2026-05-27

ما وراء الهتاف

 


دكتور محمد العوادي 

ليست مشكلتي مع كرة القدم كلعبة في ذاتها، ولا مع إنسان يشاهد مباراة على سبيل التسلية العابرة، فالتسلية المباحة أمر عرفه الناس منذ القدم، ولكن مشكلتي الحقيقية مع ذلك التضخيم المبالغ فيه، ومع تلك المنظومة الهائلة التي نجحت في تحويل لعبة بسيطة إلى محور حياة، وإلى قضية تشغل العقول وتستهلك الأعصاب والأوقات والمشاعر.

ولهذا فأنا شخصيًا لا أشاهد كرة القدم، بل لا أطيق رؤيتها ولو لثوانٍ معدودة، ولست مشجعًا لأي فريق، ولا حتى لما يسمى المنتخب القومي، لأن الفكرة في نظري واحدة، والمنظومة واحدة، والأسلوب واحد؛ صناعة جمهور غفير يفكر بعقل الجمع، ويذوب فيه الإنسان كفرد مستقل، حتى يتحول إلى مجرد رقم داخل كتلة بشرية هائلة تهتف وتصرخ وتغضب وتفرح في سبيل ما يسمونه “الانتصار”.

وتأمل جيدًا لفظ “الانتصار” ذاته.

فالانتصار الحقيقي لا يكون إلا في قضية حق، أو في معركة دفاع عن وطن، أو في موقف أخلاقي نبيل، أو في صراع يفرق فيه الإنسان بين حق وباطل. أما مباراة كرة القدم، فهي في حقيقتها مجرد لعبة ترفيهية، لا أكثر. لا تحمل قضية مصيرية، ولا تقدم نفعًا حقيقيًا للمشاهد، ولا تغير واقع أمة، ولا تبني علمًا، ولا تطور فكرًا، ولا ترفع مستوى أخلاق.

هي بالنسبة للمشاهد مجرد وسيلة تسلية، وبالنسبة للاعبين والإداريين وأصحاب المصالح وسيلة كسب وأموال وشهرة واستثمارات ضخمة.

أما تلك الفئة التي تطلق على نفسها لقب “نقاد” أو “إعلاميين رياضيين”، فأنا أراها في كثير من الأحيان مجرد فئة تعيش على تفاصيل المباريات وأخبار اللاعبين والانتقالات والإثارة المصطنعة، تدور في دائرة لا تنتهي من الكلام المتكرر الذي لا يقدم للإنسان قيمة حقيقية في حياته أو فكره أو مستقبله. حديث طويل يمتد بالساعات كل يوم، ثم لا يخرج الإنسان منه بشيء سوى مزيد من الاستهلاك العقلي والضجيج الذهني.

والأعجب أن جماهير غفيرة تتابع كل ذلك بشغف شديد، تلاحق الأخبار، وتنتظر التصريحات، وتدخل في جدالات وصراعات وانفعالات بسبب أمور لا تمس حياتها الواقعية من قريب أو بعيد.

ثم تأتي فئة المعلقين.

وأنا حقًا لا أفهم كيف يطيق الناس ذلك السيل المتواصل من الكلام.

فالمعلق في النهاية شخص يمتلك صوتًا جهوريًا، وقدرة على الاسترسال السريع، والرغبة الدائمة في ملء أذن المشاهد بالكلام دون توقف. والمفترض أن مهمته الأساسية هي وصف ما يحدث داخل الملعب، لكنه كثيرًا ما يأخذ المشاهد بعيدًا عن المباراة نفسها، فيبدأ في سرد تاريخ اللاعبين، وعدد المواجهات السابقة، ومن فاز ومن خسر، وحكايات لا تنتهي، بصوت مرتفع وإيقاع سريع وكأن الصمت جريمة يجب الفرار منها.

وأنا بطبيعتي لا أطيق الضجيج، ولا أحب السرعة المبالغ فيها في الحديث، ولا أرتاح لذلك الصوت الحنجوري المستمر الذي لا يمنح العقل فرصة للتأمل أو الهدوء، ولذلك أتعجب كيف يسمح الناس لآذانهم وعقولهم بأن تمتلئ بهذا القدر من اللغو المتواصل لساعات طويلة.

ثم هناك ما يسمونه “الاستوديو التحليلي” قبل المباراة وبعدها.

ورغم أنني لا أشاهده أصلًا، إلا أنني أستطيع بسهولة أن أتوقع مضمونه؛ ساعات من الكلام والانفعالات والآراء والتوقعات والجدل، في حين أن المباراة نفسها انتهت، وما حدث قد حدث بالفعل. بل إن كثيرًا مما يقال لا تكون له علاقة حقيقية بما جرى داخل الملعب، وإنما هو مجرد صناعة كلام من أجل استمرار البث، واستمرار الجذب، واستمرار الاستهلاك الجماهيري.

وفي النهاية أعود دائمًا إلى الفكرة الأهم في نظري: كرامة الإنسان ووعيه بقيمة عمره.

فالإنسان خُلق لشيء أعظم من أن يهدر ساعات طويلة كل يوم في متابعة ضجيج لا ينفعه، وجدالات لا تضيف إليه، وانفعالات مرتبطة بلعبة لا تقدم له في نهاية الأمر علمًا ولا ثقافة ولا بناءً حقيقيًا للنفس.

ليس المطلوب أن يحرم الإنسان نفسه من الترفيه، ولكن المطلوب أن توضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، وألا تتحول وسيلة التسلية إلى مركز للحياة، أو إلى قضية تشغل القلب والعقل والوقت والمشاعر.

فكرة القدم في النهاية ليست أكثر من لعبة.

لعبة للتسلية…

ولا ينبغي أن تصبح أكثر من ذلك.

ليست هناك تعليقات: