دكتور محمد الشافعي
ما إن تنتهي صلاة العيد، وتتعالى تكبيرات المصلين في الطرقات والحارات، حتى يبدأ مشهد آخر مغاير تمامًا لروح البهجة التي امتلأت بها القلوب منذ الفجر.
مشهد تختلط فيه أصوات التكبير بأصوات الخوار، وتتحول الشوارع شيئًا فشيئًا إلى ساحات ممتدة للذبح والدماء، فيقف الإنسان متأملًا هذا التناقض العجيب بين فرحة العيد ورهبة المشهد.
خرجتُ يومها لأذبح أضحيتي، فإذا بي أجد عددًا من التضحيات قد سبقت نحر أضحيتي.
أضاحٍ مُلقاة على الأرض، وأخرى تُسحب إلى مصيرها، وعيون تنظر في صمت كأنها تدرك النهاية.
ورجال يحيطون بالمشهد بين مكبرٍ ومهللٍ ومنشغلٍ بتقسيم اللحم أو تنظيف المكان، حتى خُيّل إليّ أن العيد عند البعض قد اختُزل في لحظة الذبح وحدها، لا فيما وراءها من معنى ورحمة ومغزى.
ووقفت أتساءل في داخلي:
هل هذه هي فرحة العيد حقًا؟
هل الفرح في الدم المسفوح، أم في الطاعة ذاتها؟
هل البهجة في منظر الذبح، أم في معنى التضحية الكامن خلفه؟
إن الأضحية في أصلها ليست احتفالًا بالعنف، ولا استعراضًا لمشهد الموت، وإنما هي شعيرة عظيمة ترتبط بالفداء والطاعة والامتثال لأمر الله، وتستدعي إلى الوجدان قصة الخليل إبراهيم عليه السلام حين انتصر الإيمان على هوى النفس، وانتصر التسليم لله على أعظم عاطفة بشرية.
لكن الإنسان أحيانًا يعتاد المشهد حتى يفقد التأمل في معناه.
فتتحول الشعيرة عند البعض إلى عادة موسمية، تُمارس بلا تدبر، ويصبح الاهتمام منصبًا على تفاصيل اللحم والتوزيع وعدد الكيلوجرامات، أكثر من الانشغال بما ينبغي أن تتركه الأضحية في النفس من رحمة وشكر وإحساس بالفقراء والمحتاجين.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الأطفال يقفون يشاهدون كل ذلك في دهشة، بين من يضحك، ومن يخاف، ومن يعتاد المنظر عامًا بعد عام حتى يصبح أمرًا عاديًا في وجدانه.
وهنا يظهر السؤال الأعمق:
كيف نُعلّم أبناءنا معنى الشعيرة، لا مجرد مشهدها؟
كيف نربط العيد بالرحمة وصلة الرحم والستر والفرح النظيف، لا فقط بمشهد السكين والدم؟
إن فرحة العيد الحقيقية ليست في الذبح ذاته، بل فيما بعد الذبح.
في إدخال السرور على البيوت، وفي شعور الفقير أن له نصيبًا من الخير، وفي اجتماع العائلة، وفي التكبيرات التي تبعث السكينة، وفي تلك الروح الإيمانية التي تجعل الإنسان أكثر قربًا من الله وأكثر رحمة بالناس.
أما الدم، فهو مجرد وسيلة لشعيرة عظيمة، لا ينبغي أن يتحول إلى محور الاحتفال ذاته.
فالعبادات تسمو بمعانيها، لا بصورها وحدها.
وكلما ارتقى الإنسان بفهمه للشعائر، أدرك أن العيد أكبر من مشهد ذبح… وأعمق من لحظة نحر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق