2026-05-17

حين تتبدل الوجوه

 


دكتور محمد الشافعي 

في لحظةٍ ما من العمر، يكتشف الإنسان أن كثيرًا من الوجوه التي أحاطت به لم تكن كما ظن، وأن بعض القلوب التي منحها ثقته ومحبته كانت تحمل من البرود أو المصلحة أو التقلب ما لم يكن يتوقعه. عندها يشعر وكأن شيئًا داخله قد انكسر، لا لأن الدنيا تغيّرت، بل لأنه أدرك الحقيقة متأخرًا.

إن أكثر ما يُرهق النفس ليس قسوة الأيام، وإنما خيبة الأمل في البشر. فالإنسان يستطيع أن يتحمل التعب، والفقر، وضغط الحياة، لكنه يضعف حين يرى الودّ يتحول إلى جفاء، والصدق يُقابل بالخداع، والوفاء يُجازى بالنكران. لذلك يصل البعض إلى مرحلة يقول فيها إنه لم يعد قادرًا على تحمل المزيد، لا من الأحداث وحدها، بل من تكرار الخذلان ذاته.

ومع ذلك، فإن الحكمة الحقيقية لا تكمن في كراهية الناس أو الانغلاق عن العالم، وإنما في إعادة ترتيب المشاعر والتوقعات. فليس كل من اقترب صديقًا، وليس كل من ابتسم مخلصًا، وبعض العلاقات لا تستحق أن تُستنزف فيها الروح أو تُهدر لأجلها الطمأنينة. والنضج الإنساني يبدأ حين يتعلم المرء أن يمنح كل شخص قدره، دون إفراط في الثقة أو اندفاع في التعلق.

إن الحياة تعلمنا بمرور الوقت أن الاتزان النفسي أثمن من العلاقات المتكلفة، وأن راحة القلب لا تأتي من كثرة المحيطين بنا، بل من صدق القليل الذين يبقون أوفياء رغم تغير الظروف. فالعاقل لا يبحث عن كثرة الوجوه حوله، وإنما عن القلوب التي تمنحه الأمان، وعن العلاقات التي لا تُشعره بأنه عبء أو وسيلة أو مجرد مرحلة عابرة.

ولهذا، حين يضيق الإنسان من تكرار الخيبات، لا ينبغي أن يفقد إيمانه بالحياة، بل عليه أن يحافظ على نقاء قلبه، مع شيءٍ من الحذر والحكمة. فالقلب الطيب لا يجب أن يتحول إلى قلب قاسٍ، وإنما إلى قلب واعٍ يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يحفظ كرامته وصمته من ضجيج العلاقات المؤذية.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الإنسان لا يحتاج إلى الجميع، بل يحتاج إلى من يخفف عنه قسوة الأيام، لا من يضيف إليها ثقلًا جديدًا.

ليست هناك تعليقات: