2026-05-11

حدود الثقة

 

دكتور محمد الشافعي 

في زحام العلاقات الإنسانية، يخطئ بعض الناس حين يظنون أن كل وجهٍ باسم يحمل قلبًا نقيًا، وأن كل كلمة طيبة تعني صدقًا وإخلاصًا. والحقيقة أن الحياة علّمت الكثيرين أن البشر طبائع متعددة، وأن النفوس ليست سواء؛ فمنهم الصادق الأمين، ومنهم من يتقن ارتداء الأقنعة حتى يظنه الناس ملاكًا وهو أبعد ما يكون عن ذلك.

لذلك، لا ينبغي للإنسان أن يبالغ في طمأنينته تجاه الآخرين، ولا أن يفتح أبواب قلبه لكل عابر طريق. فالثقة الحقيقية لا تُمنح سريعًا، وإنما تُبنى ببطء، وتُختبر عبر الزمن والمواقف. الكلمات قد تُخدع، أما المواقف فهي وحدها التي تكشف معادن البشر. فكم من شخصٍ أجاد الحديث عن الوفاء، ثم كان أول المنصرفين وقت الشدة، وكم من إنسانٍ بسيطٍ قليل الكلام أثبت بأفعاله أنه أصدق من كثيرين.

إن الحذر في العلاقات ليس سوء ظن، بل هو نوع من الحكمة وحماية النفس من الخيبات المتكررة. تعامل مع الناس بودّ واحترام، لكن دون اندفاعٍ مفرط أو تعلقٍ عميق منذ البداية. اجعل لكل علاقة حدودها، ولكل شخص مكانته التي يستحقها بقدر ما يقدمه من صدق وأمان.

أما الأسرار، فهي أثمن مما يظن البعض. فالسر حين يخرج من القلب يصبح عرضة للتأويل والنقل وربما الاستغلال. ولهذا كان أقرب الناس إلى حفظ أسرارك هما والداك؛ فالأب والأم وحدهما غالبًا من يحملان همّك بصدقٍ خالص لا تشوبه مصلحة ولا غرض. أما أن يبعثر الإنسان أسراره في كل مجلس وتحت تأثير العاطفة المؤقتة، فذلك لون من التهاون الذي قد يدفع ثمنه لاحقًا.

إن النضج الحقيقي لا يعني الانعزال عن الناس، وإنما يعني أن تعرف كيف تمنح الثقة، ولمن تمنحها، ومتى تمنحها. فليس كل قريبٍ صديقًا، وليس كل مبتسمٍ محبًا، والحياة أهدأ لمن تعلّم أن يحتفظ ببعض المسافات الآمنة بينه وبين الآخرين، حتى يبقى قلبه سالمًا من الخيبة، وعقله بعيدًا عن الندم.

ليست هناك تعليقات: