2026-05-14

بين من يحبك… ومن يحتاجك

 


دكتور محمد الشافعي 

ليست كل مشاعر القرب صادقة، ولا كل الكلمات الدافئة دليلًا على المحبة. فهناك فرقٌ عميق بين إنسانٍ يحبك لذاتك، وإنسانٍ يحتاجك لمصلحته. والفرق بينهما لا تكشفه العبارات الرنانة، بل تكشفه المواقف حين تضيق الطرق، وتشتد الأيام، وتتغير الأحوال.

فالإنسان الذي يحبك حقًا، يرى راحتك جزءًا من راحته، ويحزن لألمك كما لو كان ألمه، ويقف إلى جوارك حتى حين لا يربحه وجودك شيئًا. قد يتعب من أجلك، وقد يؤجل رغباته، وربما يضحي ببعض ما يحب حتى لا تنكسر روحك أو تثقل همومك. إنه يمنحك من قلبه قبل يده، ومن صدقه قبل كلامه، ولذلك تشعر معه بالأمان لا بالاستنزاف، وبالطمأنينة لا بالقلق.

أما الإنسان الذي يحتاجك فقط، فإنه يقترب منك ما دمت تحقق له منفعة أو تملأ فراغًا في حياته. يبتسم حين يأخذ، ويتغير حين يُطلب منه العطاء. فإذا تعارضت مصلحته مع راحتك، قد يختارك أنت لتكون الخسارة الأسهل، لأن حاجته لنفسه أكبر من وفائه لك. وهذا النوع من البشر لا يرى العلاقات موطنًا للمودة، بل وسيلة لتحقيق رغباته، فإذا انتهت حاجته، خفت حضوره وتبدلت ملامحه.

ولهذا كان الوعي بالناس ضرورة، لا قسوة. فليس كل من اقترب صديقًا، وليس كل من أظهر الاهتمام يحمل قلبًا وفيًّا. وبعض العلاقات لا يؤذيها البعد بقدر ما يؤذيها الوهم؛ وهم أننا محبوبون، بينما نحن مجرد وسيلة مؤقتة لعبور الآخرين نحو مصالحهم.

إن المحبة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الكلام، بل بصدق المواقف، ولا تُعرف في أوقات الرخاء فقط، بل تظهر بوضوح حين تصبح التضحية مطلوبة. وهناك قلوب نادرة إذا أحبت، احتوت، وصبرت، وحفظت الود حتى في أصعب الظروف. وتلك القلوب هي أثمن ما قد يلقاه الإنسان في رحلة عمره الطويلة.

فاختر من يحبك لروحك، لا من يحتاجك لراحته، لأن الأول قد يضحي من أجلك، أما الثاني فقد يضحي بك من أجل نفسه.

ليست هناك تعليقات: