دكتور محمد الشافعي
ليست سلامة الإنسان في قوة جسده وحدها، ولا في وفرة ما يملك، ولا في كثرة من يحيطون به، بل إن أعظم السلامة أن يبيت المرء وقلبه هادئ، لا يثقل صدره حقد، ولا تستنزفه الخصومات، ولا تعصف بروحه الفوضى والاضطراب. فالقلب إذا سلم، صلحت نظرة الإنسان إلى الحياة، وخفّت وطأة الأيام مهما اشتدت، وأصبح قادرًا على العبور وسط الزحام دون أن يفقد اتزانه الداخلي.
ولهذا كان الحكيم أكثر الناس إدراكًا لقيمة المسافات النفسية، فهو لا يمنح قربه لكل أحد، ولا يفتح أبواب روحه لكل عابر. يدرك أن الأرواح ليست سواء؛ فمنها ما يمنح الطمأنينة بمجرد حضوره، ومنها ما يترك في النفس تعبًا خفيًا لا يُرى، لكنه يُشعر القلب بثقله مع الأيام. لذلك يتعلم الإنسان الناضج أن يقترب بوعي، وأن يبتعد دون ضجيج، وأن يحفظ ما بقي في داخله من صفاء قبل أن تستهلكه العلاقات المؤذية والمشاعر المستنزفة.
وليس الابتعاد دائمًا قسوة، كما أن الصمت ليس ضعفًا. أحيانًا يكون الصمت حكمة تقي الإنسان شر الجدال العقيم، ويكون الابتعاد نجاة من دوائر لا تنتج إلا الألم والتوتر. فكم من علاقة أرهقت القلب حتى إذا ابتعد عنها صاحبها عاد إليه شيء من سكينته التي فقدها طويلًا. وبعض العزلة ليست هروبًا من الناس، بل عودة صادقة إلى النفس، وترميمًا لما تصدّع في الداخل بسبب صخب الحياة وتقلبات البشر.
إن الإنسان لا يستطيع أن يمنع الأذى كله، لكنه يستطيع أن يختار كيف يحمي روحه منه. يستطيع أن يغلق الأبواب التي يدخل منها القلق، وأن يتخفف من كل ما يرهق قلبه بلا ضرورة، وأن يمنح نفسه حق الراحة النفسية دون شعور بالذنب. فالحياة أقصر من أن تُهدر في مطاردة رضا الجميع، وأثمن من أن تُستنزف في معارك لا تنتهي.
ويبقى الدعاء من أعظم أبواب الطمأنينة، فهو الملاذ الذي يعود إليه القلب كلما أثقلته الدنيا. حين يرفع الإنسان يديه إلى الله، يشعر أن هناك سكينة خفية تتسلل إلى روحه، وأن ما يعجز عن إصلاحه البشر يصلحه الله بلطفه ورحمته. فالدعاء ليس كلمات تُقال فحسب، بل هو راحة داخلية، واستسلام مطمئن لقدرة الله، ويقين بأن بعد العسر سعة، وبعد الضيق فرجًا.
إن سلامة القلب نعمة لا تُشترى، وراحة لا تُقاس بالمظاهر. ومن عرف كيف يحفظ قلبه من الضجيج، ويختار لمن يمنحه قربه، ويجعل بينه وبين الأذى مسافة من الحكمة، فقد امتلك بابًا عظيمًا من أبواب السكينة والنجاة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق