دكتور محمد الشافعي
يمضي الإنسان في بعض مراحل عمره وهو يحمل همًّا خفيًّا لا يشعر به كثيرون؛ همَّ أن يبدو نقيًّا في أعين الناس، وأن يشرح مقاصده، ويبرر تصرفاته، ويدافع عن صدق نواياه كلما أسيء فهمه أو أُخذ كلامه على غير مراده. يظن أن الحقيقة وحدها تكفي كي تُنصفه، وأن صفاء قلبه لا بد أن يصل يومًا إلى الجميع. لكنه مع الوقت يكتشف حقيقة مُرهقة؛ أن بعض العيون لا ترى إلا ما ترغب في رؤيته، وأن بعض الأحكام تُولد قبل أن يُسمع التفسير.
وهنا تكمن الحكمة العميقة في تلك العبارة المنسوبة إلى فيودور دوستويفسكي؛ فالحياة بالفعل أقصر من أن يقضيها الإنسان في معارك إثبات لا تنتهي. ليس من الحكمة أن تُهدر أعصابك وطمأنينتك كي تُقنع كل شخص بحسن نيتك، لأن النفوس ليست سواء، ولأن بعض الناس ينظرون إلى الآخرين من خلال تجاربهم وعُقدهم وأفكارهم المسبقة، لا من خلال الحقيقة ذاتها.
إن أكثر ما يُتعب الروح أن يعيش الإنسان أسيرًا لصورة يريد تلميعها أمام الجميع. فيراقب كلماته بإفراط، ويُرهق نفسه بالتبرير، ويخشى أن يُساء فهمه، حتى يفقد عفويته وسكينته. بينما النضج الحقيقي يبدأ حين يدرك المرء أن قيمته لا تُقاس برضا الناس عنه، وأن احترامه لنفسه أهم من مطاردة قبولٍ متقلب لا يدوم.
وليس معنى ذلك أن يتحول الإنسان إلى شخص قاسٍ أو متعالٍ أو غير مبالٍ بمشاعر الآخرين، بل المقصود أن يتحرر من عبءٍ ثقيل اسمه: السعي الدائم لإرضاء الجميع. فإرضاء الناس غاية لا تُدرك، ومن جعل راحته مرهونةً بأحكام الآخرين عاش مُرهق القلب، كثير الخيبة.
إن القلوب الصادقة لا تحتاج إلى ضجيجٍ كي تثبت نقاءها، والأفعال مع الزمن أبلغ من آلاف الشروحات. فدع الناس يظنون ما يشاؤون، واترك للأيام أن تكشف المعادن الحقيقية. فمن يعرفك بصدق لن يحتاج إلى تبرير طويل، ومن قرر أن يسيء فهمك فلن تُقنعه كثرة الكلام.
وفي النهاية، تبقى راحة الإنسان النفسية أثمن من أن تُستهلك في ملاحقة نظرات الآخرين وآرائهم. عش بصدق، وافعل الخير ما استطعت، واحفظ كرامتك من الإفراط في التفسير؛ فبعض الصمت احترام للنفس، وبعض التجاهل نجاة، وبعض المسافات راحة للقلب والعقل معًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق