرة، بل ننظر إلى الأفعال والمواقف؛ فهناك فقط تظهر الحقيقة كاملة، وهناك فقط نعرف معدن الإنسان وأصله.

2026-05-21

من هو المحظوظ


 

**من هو المحظوظ ؟؟؟*


يتكلم الناس ان فلان حظه طيب .

- عنده بيت

- عنده سيارة

- عنده وظيفة

- عنده زوجة

- عنده أولاد

- صاحب منصب

- عنده علاقات قوية

- عنده واسطة .


هذه كلها حظوظ ، ولكنها من حظوظ الدنيا ولا حسد فيها .


 *المحظوظ*

 الذي يعلم أن من قرأ الآيتين الاخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه، ويقرأها .


 *المحظوظ*

الذي يعلم أن من قرأ اية الكرسي بعد كل صلاة لا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ..ويقرأها .


 *المحظوظ*

 الذي يعلم أن من قرأ آية الكرسي عند النوم لا يزال عليه حافظ من الله حتى يصبح ولا يقربنَّه شيطان .. ويقرأها ..


*المحظوظ*

الذي يعلم أن قراءة سورة الاخلاص 3 مرات تعدل ختم القران الكريم ويقرأها ..


 *المحظوظ*

 الذي يعلم أن من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة(حسنة) ويقول ذلك .. 


 *المحظوظ*

الذي يعلم أن قول :

سبحان الله

والحمد لله

ولا إله إلا الله

و الله أكبر .

خير مما طلعت عليه الشمس ويقول ذلك .


  *المحظوظ*

 الذي يعلم أن قول :

لاإله الا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيءقدير ،

 عشر مرات بعد صلاة المغرب

وعشر مرات بعد صلاة الفجر

قبل أن يغير جلسته ، تعدل عتق 4 رقاب من ولد اسماعيل عليه السلام ويقول ذلك .


 *المحظوظ*

 الذي يعلم أن من قال حين يسمع النداء :

اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ..

تحل له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ..

 ويقولها


   *المحظوظ*

 الذي يعلم أن اليوم والليلة 24 ساعة؟ ويستطيع أن يقرأ جزء من القرآن

وهو لا يستغرق 20 دقيقة تقريبا .


   *المحظوظ*

الذي يعلم أن وقت الضحى يقارب ( 6 ) ساعات ، ويستطيع أن يصلي فيها ركعتي الضحى وهي لا تستغرق ( 5 ) دقائق

 و صدقة عن ( 360 ) عضواً في جسده !


   *المحظوظ*

 الذي يعلم أن الليل مايقارب ( 11 ) ساعة

 وهو يستطيع أن يصلي الوتر ركعة واحدة

ربما لا تستغرق ( 3 ) دقائق تقريباً !


  *المحظوظ*

 الذي يعلم من قال :

سبحان الله وبحمده 100 مرة

تُغفر ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر 

ويقول ذلك!!


   *المحظوظ*

 حقا هو من يعلم أن الدال على الخير كفاعله ..فيدل الناس ع الطاعة

جَزىْ اللَّه خَيِراً مْن قَرأَهَا وَنَشَرَهَا فَنشّرُ العِلمِ مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَات🤲🏻🤍.. .