دكتور محمد الشافعي
ليس كل ابتعادٍ عن الناس هروبًا، ولا كل صمتٍ وحشةً وفراغًا، فثمة أرواح تجد في العزلة حياةً أخرى، أكثر صفاءً وصدقًا وامتلاءً. هناك من يأنس بالضجيج وكثرة الوجوه، وهناك من لا يجد ذاته الحقيقية إلا حين يغلق أبواب العالم من حوله، ويجلس منفردًا في حضرة نفسه، يُصغي إلى ما يعتمل في داخله من أفكار، وما يختبئ في أعماقه من مشاعر وتساؤلات.
إن الجلوس وحيدًا في جوٍّ يملؤه السكون ليس انقطاعًا عن الحياة، بل هو في كثير من الأحيان اقترابٌ منها بصورةٍ أعمق. ففي الصمت تتجلى المعاني التي يبددها الضجيج، وفي الهدوء تنكشف للإنسان حقائق نفسه التي طالما غطّتها صخب الأيام وتعقيدات العلاقات. وما أجمل أن يصبح السكوت سكنًا، لا كآبةً، وأن يتحول الهدوء إلى زادٍ روحي يغذي الفكر ويهذب الوجدان.
وفي تلك اللحظات الهادئة يبدأ الإنسان رحلته مع ذاته؛ رحلةً لا تخلو من الحوار والاختلاف، ولا تنقصها المصارحة والمراجعة. فيناقش نفسه حينًا، ويعاتبها حينًا آخر، وقد يختلف معها في تفسير موقف أو تأويل فكرة، لكنه لا يلبث أن يعود إليها، لأنها موطنه الداخلي الذي لا يستطيع الفكاك منه. فالنفس، مهما أثقلتها الصراعات، تبقى أقرب الكائنات إلى صاحبها، وأصدقها كشفًا لعيوبه ومحاسنه.
غير أن هذا الصراع الداخلي ليس صراعًا هدامًا، ولا تمردًا على القيم والمبادئ، بل هو لونٌ من ألوان التهذيب والمراجعة والتقويم. إنه حوار تحكمه الشريعة، وتؤطره الأفكار النبيلة، وتسعى من خلاله النفس إلى بلوغ قدرٍ أعلى من الفهم والنضج والاتزان. فالاختلاف مع الذات لا يعني العداء لها، بل قد يكون سبيلًا إلى فهمها فهمًا أعمق، وإلى الوصول معها إلى حالة من التصالح الواعي.
ولعل أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر هو أن يفقد قدرته على الجلوس مع نفسه. فكثيرون يهربون من الصمت لأنهم يخشون مواجهة ذواتهم، ويغرقون في الضجيج حتى لا يسمعوا صوت أفكارهم الحقيقية. أما من اعتاد التأمل والخلوة الهادئة، فإنه يمتلك فرصة نادرة لإعادة ترتيب روحه، وتنقية أفكاره، واستخلاص الحكمة من تجاربه وخبراته.
إن العزلة الواعية ليست انطفاءً عن العالم، بل استراحة محارب يعود منها الإنسان أكثر صفاءً واتزانًا وقدرةً على الفهم والعطاء. ففي لحظات السكون قد يولد رأيٌ ناضج، أو فكرةٌ عميقة، أو نصٌّ يحمل من الصدق ما لا تمنحه الكلمات المولودة وسط الضجيج.
وهكذا يبقى الهدوء ملاذًا للأرواح المتعبة، وتظل النفس — مهما اختلفنا معها — الرفيقَ الذي لا يغادرنا، نخاصمها قليلًا ثم نعود إليها طويلًا، لأنها مرآتنا الوحيدة التي لا تكذب، ووطننا الداخلي الذي نسكن إليه كلما أرهقتنا الحياة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق