2026-05-08

ظلال النفوس


دكتور محمد الشافعي 

ثمة أناس يمرّون في حياتنا مرور العابرين، لا يتركون في الذاكرة سوى ملامح باهتة أو مواقف عابرة، وثمة آخرون يتركون أثرًا لا يُمحى، حتى وإن غابوا عن المشهد أو ابتعدت بيننا وبينهم المسافات. غير أن أخطر ما قد يخلّفه بعض البشر ليس الفعل الظاهر ولا الكلمة المباشرة، بل تلك الخواطر الثقيلة التي يبثّونها في الأرواح، فيتحول القرب منهم إلى عبء نفسي، والحديث معهم إلى استنزاف خفيّ للمشاعر والطمأنينة.

ولهذا كان من حكمة الإنسان أن ينتقي دوائره بعناية، وألا يسمح لكل عابر أن يتسلل إلى أعماقه. فالنفس البشرية تتأثر بما يحيط بها أكثر مما نظن؛ تتشرب القلق من القلقين، واليأس من المتشائمين، والضيق من أصحاب النفوس المعتمة. وقد يكون المرء في هدوء ورضا، ثم يجالس من لا يرى في الحياة إلا العثرات والشكوك، فيخرج من مجلسه مثقل القلب، مشتت الفكر، فاقد الصفاء.

إن بعض الناس لا يؤذونك بأفعالهم المباشرة، بل بطريقة رؤيتهم للأشياء؛ يزرعون الريبة في اليقين، والخوف في الطمأنينة، والتردد في العزم. ومن هنا تأتي الحاجة إلى نوع من “النجاة الداخلية”، نجاة لا تكون بالهروب من البشر جميعًا، وإنما بحماية الروح من التأثر بكل ما يعكر صفوها أو يطفئ نورها.

ولعل من أصدق الأدعية أن يسأل الإنسان ربَّه النجاة من خواطر السوء قبل الوقوع في السوء ذاته، وأن يحفظ قلبه من العدوى النفسية التي تنتقل خفية عبر الكلمات والنظرات والشكوى الدائمة. فكم من إنسان أفسدته الصحبة الكئيبة، وكم من روح ذبلت لأنها جاورت اليأس طويلًا.

إن سلامة القلب نعمة عظيمة، لا تقل قيمة عن سلامة الجسد. والإنسان الحكيم هو من يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يصمت، ومتى يحفظ نفسه من ضجيج الأرواح المضطربة. فليس كل الناس سواء، وليس كل قربٍ راحة، وبعض المسافات رحمة، وبعض العزلة نجاة، وبعض الدعاء باب واسع للسكينة والاتزان.

ليست هناك تعليقات: