2026-05-06

أصل الدجاج


دكتور محمد العوادي 

ليس الدجاجُ كائناً عاديًّا كما يبدو للعين المألوفة، بل هو صفحةٌ حيّة من كتابٍ سحيقٍ في تاريخ الأرض؛ كتابٍ تبدأ فصوله في عصورٍ كانت الكائنات فيها تسود البراري بأحجامٍ وهيئاتٍ تثير الدهشة، وتنتهي إلى طائرٍ أليفٍ يألفه الإنسان في يومه وغذائه.

يرجع أصل الدجاج إلى سلالةٍ عريقة من الديناصورات تُعرف علميًّا باسم ثيروبودا، وهي مجموعة من الديناصورات اللاحمة التي كانت تسير على قدمين، وتتميّز بخفة حركتها وبنية أجسامها الرشيقة مقارنة بغيرها من عمالقة تلك الأزمنة. ومن أشهر ممثلي هذه السلالة ذلك الكائن الذي ذاع صيته في الثقافة المعاصرة، فيلوصيرابتور، الذي لم يكن في حقيقته ذلك الوحش الضخم كما صُوِّر، بل كان أقرب في حجمه وهيئته إلى طيورٍ كبيرة، بل ومكسوًّا بريشٍ بدائي.

ومع توالي ملايين السنين، أخذت هذه الكائنات تخضع لتحولاتٍ تدريجية دقيقة، صاغتها قوانين التطور والانتخاب الطبيعي. فبدأ الريش، الذي كان في بدايته وسيلةً للعزل الحراري أو للزينة والتواصل، يكتسب وظائف جديدة، حتى صار أداةً للطيران. وتحوّلت الأطراف الأمامية شيئًا فشيئًا إلى أجنحة، وخفّت العظام لتصبح مجوّفة، فازدادت القدرة على التحليق وخفّة الحركة في الهواء.

وفي مرحلةٍ لاحقة، ظهرت كائنات تُعدّ حلقةً وسيطة بين الديناصورات والطيور، تحمل من كلٍّ سماته؛ لها أسنانٌ وذيولٌ طويلة كالديناصورات، لكنها تمتلك أجنحةً وريشًا كالطيور. ومن هذه الكائنات ما مهّد الطريق لظهور الطيور الحقيقية، التي أخذت تنوّع وتنتشر في البيئات المختلفة بعد انقراض معظم الديناصورات في نهاية العصر الطباشيري.

ومن بين هذا التنوع الكبير، ظهرت سلالةٌ من الطيور الأرضية التي عاشت في البيئات الآسيوية، وكانت أقل ميلاً للطيران وأكثر اعتمادًا على العيش بالقرب من الأرض. هذه السلالة هي التي تطوّرت لاحقًا إلى ما نعرفه اليوم بالدجاج، ولا سيّما من الطائر المعروف علميًّا بـ الدجاج الأحمر البري، الذي ما يزال يعيش في بعض غابات جنوب شرق آسيا، محتفظًا بملامح قريبة من أسلافه الأولى.

ثم جاء دور الإنسان، فدخلت هذه السلالة مرحلةً جديدة من تاريخها، حيث قام بتدجينها منذ آلاف السنين، فاختار منها ما يلائم حاجاته من حيث الحجم والإنتاج والطباع، حتى صار الدجاج أحد أكثر الكائنات انتشارًا على وجه الأرض، بعد أن كان يومًا ما وريثًا لسلالةٍ كانت تحكم اليابسة.

وهكذا، فإن الدجاج الذي نراه اليوم ليس إلا خاتمة فصلٍ طويل من التحولات الكبرى؛ من مخالب ديناصورٍ يجوب البراري، إلى جناحين يرفرفان في فناء بيتٍ بسيط. إنها قصةٌ تختصر قدرة الطبيعة على التبدّل، وتُذكّرنا بأن أبسط الكائنات قد تحمل في أعماقها تاريخًا أعظم مما نتخيل.

ليست هناك تعليقات: