دكتور محمد الشافعي
التعافي من الذكريات ليس أمرًا يسيرًا كما يظن البعض، فبعض الذكريات لا تمرّ على القلب مرور العابرين، بل تترك أثرًا عميقًا يمتد لسنوات طويلة. هناك مواقف تنتهي في ظاهرها، لكنها تبقى كامنة في الداخل، تستيقظ فجأة مع كلمة، أو مكان، أو صورة، أو حتى مع لحظة صمت عابرة. والإنسان بطبيعته لا ينسى بسهولة ما مسّ روحه بصدق، سواء كان فرحًا عظيمًا أو ألمًا قاسيًا.
غير أن التوقف عند الماضي يستهلك العمر ويستنزف النفس، فالذكريات حين تتحول إلى إقامة دائمة داخل القلب تمنع الإنسان من رؤية الحاضر، وتجعله أسيرًا لأيام انتهت ولن تعود. ومن هنا تأتي أهمية التعافي؛ لا بمعنى النسيان الكامل، فبعض الأشياء لا تُنسى، وإنما بمعنى التقبّل الهادئ، والقدرة على العبور دون انكسار دائم.
إن التعافي الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن الحياة لا تتوقف عند محطة واحدة، مهما كانت مؤلمة أو جميلة. فالعاقل لا ينكر مشاعره، لكنه أيضًا لا يسمح لها بأن تهدم مستقبله. يتألم، نعم، ويحزن، وربما يطول به الطريق، لكنه في النهاية يفهم أن الاستمرار ضرورة، وأن النفس تحتاج إلى السلام أكثر مما تحتاج إلى اجترار الأحزان.
ولعل من أجمل صور النضج الإنساني أن يتعلم المرء كيف يضع الذكريات في مكانها الصحيح؛ يتذكر دون أن ينهار، ويحنّ دون أن يعود إلى دائرة الألم، ويستفيد من التجربة دون أن يجعلها سجنًا دائمًا لروحه. فبعض الذكريات خُلقت لتكون درسًا، لا وطنًا نقيم فيه إلى الأبد.
إن الإنسان الذي يتعافى لا يصبح قاسيًا كما يظن البعض، بل يصبح أكثر فهمًا للحياة، وأكثر حرصًا على راحته النفسية، وأكثر قدرة على اختيار ما يستحق أن يبقى في قلبه. فالحياة تمضي، والزمن لا ينتظر أحدًا، ومن الحكمة أن نمضي نحن أيضًا، بخطوات هادئة، وقلوب أكثر اتزانًا، نحو أيام جديدة تستحق أن تُعاش.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق