2026-05-26

سرّ القبول

 


دكتور محمد الشافعي 

من أعجب ما في العلاقات الإنسانية ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى القلب منذ اللحظة الأولى؛ فترتاح لإنسان دون سبب ظاهر، وتنفر من آخر رغم أنه لم يُبدِ سوءًا، ولم يصدر عنه ما يعكر الصفو أو يوجب الجفاء. إنه ذلك السر الرباني الذي يسمى: القبول.

فالقبول بين الناس ليس أمرًا يُصنع تصنعًا، ولا يُشترى بالمجاملات، ولا يُفرض بالقوة، بل هو رزق من الله، وبوصلة خفية أودعها الخالق في القلوب لتدل الإنسان على من يأنس بهم ومن يتحفظ تجاههم. ولهذا كثيرًا ما يحدث الارتياح أو النفور منذ اللقاء الأول، بل أحيانًا من النظرة الأولى أو أثناء الحديث العابر، وكأن الأرواح تتعارف قبل الكلمات.

وقد عبّر النبي ﷺ عن هذه الحقيقة العميقة بقوله:

«الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».

وهو وصف بالغ الدقة لما يجري في داخل الإنسان دون أن يستطيع تفسيره تفسيرًا منطقيًا كاملاً.

فكم من شخص اقترب منا سريعًا حتى شعرنا نحوه بألفة قديمة، وكأن بيننا وبينه معرفة سابقة لا نعلمها. وكم من آخرين ظلوا قريبين بحكم العمل أو الظروف أو المجالس، ومع ذلك بقيت المسافة القلبية قائمة، لا كراهية ظاهرة، ولكن عدم قابلية وغياب ارتياح. إنها راحة القلب وحدسه الفطري.

وفي الحياة العملية خاصة، يلتقي الإنسان بأصناف كثيرة من البشر؛ في الأعمال المشتركة، أو لجان الكنترول، أو المناسبات المختلفة، أو البيئات المهنية المتكررة. وهناك من تفرض الظروف التعامل معهم، لكن القلب يبقى محتفظًا بمسافته الهادئة. وليس معنى ذلك ظلم الناس أو إساءة الظن بهم، وإنما هو شعور داخلي يصعب تجاهله.

ولقد أثبتت التجارب لكثير من الناس أن حدسهم الأول تجاه بعض الأشخاص كان صادقًا؛ فبعض من لم ترتح لهم النفوس منذ البداية، كشفت الأيام عن طباعهم الحقيقية، وأثبتت المواقف أنهم لا يستحقون مراتب القرب والثقة، بل يكفي معهم إطار المعرفة العابرة والتعامل الرسمي المهذب.

ولهذا فإن الإنسان الناضج لا يستهين بنداء قلبه، ولا يسخر من إحساسه الداخلي، لأن الخبرات الطويلة تجعل القلب أكثر قدرة على قراءة الناس وفهم إشاراتهم الخفية. غير أن الحكمة الحقيقية تكمن في أن يجمع المرء بين صدق حدسه وحسن خُلقه؛ فيبتعد عمّن لا يرتاح إليهم إن استطاع، لكن دون قسوة أو تعالٍ أو إيذاء.

فليس مطلوبًا منك أن تُدخل الجميع إلى دائرتك الخاصة، وليس واجبًا أن تُحب كل من تلتقي بهم، لكن الواجب أن تكون رقيقًا لطيفًا في التعامل، كريم الخلق، حتى مع من لا تشعر تجاههم بالقبول الكامل. فالأدب خُلُق، والاحترام واجب، أما القرب القلبي فليس قرارًا يُؤخذ بالعقل وحده، بل هو توفيق من الله.

إن القلوب لها إشاراتها، والأرواح لها لغتها الخاصة التي لا تُرى، ولكنها تُحسّ. ولذلك لا تتعجب إذا أحببت شخصًا من أول لقاء، أو شعرت بنفور هادئ من آخر بلا سبب واضح. فبعض الأمور لا تُفسَّر بالعقل وحده، لأن وراءها حكمة ربانية خفية، يعلمها الله وحده.

ليست هناك تعليقات: