2026-05-23

غِلٌّ بلا سبب

 



دكتور محمد الشافعي 

عجيبٌ أمرُ هذا الزمان…

أن يكتشف الإنسان أن أكثر الجراح عمقًا ليست تلك التي تأتيه من عدوٍّ معروف، بل من قلبٍ ظنَّه يومًا مأمنًا وموضعَ ثقةٍ ودفء.

فالغدر لم يعد دائمًا صريحَ الملامح، ولا يأتي دائمًا في هيئة خيانةٍ واضحة أو طعنةٍ معلنة، بل قد يتسلل في صورة حقدٍ خفيّ، ونفوسٍ امتلأت غِلًّا بلا سبب، وعيونٍ تنظر إليك لا بما أعطيت، بل بما تملك من راحةٍ أو نجاحٍ أو قبولٍ أو حتى صفاء نفس.

والمؤلم حقًا أن يكون مصدر هذا الغِلّ أقرب الناس إليك…

أولئك الذين منحتهم المودة الصادقة، والكلمة الطيبة، والمواقف النبيلة، وظننت أن المعروف يزرع الوفاء في القلوب، فإذا بك تُفاجأ أن بعض النفوس لا تُقابل الإحسان بالإحسان، بل ربما ضاقت بمن أحسن إليها، وكأن الخير نفسه يوقظ في داخلها شعورًا بالنقص أو المقارنة أو العجز.

هناك نفوسٌ لا تحتمل أن ترى غيرها هادئًا، أو ناجحًا، أو محبوبًا، أو ثابتًا رغم العواصف.

فتبدأ في صناعة خصومةٍ وهمية، وتنسج داخلها مشاعر غريبة لا تفسير منطقيًّا لها.

ليس لأنك ظلمتهم، ولا لأنك أسأت إليهم، بل لأن القلوب حين تمرض، تصبح عاجزة عن رؤية النور في الآخرين دون أن تتألم.

والحسد — في كثيرٍ من الأحيان — ليس اعتراضًا على ما عندك أنت، بل هو سخطٌ دفين داخل النفس نفسها.

ولهذا قد تحتار طويلًا وأنت تسأل:

بماذا أخطأت؟

وأين أسأت؟

ولماذا كل هذا الجفاء أو الضيق أو الحقد؟

ثم تكتشف بعد رحلةٍ طويلة من التأمل أن بعض المشاعر لا تُفسَّر بالعقل، لأن مصدرها ليس المواقف، بل الطباع والقلوب.

ولعل أصعب ما يمر به الإنسان أن يُبتلى بمن يعرف تفاصيله، ويعلم صدق نيّته، ثم يختار رغم ذلك أن يحمل له غِلًّا لا يستند إلى سببٍ حقيقي.

لكن النضج الحقيقي ألا تتحول بسبب ذلك إلى نسخةٍ قاسية من العالم، وألا تجعل خيبة البعض تُفسد صفاءك أو تُطفئ إنسانيتك.

فليس كل الناس سواء، وليس كل القلوب أوعيةً صالحة لحفظ المعروف.

ولهذا يبقى أكرم ما يفعله الإنسان أن يستمر نقيَّ القلب، كريم الخُلُق، حتى وإن اكتشف أن بعض النفوس لا ترى في البياض إلا ما يزعج عتمتها.

ليست هناك تعليقات: