دكتور محمد الشافعي
في صباحٍ مبكرٍ انطلقتُ إلى الكلية، أتهيأ ليوم طويل من أيام الامتحانات الشفوية، حيث كان في انتظاري أربع لجان، من بينها مادتان أقوم بتدريسهما بنفسي. خرجتُ متوكلاً على الله، يحدوني شعور بالمسؤولية الممتزجة بألفة المكان والوجوه التي عشت بينها سنواتٍ طويلة من العطاء والعمل الأكاديمي.
وكان رفيق الرحلة في هذا الصباح صديقي العزيز الدكتور عيد شلبي، ذلك الإنسان النبيل الذي لا يكف عن إحراجي بكرمه النبيل ووفائه الصادق، فهو بحق من الأصدقاء المحببين إلى القلب، ومن أصحاب المواقف الكريمة التي تترك أثرها في النفس قبل الذاكرة. وصلنا معًا إلى الكلية، وكان في استقبال اليوم مشهدٌ ترك في داخلي راحةً عميقة لا أستطيع وصفها.
فأول من وقعت عليه عيناي كانت ابنتي وتلميذتي أميرة غانم، إذ لمحتها واقفة أمام مدرج 3، بينما هي لم تكن قد رأتني بعد. لكن مجرد رؤيتها كان كافيًا لأن يستقر في نفسي شعورٌ بالطمأنينة والسكينة. فـأميرة غانم ليست بالنسبة لي مجرد طالبة، بل هي ابنتي، ومن أقرب الناس إلى قلبي، ومصدر دائم للسعادة والراحة النفسية. هناك بعض الأشخاص الذين يكفي حضورهم كي تهدأ الروح، وكانت هي اليوم واحدة من أعظم أسباب بهجة هذا اليوم.
بدأتُ أولى لجان الامتحان مع زميلي الأقرع اللذيذ، في أجواء يغلب عليها الود وخفة الظل، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الفرقة الأقرب إلى قلبي: الفرقة الثالثة مصري. وما إن بدأت العمل حتى جاءت أميرة غانم لتساعدني، وجلست إلى جواري طوال الوقت. ولا أستطيع أن أصف مقدار سعادتي بحنانها الشديد وحرصها عليّ واهتمامها بكل تفصيلة صغيرة، فقد كانت في غاية الشفقة والود، بصورة تمس القلب قبل العقل.
ومضى الامتحان في هدوءٍ وراحة نفسية واضحة على الجميع، وكان الطلاب في حالة من الطمأنينة والارتياح، فأكرمتهم غاية الإكرام لأنهم بحق يستحقون ذلك، ولأن العلاقة الإنسانية الصادقة بين الأستاذ وطلابه تظل دائمًا جزءًا من جمال العملية التعليمية وروحها الحقيقية.
ثم تابعتُ بقية المقررات واللجان، وبعد انتهاء جانب كبير من العمل جلستُ لبعض الوقت في مكتبي، أستعيد أنفاسي وأتأمل تفاصيل اليوم، قبل أن أقرر العودة إلى المنزل بسيارة الكلية.
ومن المواقف الجميلة التي حملها هذا اليوم أيضًا، دخول أخي وصديقي الحبيب الغالي الأستاذ الدكتور أحمد العربي، عميد الكلية، إلى قاعة الشفوي. وما إن رآني حتى تبادلنا الأحضان في مشهدٍ صادقٍ يعكس سنواتٍ طويلة من الصداقة والمودة. وقد أتعبني بلطفه وعتابه الرقيق بسبب اعتذاري عن العمل بالكنترولات، لكن اللقاء في مجمله كان طيبًا ودافئًا، وأسعدني كثيرًا بما حمله من مشاعر نقية ووفاء قديم.
وباختصار، كان يومًا جميلًا ورائعًا بكل ما حمله من تعبٍ وعمل ولقاءات طيبة، غير أن أروع ما فيه على الإطلاق كان رؤيتي لابنتي أميرة غانم، ذلك الحضور الذي ملأ القلب راحةً، ومنح اليوم كله معنى مختلفًا من السعادة والطمأنينة.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق