دكتور محمد الشافعي
في زحام الحياة الحديثة، تتعدد المشاغل وتتراكم الأعباء فوق كاهل الإنسان حتى يكاد ينسى ذاته وسط دوامة العمل ومتطلبات المعيشة اليومية. وبينما ينشغل بعض الناس بأداء واجباتهم ومسؤولياتهم، ينصرف آخرون بكل مشاعرهم وطاقاتهم إلى عوالم أخرى يرون فيها متنفسًا من قسوة الواقع وضغط الأيام.
فبينما كنت جالسًا في مكتبي أتابع عملي في إعداد وإرسال ملفات رصد درجات الميدتيرم والأعمال الفصلية والشفوي، كان السكون يملأ المكان فيمنح العقل صفاءً يساعد على التركيز والإنجاز. ذلك الهدوء الذي يحتاجه الإنسان حين يؤدي عملًا يتطلب الدقة والانتباه. وفجأة اخترق هذا السكون ضجيجٌ مرتفع، أثار دهشتي ودفعني إلى القيام لاستكشاف ما حدث، فإذا بكل هذا الصخب لم يكن إلا احتفالًا بإحراز أحد فرق كرة القدم هدفًا في مباراة.
فتحت الميديا لأفهم ما الذي يجري، فعلمت أن هذا اليوم هو ختام مباريات الدوري المصري، ثم فتحت التلفاز لأجد ثلاث مباريات تُبث في وقت واحد، وجموعًا غفيرة من المشجعين تتابع بانفعال شديد، وكأن مصائرهم الشخصية معلقة بنتائج تلك المباريات.
وهنا وقفت متعجبًا أتأمل هذا المشهد الإنساني الغريب؛ كيف يستطيع هؤلاء أن يبلغوا هذا القدر من الصفاء أو الانفصال المؤقت عن همومهم؟ كيف ينسى الإنسان فواتيره، وضغوط معيشته، ومتاعب يومه، ثم يذوب بكامل وجدانه في مباراة كرة قدم؟ بل كيف يبلغ الأمر ببعضهم أن يحزن لهزيمة فريقه أكثر من حزنه على أوضاعه الحياتية وتعثراته الحقيقية؟
إنها ظاهرة تستحق التأمل؛ فالتشجيع عند كثير من الناس لم يعد مجرد متابعة رياضية عابرة، بل تحول إلى حالة وجدانية كاملة يعيشها الإنسان بعقله وقلبه وأعصابه. وربما يجد البعض في تلك المباريات مهربًا مؤقتًا من قسوة الواقع، أو وسيلة لتفريغ مشاعر مكبوتة لا يجد لها متنفسًا آخر. غير أن المبالغة في التعلق بأي شيء حتى يطغى على وعي الإنسان بحياته وأولوياته، تجعل الأمر أقرب إلى الانشغال الوهمي الذي يستهلك المشاعر دون أن يغير شيئًا من حقائق الواقع.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن بعض الناس يمنحون الفرق واللاعبين من الحزن والفرح والانفعال ما لا يمنحونه لأنفسهم أو لأسرهم أو لقضاياهم الحقيقية. فتراه يغضب غضبًا شديدًا لهزيمة فريق، بينما يعتاد بصمت على ضغوط حياته وأوجاع أيامه دون محاولة جادة لتغييرها أو مواجهتها.
ولست أكتب هذا ازدراءً للرياضة أو انتقاصًا من حق الناس في الترفيه، فالرياضة في أصلها نشاط جميل يحمل المتعة والحماس، لكن العجيب حقًا هو هذا التعلق المفرط الذي يجعل بعض البشر يعيشون لأجل نتائج لا يملكون من أمرها شيئًا، وكأن انتصار فريق أو هزيمته قضية وجودية تمس كرامتهم الشخصية.
لذلك أحمد الله أن جعلني بعيدًا عن هذا الانغماس العاطفي الجارف، وأن أبقى اهتمامي منصرفًا إلى ما أراه أكثر نفعًا وأقرب إلى العقل والواقع؛ فالإنسان الواعي هو من يعرف كيف يوازن بين الترفيه وبين ألا تتحول مشاعره وطاقته إلى وقود يُستهلك في أمور لا تضيف إلى حياته الحقيقية شيئًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق