دكتور مجدي عبدالعال
تحسين دخول الأساتذة:
حلم للجميع أم حقيقة للقلة فقط؟————————
في خبر عاجل حملته بعض المنصات الإخبارية، عن "تحسين الأوضاع المالية لأعضاء التدريس بالجامعات، وخلق مسارات جديدة للدخل، وتطوير البرامج، وزيادة الفروع الدولية، وإعداد الوافدين، مع تأكيد أن ذلك لن يكون على حساب البرامج المجانية".
لكن حين نقرأ الخبر بعيون من يمارس الأكاديميا فعلاً، لا نجد في العبارات طمأنينة، بل نجد أسئلة أعمق من أن تُحل بعبارات بروتوكولية.
أولاً: تحسين الأوضاع المالية "للمختارين فقط":
فكرة زيادة الإيرادات من الفروع الدولية والوافدين والبرامج النوعية تبدو مشروعة، لكن المشكلة تكمن في آلية التوزيع. في الغالب، تذهب هذه الإيرادات إلى الفئة التي ستدير هذه المشاريع، أي من وُضعت ثقتهم مسبقاً، وليس بالضرورة من يمتلك الخبرة. وهكذا تتحول "العدالة المالية" إلى امتياز لفئة محظوظة، ويبقى القادرون الحقيقيون خارج دائرة التحسين.
ثانياً: الفروع الدولية تحتاج سمعة لا تُبنى بقرار:
لا يمكن لجامعة أن تنشئ فروعاً دولية جاذبة ما لم يكن تصنيفها الأكاديمي قوياً. والتصنيف يحتاج إلى بنية بحثية حقيقية، ونشراً علمياً رصيناً، وشفافية في الحوكمة، وليس فقط قراراً وزاريًا. إن بناء الفروع قبل التصنيف هو وضع العربة أمام الحصان.
ثالثاً: استضافة الوافدين دون قواعد حازمة كارثة:
الحديث عن "أعداد الوافدين" دون التأكيد على معايير قبول صارمة يعني تحويل التعليم إلى سلعة. سيكون القبول فيها لمن يدفع أكثر، ولو على حساب الطالب المصري الذي لا يستطيع دخول الجامعات الخاصة. والأخطر أن هذا المدخل سيُغرق الجامعة بعناصر غير مؤهلة، فيتسرب الضعف إلى المخرجات.
رابعاً: الحوكمة والشفافية الغائبة:
من يراقب توزيع الإيرادات؟ ومن يقيّم أداء القائمين على الفروع والوافدين؟ غياب آليات رقابية مستقلة يعني أن الأموال الجديدة ستديرها نفس الإدارة القديمة، وبنفس المحسوبيات. وهو نفس الخطأ الذي وقعت فيه إدارة الجامعات الأهلية، حيث أُديرت بنفس الوجوه والعقليات التقليدية.
خامساً: المتميزون يتحملون أعباء إضافية دون عوائد:
عادةً، في هذه السياسات، يُطلب من أكاديميي الخبرة الحقيقية تطوير البرامج والإشراف على الوافدين والفروع، دون أن يُمنحوا أي حصة من العوائد. هم فقط "حطب التشغيل". بينما تُصرف الحوافز للمقرّبين الذين يظهرون في الصورة الإعلامية.
سادساً: الطالب المصري أول ضحايا هذه السياسة:
قبول الوافدين بأولوية الدفع سيغلق الأبواب أمام طلاب مصريين ذوي قدرات عالية لكن إمكانياتهم محدودة. كما أن التوسع في البرامج الدولية قد يحدث على حساب جودة البرامج المجانية.
ختاماً: إذا لم تُرفق هذه السياسات بآليات توزيع عادلة ورقابة مستقلة، فستتحول الجامعات إلى أسواق تعليمية، ليس فيها إلا "من يحظى" و"من يُطبل"، ومن يبقى كما هو: محلك سر.
أما التحسين الفعلي لدخول أعضاء هيئة تدريس الجامعات فيكمن جذرياً في تعديل سلم الرواتب، وتثبيت بدلاته ضمن الأساسي (وليست مكافآت عارضة) وفقاً لما آلت إليه نسب التضخم، وينعكس ذلك بالتبعية على تحسين دخول أرباب المعاشات من أعضاء هيئة تدريس الجامعات. وهذا يستلزم تدخلاً من رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ومجلس النواب لتعديل ما يلزم من مواد القوانين الحاكمة لذلك.
—————————
أ.د. مجدي عبدالعـال
أستاذ كيمياء البوليمرات
مهتم بالتعليم العــــالي
جامعة المنصـــورة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق