دكتور محمد الشافعي
يَظلِمُ الإنسانُ نفسَهُ حين يظنُّ أنَّ قلوبَ الناس جميعًا على شاكلةِ قلبِه؛ فليس كلُّ من يبتسمُ يحملُ صفاءَ النية، وليس كلُّ من يُحسنُ الحديثَ يُحسنُ الوفاء. وبعضُ البشرِ يُتقنونَ ارتداءَ الأقنعةِ أكثرَ من إتقانِهم لمعاني الصدقِ والمروءة.
إنَّ أصحابَ القلوبِ النقية كثيرًا ما يقعونَ في هذا الوهم الجميل؛ يظنون أنَّ الرحمةَ التي تسكنُ صدورهم موجودةٌ بالقدرِ ذاته في صدور الآخرين، وأنَّ خوفهم على مشاعر الناس يقابله خوفٌ مماثلٌ على مشاعرهم، وأنَّ صدقهم العفويَّ سيجدُ صدقًا يشبهه. لكنَّ الحياةَ مع مرورِ الأيام تكشفُ أنَّ الطباعَ تختلف، وأنَّ النفوسَ ليست سواء، وأنَّ القلوبَ درجاتٌ في الصفاءِ والرحمةِ والوفاءِ.
ولعلَّ أكثرَ ما يُرهقُ النفسَ الطيبة أنَّها تمنحُ ثقتها سريعًا، لأنها تُقيسُ الآخرينَ على ذاتها، فتتعاملُ بعفويةٍ صادقة، وتفتحُ أبوابَها دون حذر، ثم تُفاجأ بأنَّ بعضَ الناس لا يرونَ العلاقاتِ كما تراها، ولا يُقدّرونَ الودَّ كما يُقدّره أصحابُ القلوبِ البيضاء. وهناكَ من يستغلُّ الطيبةَ ضعفًا، والصدقَ سذاجة، والتسامحَ بابًا للتمادي.
غيرَ أنَّ الحكمةَ لا تعني أن يتحوّلَ الإنسانُ إلى كائنٍ قاسٍ أو مرتابٍ في الجميع، بل تعني أن يُدركَ الفروقَ بين البشر، وأن يُحسنَ اختيارَ من يُقرّبهم إلى قلبه، وأن يمنحَ الثقةَ بتأنٍّ، لا باندفاعِ المشاعر وحدها. فالنضجُ الحقيقيُّ هو أن يحتفظَ الإنسانُ بنقاءِ قلبه، دون أن يسمحَ لأحدٍ بأن يُطفئَ ذلك النقاء أو يستنزفه.
إنَّ القلبَ الطيبَ نعمةٌ عظيمة، لكنَّه يحتاجُ إلى بصيرةٍ تحميه، وإلى قدرٍ من الاتزانِ يجعله يُفرّقُ بين من يستحقُّ المودةَ حقًّا، ومن يكتفي بأخذِ الخيرِ دون أن يُعطيه. فليس مطلوبًا من الإنسانِ أن يُشبهَ الآخرينَ في قسوتهم، وإنما المطلوبُ أن يتعلّم كيف يحفظُ قلبه، دون أن يفقدَ إنسانيتَه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق